د.رجب العويسي يكتب: نحو ضبط احتياجات عُمان المستقبلية من التخصصات الأكاديمية

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

مع تولي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله ورعاه مقاليد الحكم في البلاد في الحادي عشر من يناير 2020، تعيش السلطنة تحولات في مختلف الجوانب التنموية والاقتصادية والخدمية، وجاء خطاب عمان المستقبل الذي تفضل به جلالته في الثالث والعشرين من فبراير 2020 ، واضعا التعليم بوابة الانتقال بعمان إلى المستقبل تحقيقا لرؤية عمان 2040، وتحقيقا لذلك فقد جاءت المراسيم السلطانية السامية حول التعليم تجسيدا لهذه الرؤية ونقلها للواقع، وعبر المرسوم السلطاني رقم ( 76/2020 ) بإنشاء جامعة التقنية والعلوم التطبيقية، وفي الثامن عشر من أغسطس 2020 أصدر جلالة السلطان حزمة من المراسيم التي أعادت هيكلة الجهاز الإداري للدولة، كان للتعليم نصيب منها، حيث جاء المرسوم السلطاني ( 98/2020 ) بتعديل مسمى وزارة التعليم العالي إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار وتحديد اختصاصاتها واعتماد هيكلها التنظيمي والتي الغت مجلس التعليم ومجلس البحث العلمي، وهي تغيرات سيكون لنتائجها حضورا نوعيا في مسيرة التعليم العالي بالسلطنة في ما أسسته في مسيرة العمل الجمعي المشترك والتكاملية وتوحيد الجهود وتحجيم التشتت الحاصل في منظومة التعليم العالي ومؤسساته الأكاديمية، وضمان تحقيق الانسجام والحوار والاستفادة من الفرص المتاحة والبناء على المشتركة النوعية بين التعليم والتنمية وقدرة التعليم الجامعي والعالي على الوفاء بمتطلبات التنمية الوطنية المستدامة.

وبالتالي ما يمكن أن تحققه إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة من دور محوري للتعليم في ضبط سياساته وتقنين مساراته والتنويع فيها وتوجيهها لصالح المواءمة مع احتياجات سوق العمل، وصناعة تحول في عملية بناء التخصصات وإعادة تقييمها بحسب ارتباطها بالواقع وتلبيتها للوظائف في القطاعين العام والخاص، وإعادة ترتيب أولوياته من التخصصات الأكاديمية بما يتواءم واحتياجات سوق العمل الوطني وعبر امتلاك رؤية وطنية مستديمة تتسم بالتكامل والمهنية والعمق وتتناغم فيها السياسات التعليمية والخطط والبرامج والتخصصات والمساقات التدريسية بالجامعات والكليات مع طبيعة المرحلة والمستجدات الحاصلة في منظومة الأداء الوطني، وفي الوقت نفسه تعمل على رصد مراحل تطور سوق العمل الوطني وطبيعة عمل القطاعات والمؤسسات والقطاع الخاص بالاحتياجات الوطنية المستقبلية من التخصصات أخذة في الاعتبار التخصصات ذات القيمة المضافة التي تشكل الوجه الأبرز في ظل الثورة الصناعية الرابعة وإنتاج تخصصات أكثر تحقيقا لبناء رؤية عمان 2040 خاصة ما يتعلق منها بقطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ، وقطاع ريادة الأعمال، والمشاريع التي تقوم على الابتكار والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، هذا الأمر لا يعني التقليل من شأن التخصصات في العلوم الإنسانية والاجتماعية والتعليم وغيرها، بل إعادة هيكلتها وتقنينها بشكل يتناغم مع احتياجات عمان في العشرين سنة القادمة وعبر توفير الكفاءات التي تعمل على تحقيق أبعاد الرؤية، مراعية نوع وطبيعة ومسميات الوظائف والتخصصات ومستوى النمو والتحول الحاصل في هذه الوظائف مستقبلا.

وعليه فإن من شأن ذلك ضبط مدخلات التعليم الجامعي والعالي وتحسين عملياته للوصول إلى مخرجات قادرة على اثبات الذات والانطلاقة بالشباب العماني “الخريج” نحو آفاق رحبة دون هاجس الانتظار للوظيفة الحكومية، بحيث تنمي فيه فقه بناء المشروع الاحترافي وإدارته والتعامل الواعي معه في ظل تحقيق أعلى درجات الجودة والمنافسة والتسويق له، لما لهذا الأمر من تأثير في تقدير المجتمع للتعليم وثقته فيه واعترافه بما يقدمه في سبيل تعلم أبنائه، في ظل واقع اجتماعي ما زال ينظر إلى الوظيفة باعتبارها منتج تعليمي ، ويقرأ نجاح المتعلم في مسيرته التعليمية في حصوله على الوظيفة الحكومية المناسبة، وهو ما يطرح على التعليم العالي امتلاكه لجملة من الحزم التطويرية التي ينبغي ان يعمل عليها في مستوى المدخلات والعمليات والمخرجات بالشكل الذي يضمن قدرته على الوفاء بالتزاماته الوطنية والأخلاقية والمهنية والإنسانية، وأن مخرجاته تمتلك المهارات والقدرات والاستعدادات والجاهزية والقيم والمبادئ التي تضمن قبوله لفرص العمل المتاحة وابتكار بدائل نجاحه القادمة في ظل المساحة المتاحة له في هذا الشأن، بالإضافة إلى تغيير الصورة الذهنية السالبة المتولدة حول مخرجات التعليم سواء من قبل المجتمع كأولياء الأمور أو رجال الأعمال ومؤسسات التشغيل والثقة الممنوحة للكفاءة الوطنية والخبرات العمانية، وهنا يأتي دور الاعلام والتشريع معا في التسويق للخبرة الوطنية، وبناء ثقافة مشتركة في مساعدة التعليم على الوفاء بالتزاماته المجتمعية عبر تهيئة البيئة التنظيمية والتشريعية والبحثية والتطويرية التي تعزز من قدرته على بلوغ الغايات والوصول إلى الأهداف، وضمان أنّ مخرجاته تلقى التقدير من قبل مجتمع المعرفة والاقتصاد والمال والعمل والاستثمار، ومجتمع العائلة والأسرة.

ومع أهمية ما أشرنا إليه فإن على منظومة التعليم العالي والجامعي أن توسع من دائرة العمل المتقن الذي يربط بين السلوك التعليمي الممارس في قاعة التدريس والمختبرات وورش العمل وبين المهارة الناتجة عنها، إذ كلما التصقت الممارسة التعليمية بجدار الواقع ونقلت الطالب إلى دور الفاعل والمؤثر والمبتكر والمخترع والمستكشف والمنتج كلما كان المنتج التعليمي أكثر تقنينا وفاعلية في أداء مهمته بحجم ما يمتلكه من مهارات أصيلة وخبرات مجربة وقدرات وأخلاقيات في ميدان العمل والإنتاجية والمنافسة، هذا الأمر من شأنه أن يعزز من فرص التثمير في الكفاءة الوطنية العالمية بحيث لا يقتصر دورها فقط على اعداد مخرجات لسوق العمل المحلي ، بل أن تتسع نظرتها لتشمل إعداد الخريج للمشاركة في سوق العمل العالمية التي يدير أرصدتها اقتصاد المعرفة والمنافسة المهارية والتسويق الشبكي للكفاءة والخبرة الوطنية، وعبر علاقة أدوم بين التعليم والمهارات وسوق العمل وإحداث تجديد في الفلسفة والآليات والتخصصات ونظم التقويم ، بما يعني الحاجة إلى تأسيس آليات واضحة وإطار مؤسسي هدفه مراقبة التطورات الحاصلة في سوق العمل للوقوف على طبيعته ونوع الطلب على الكفاءة الوطنية والتخصصات، والتعاطي منها في ظل تشريعات مرنة وأنظمة حوافز مناسبة، وثقافة مؤسسية تضمن تحقيق معايير الابداع والتجديد والابتكار، وإتاحة الفرصة للجامعات في تطوير برامجها الدراسية والتدريبية وتطويعها لتنسجم مخرجاتها مع احتياجات سوق العمل المتجددة والتخصصات العلمية والتقنية والفنية والمهارات، ونوع الوظائف التي قد لا تتوافق مع طبيعة المستقبل، هذا الامر يستدعي أيضا مراجعة مقننة لآليات عمل مركز القبول الموحد بشأن خيارات الطلبة والتخصصات المطروحة لها وآلية احتساب المعدل التنافسي وعلاقته بقبول طلبة الدبلوم العام في الجامعات داخل السلطنة وخارجها.

أخيرا تبقى معادلة التوازن بين التخصصات الأكاديمية ووظائف المستقبل؛ الضامن لبناء مسار تعليمي قادر على تلبية طموحات المواطن ورؤية عمان 2040، مستلهما من إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة والتغييرات الحاصلة في منظومة التعليم العالي مرحلة متقدمة في رسم ملامح مضيئة ومحطات مشرقة تزيل عن المواطن هاجس القلق وأزمة الثقة والتشاؤمية التي باتت تسيطر على حياته وهو يرى مخرجات الجامعات؛ باحثة عن عمل، عاطلة بلا صنعة، هامدة بلا مهارة، خاملة بلا مشروع يصنع لها حياة كريمة وعيش سعيد. فهل ستؤدي هيكلة التعليم العالي وجامعة التقنية والعلوم التطبيقية إلى ضبط احتياجات عمان المستقبلية من التخصصات الأكاديمية وتوفير مسارا تعليميا يتناغم مع سوق العمل الوطني والعالمي؟

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock