يحيى الغافري يكتب: العفو السلطاني منهج متوارث

يحيى بن سيف الغافري

إن العفو من شيم الفضلاء ، ومن صفات السلاطين الشرفاء، فقد سادوا الناس بأخلاقهم، وتوارثوا المكارم كابرا عن كابر.

إن خلق العفو من مكارم الأخلاق ومن حاز مكارم الأخلاق فقد ساد الناس بأخلاقه قبل أن يسودهم بسلطانه، واستحوذ على ولائهم وحبهم طوعا وانقيادا، قبل أن يكون كرها وإذعانا.

وبلاشك فإن العفو السياسي ينم عن رقي فكري، وسمو تربوي، ودهاء سياسي، ويحقق أبعادا إنسانية، و دينية، واجتماعية، وسياسية، ويحافظ على وحدة المجتمع، ويؤدي إلى اتحاد الشعب وتماسكه، ويكرس فيهم الانتماء الوطني، ويحفظ الأبناء من التغريد خارج سرب الوطن.

إن الحكمة السلطانية السامية تستدعي الإشادة والإجلال، فهي تبهرنا يوما بعد يوم، سواء فيما هي معلومة أخبارها أو فيما اقتضت السياسة إخفاءها. ويكفينا نظرة خاطفة إلى سلوك بعض الأنظمة السياسية مع مخالفيها فضلا عن معارضيها، ذلك لأن تلك الأنظمة تجاوزت حقوق الإنسان بل تجاوزت الحدود في العقاب والجزاء، ونالت من كرامة وحياة الإنسان؛ فلا مجال للمقارنة مع وجود الفارق، لكن كما يقال بضدها تتميز الأشياء فنخلص إلى أن سلطنتنا رحيمة بالإنسان، تستحق أن يكتب عنها الكاتبون و يتدارس سياستها الباحثون، لتكون نموذجا مثاليا ومدرسة في السياسة الأخلاقية و الأمنية.

لقد أكرم الله تعالى عمان بشعب حكيم منذ القدم، وسار على ذلك الأئمة العدول، ثم السلاطين الكرام، وكانت صفة العفو والتسامح سببا أساسيا من أسباب حضارتهم و مجدهم، فبالتسامح تنوعت الأعراق والأجناس والمذاهب التي اندمجت في الحضارة العمانية وأثرت فيها تأثيرا كبيرا، وبسطت الامبراطورية العمانية حكمها في أفريقيا و آسيا عبر التاريخ بالتسامح والعفو قبل السلطان والسيف. وقد سجل التاريخ أمثلة جليلة على تسامح العمانيين الفكري، ومن أهمها دخولهم الإسلام دون تشدد ولا تعصب لفكر الجاهلية. وكأن صفة التسامح صفة جينية مخلوقة في الصبغة الوراثية للعمانيين يتوارثها الأبناء عن آبائهم.

لقد كان السلطان قابوس -رحمه الله حكيما- منذ أول عهده، فقد خطب في الشعب وفي العالم عبر الإذاعة العمانية في ٩ أغسطس عام ١٩٧٠م بعبارة وجيزة في آخر خطابه مستشهدا بقول الله تعالى( عفا الله عما سلف، عفا الله عما سلف).. وهكذا تمضي سنة الله تعالى في خلقه، وتدور عجلة الزمن، وينتقل السلطان قابوس إلى رحمة الله، ثم يهيئ الله تعالى لعمان سلطانا حكيما آخر، ورث الحكم والحكمة؛ إنه جلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله، والذي هو خير خلف لخير سلف، والذي سار على الخطى القابوسية، ومن تلك الخطى منهج العفو والتسامح.

إن الله تعالى لطيف بعباده، إذا أخذ أمانة رجل منهم ، هيأ لهم رجلا كريما مثله،
يقول القائل:
إذا سيدٌ منا خلا قام سيد
قؤول لما قال الكرامُ فعولُ.

وكما كان يفعل السلطان قابوس رحمه الله، ها هو التاريخ يعيد نفسه، ويصدر جلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله ، عفوه السامي عن بعض المخطئين، فتنزل الفرحة على قلوبهم، وتعود الطمأنينة إلى نفوسهم. وتحيط السعادة بهم وبذويهم. لقد منحوا فرصة أخرى، وهذا مبدأ رائع، مبدأ تربوي إصلاحي نحن بحاجة إليه.

الإصلاح بالعفو لا بالعقاب، وبالنصح لا بالجزاء، وبالتسامح لا بالانتقام، وبالحكمة لا بالغلو. كم نحن بحاجة ماسة إلى أن نعفو ونسامح و نعطي الآخرين فرصة أخرى لتصحيح أخطائهم.

إن البشرية اليوم وفي هذه الظروف الراهنة الحالكة بحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى نشر ثقافة العفو والتسامح، التسامح على مستوى النفس، والأفراد، والشعوب، و المجتمعات، و القبائل، والأعراق، والقوميات، والمذاهب، والديانات، والدول.

ويكفي الناس قول الله تعالى: ‏(فمن عفا وأصلح فأجره على الله، إنه لا يحب الظالمين)، وفي ختام حديثنا هذا؛ يلهمنا و يلهم الإنسانية موقف الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بعفوه عن قومه الذين ظلموه، وأخرجوه من وطنه، فقال لهم: (ما تظنون أني فاعل بكم؟! قالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم. فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء).

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock