بالصور: أهالي فنجا يوثقون زيارة السلطان قابوس بطريقة جميلة!

مسقط-أثير

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

 

في كل مرةٍ تطأ قدماي (فنجا) أحرص على زيارة صديقي الفنّان وعاشق التراث سيف بن ناصر الرواحي، في بيته التراثي الذي أصبح أحد معالم ولاية بدبد، والذي عُدّ مزارًا لكثيرٍ من زائري المدينة، وكتب عنه العديد من مثقّفي البلد وأدبائها.

وخلال زيارتي الأخيرة ذكّرني الصديق الرواحي برغبةٍ سابقة كنتُ قد أبديتها لزيارة حارة فنجا الأثرية والمعروفة بحارة (الحجرة) والتجول في زوايها المختلفة، حيثُ إنني كنت قد زرت الحارة في جولةٍ سريعةٍ قبل ذلك، واتفقتُ معه وقتها على زيارةٍ قادمة أقفُ فيها على تفاصيل دقيقةٍ كثيرة تخص الحارة وأهلها، وتكون عنوانًا لتقريرٍ أثيريٍ موسّع قد يتم نشره قريبًا.

سيف؛ العاشق لفنجا، والذي خلّد تراثها ومعالمها بعدسته في صورٍ عديدة احتلت أماكن وزوايا عديدة في بيوت ومكاتب أصدقاءٍ ومعارف كثيرين، ووثّق احتفاءها السنوي بالعزوة في كتابٍ مصورٍ حمل اسم الفعالية، كان متحمسًا لتلك الزيارة، وطلب مني ألا نفوت الفرصة وأن نذهب في التوّ، فكانت الزيارة.

ملامح عديدة وثّقتها ذاكرتي قبل عدستي منذ الوهلة الأولى لصعودنا نحو الحارة الشامخة بعلوّها، حيث خطت رجلاي كثيرًا في سككها متأملًا ملامح بيوتها الطينية، ورنا بصري شاهقًا نحو أبراجها الخمسة، واغتسلت روحي قبل يديّ من مياه حمّامها الغربي الساخنة، وتخيّلت وأنا أقف قريبًا من مدافع العزوة، المرحوم محمد بن مطر الوحيدي وهو يستعد لإطلاق المدفع الكبير، بينما ثمّةُ أطفالٍ يستعدون لإنفاق (عيّودهم) لدى أقرب بسطةٍ حافلةٍ بأنواعٍ عديدةٍ من المأكولات الشعبية، واللعب المستوردة، ولم أنس في غمرة تخيّلاتي أن أتخيّل مُضيفي الفنّان وهو ينتقل من مكانٍ لآخر موثقًا بعدسته أدقّ تفاصيل حارته.

ونحن نتجوّل في حارات (الحجرة) الضيّقة استوقفني منظر بيتٍ كاد أن يؤول سقف إحدى غرفه للسقوط، كان السقف مكونًا من جذوع نخيلٍ وكتبت على تلك الجذوع كلمات وحروف عديدة في منظرٍ جميل جسّد روعة العمارة العمانية التي لم تقتصر على القلاع والحصون والبيوت الكبيرة، بل انتقل للمحلات والبيوت العادية، فكثيرًا ما تستوقفنا أسماء لأشخاص، أو عباراتٍ لأحداثٍ كتبت على أسقف العديد من البيوت، تشكّل جزءًا من تاريخ عمان المدوّن.

طلب مني مرافقي الرواحي التركيز جيّدًا في الكتابات التي تملأ ذلك السقف، فاستوقفني جذعٌ كتب عليه اسم (قابوس)، فاقتربت بعدسة هاتفي من الجذع لأتبين العبارة الآتية: ” في يوم الإثنين وصل السلطان قابوس المعظّم بلدة فنجا وأقيمت…).

أما قصة ذلك الجذع فيبدو أن بناء البيت صادف زيارة السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – للمدينة، فرغب صاحب البيت في توثيق أول زيارة للسلطان لمدينتهم، فلم يجد أفضل من توثيق الزيارة على أحد الجذوع التي تشكّل سقف سبلة المنزل، كي يتذكّرها كل من يدخلها، وكي تبقى للأجيال اللاحقة بعمر البيت كتذكارٍ أبديّ لتلك الزيارة الغالية والعزيزة على أبناء المدينة.

ولم يتسنّ لنا معرفة السنة التي تم توثيق زيارة السلطان قابوس بن سعيد -رحمه الله- لفنجا، وبرجوعنا إلى عدد من الأراشيف وجدنا أن جلالته قام بعدة زيارات مطلع السبعينات يحتمل أن تكون إحداها هي الزيارة المقصودة، ففي يوم الثلاثاء 14 نوفمبر 1972 قام -رحمه الله- بجولةٍ تفقدية لمدة يومٍ واحد لبعض ولايات المنطقة الداخلية،  حيث خرج من قصر “العلم العامر” بمسقط، وسلك الطريق إلى محافظة الداخلية، فزار ولاية بدبد واجتمع مع سعادة الشيخ الوالي سلطان بن راشد اليعقوبي وناقش معه أمور الولاية ومطالبها، ثم أكمل الطريق باتجاه إزكي ونزوى.

وفي يوم الإثنين 20 مايو 1974، قام بجولةٍ أخرى، حيث كانت البداية من قصر ” العلم العامر” بمسقط، باتجاه محافظة الداخلية، حيث توقف في بدبد، وزار مركز الجيش بها، ثم تفقد بعض الدوائر الحكومية في بدبد، ثم توجه إلى ولاية نزوى.

كما توقف جلالة السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – في فنجا خلال رحلة عودته من جدّة الحراسيس باتجاه العاصمة في نوفمبر 1975.

وقد نستبعد التاريخ الأول لأنه يصادف يوم الثلاثاء بينما الزيارة كانت بحسب ما هو مكتوب يصادف يوم الإثنين، فإننا لا نستطيع تأكيد التاريخ الثاني على الرغم من أنه يصادف يوم الإثنين لأننا لم نتمكن من معرفة اليوم الذي وصل فيه السلطان قابوس إلى فنجا في الزيارة المذكورة في التاريخ الثالث.

المراجع

  • جريدة عمان. العدد 80، 25 مايو 1974، دار جريدة عمان للصحافة والنشر، مسقط.
  • الخميسي، محمد بن وني. الجولات الداخلية للسلطان قابوس بن سعيد المعظم وأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية 1971-2000 ، وزارة الإعلام.
  • مجلة العقيدة، العدد 94، 6 نوفمبر 1975، دار العقيدة، مسقط، سلطنة عمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى