عين المنزف تستنزف دموع الجموع في رحيل الزعيم العصامي

مازن بن سعيد الغشري

يرسل الناعي رسالة النعي وحروفه “تتنشج” الحزن، وتثور بين جنباتها تناهيد ساخنة، وعبرات متصاعدة، فلم أصدّق الخبر وحسبته بعضًا من الإشاعات التي تتردد، فأخذت سماعة الهاتف رأسًا لتصلني إلى أخي العزيز “أبو محمد”، فيجيب على الاتصال بلكنة مكسورة استشعرت من حديثه أنّ شمس معولة غربت، وودعتنا لتغور في كبد الأرض هذه المرة ولن نراها تلوح في الأفق ككل مرة.

ومع وضوح شمس النهار تتناقل الهواتف الخبر المهول فتغشى المحبين غشاوة رغم أنّ الشمس لا تزال عمودية لم تتلبد بين السحاب، إلا أنّ شمسنا غربت فلا بُدّ من “كَشْمّة” تقرأ حروف النعي المؤلمة، ولا بُدّ من عينين أخريين لتقرآن الخبر، فعينانا و”عين المنزف” تذرف الدمع.

إنّ الشيخ صالح بن سعود المعولي يغادر دوحة المعاول إلى جنة الفردوس قبل أن يتبشّر “برطب النغال” الباسق، فهناك ينتظره “الرطب الجَنِي”، ويغادر إلى الرحمن ليدخل من باب الريان فرمضان على الأبواب، ويستعجل الذهاب قبل أن يتذوق فاكهة ” الفنس” فقد تأخرت إلا أنّ روح الشيخ الأكرم تواقة لفواكه الجنة فهناك ما لذ وطاب.

وهذه المرة يرحل شيخنا دون أن يودع ” حجرة الشيخ” فهناك تنتظره حجرة أنفس ما يكون عليه ما بذل هو طلبها، ويرحل كذلك دون أن يودّع “حجرة الخارج” فهو يخرج من دنيانا إلى الأبد لنخرج معه بأرواحنا وأجسادنا فنعود أجسادًا دون أرواح، ويستعجل والدنا الأكرم المسير دون المرور “بالفرهم” رغم أنها عزيزةٌ على قلبه، إلا أنّ الجنة أعز، وهذه المرة يترجل شيخنا الأغر عن ظهر “أفي” ليضمه بطنها دون أن يطوف به المشيّعون “بمقصورة السوق”، ويرحل والدنا الميمون دون أن يمرّ بـ “حارة الشلي” فموعده دقيق وساعته على معصمه كالعادة إلا أنّ ساعة الواحد الأحد أسرع، فيالِ الوداع السريع.

وكلما زرت والدنا الأكرم وشيخنا الأجل الزعيم العصامي صالح بن سعود تنبجس مع حديثه آثار التاريخ العُماني الغابر، وتلوح علامات الحاضر الزاهر؛ فقد عاصر شيخنا الحقبتين وجنح بالولاية وعلى الولايات التي مرّ بها، ترك الصنيع المحمود والأثر المشهود واليوم يغادرنا على هوادة، يغادرنا “وكورونا” يُضيق اللقاءات يباعد بيننا وبين الأصحاب والأحباب.

إنّ شيخنا الجليل يغادر بعد آخر درس ألقاه على أبنائه، وبعد مواعظ بليغة تحفظها الجفون والقلوب، ليعلمنا درسًا آخر في الحديث عن الآخرة، يغادرنا ولسان حاله يردد شعر الشاعر العراقي الكبير عبدالرزاق عبدالواحد :
“من دون ميعادِ
من دون أن تقلق أولادي
أطرق عليّ الباب
أجلس قليلًا مثل أيّ زائر
وسوف لا أسألُ لا ماذا
ولا من أين؟
وعندما تبصرني مغرورق العينين
خذ من يدي الكتاب
أعده لو تسمح دون ضجةٍ للرف حيثُ كان
وعندما نخرج لا توقظ ببيتي أحدًا
لأن من أفجع ما تبصره العيون
وجوه أولادي حين يعلمون”

هكذا رحل، وهكذا نحن أبناؤك حينما علمنا، توجمنا، بكينا وإنّا لفراقك لمحزونون، العزاء لنا ولمعولة ولعُمان قاطبة في الفقد العظيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى