د.رجب العويسي يكتب: المعلمون سياجُ الوطنِ الآمن

د. رجب بن علي العويسي

تحتفل السلطنة بيوم المعلم العماني الذي يصادف الرابع والعشرين من فبراير من كل عام، في ظل ظروف استثنائية فرضتها جائحة كورونا (كوفيد19)، ومرحلة  شكّلت فرصة لإحداث تحولات في منظومة التعليم عامة وعمل المعلم بشكل خاص، بما حملته من توجهات جديدة، وإستراتيجيات متنوعة بدأت مع تطبيق نظام التعليم عن بعد كخيار إستراتيجي في التعاطي مع الحالة الوبائية مع إعطاء مساحة  للتعليم المدمج الذي طبّق على بعض الصفوف الدراسية وفق آليات محددة وضوابط وضعتها جهات الاختصاص، في دعوة إلى المزيد من الاهتمام والتأطير المنهجي له، وإيجاد  التشريعات والضوابط التي تحفظ حقوق المحتوى التعليمي الإلكتروني، وخصوصية الطلبة والمعلمين وأولياء الأمور والقائمين على هذا النظام.

على أن الحديث عن المعلم العماني في يومه السنوي يضعنا في ظل هذه الاحداث المتراكمة أمام مرحلة جديدة، تسلّط الضوء فيها على دور المعلم؛ سياج الوطن الآمن في صون مبادئه وحماية ثرواته وموارده الفكرية والأخلاقية واحتواء شبابه، وعبء التحديات الفكرية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية التي باتت تلقي بضلالها على واقع المجتمع، وتعاظم دور المعلم ومسؤولياته، فمن جهة كان عليه أن يمارس مسؤولياته التثقيفية والتوعوية والتوجيهية في تعزيز وعي الطلبة بالتدابير الوقائية والإجراءات الاحترازية المقررة من قبل اللجنة العليا وجهات الاختصاص في سبيل حماية الطلبة من تعرضهم  للوباء، والعمل على رفع مستوى الوقاية وإستراتيجياتها في سلوكهم الشخصي، ويصبح دور المعلم بمثابة الملهم والقدوة الذي يصنع فيهم حس المسؤولية، ويبصرهم بواجباتهم في المحافظة على أنفسهم بالنظافة وغسل اليدين واستخدام المعقمات وتجنب المزاحمة، ولبس الكمامة، واستخدام الأدوات الشخصية وتعقيمها وعدم تشاركها مع الآخرين، والمخاطر المترتبة على التساهل في الالتزام بالتعليمات والتنبهات في هذا الجانب؛ ومن جهة أخرى فإن ما ارتبط بهذه الجائحة أو غيرها من تحديات فكرية ونفسية واجتماعية واقتصادية، وما يتعرض له أجيال اليوم من مؤثرات فكرية وعبر سماعه أو مشاهداته للعديد من القنوات والمنصات الإعلامية والإعلانية التي باتت تبث أو تروّج لأحداث ومواقف خارجه عن الذوق العام والآداب المجتمعية، وانعكاساتها على أمنها الخلقي والنفسي والفكري، فيقف على مسار الوعي الذاتي للمتعلم وتحصينه من كل المؤثرات الداخلية والخارجية في مواجهة الشائعات والفكر المتطرف والعادات السيئة والتعاطي الواعي مع منصات التواصل الاجتماعي وما يبث على السنة المشاهير وحساباتهم من دعايات وإعلانات وترويج لبعض الموضوعات الخارجة عن المألوف والذوق والآداب العامة، وتلقي بضلالها على  أمن الإنسان الفكري وعقيدته الصحيحة أو سلوكه الأخلاقي والقيمي، وبالتالي بناء الذات القادرة على استيعاب الأحداث، والتعاطي الواعي مع المتغيرات، وإعادة هندسة السلوك الطلابي بشكل يتناغم مع  الطموحات الوطنية ويجسد الهوية العمانية، لذلك تضع الأوطان اليوم على المعلم مسؤولية هندسة الواقع وقراءة أحداثه وصناعة البدائل وإنتاج الحلول التي تعمل على تحصين الأجيال من كل المنغصات والتشوهات والمؤثرات التي باتت تلقي بضلالها على أمن الأوطان، ليصنع المعلم بفعل ما يقدمه لهم من محتوى معرفي راق ومادة تعليمية منهجية سليمة، ويغرسه فيهم من أفكار عملية ونماذج وقدوات، فيعيد إنتاج ثقافتهم، وتحصين معارفهم، وترقية مواهبهم، وبناء  فكرهم، وتوجيه بوصلة أدائهم، وإكسابهم مهارات التقييم والتحليل والتشخيص والاستقرار والنقد الهادف وإعادة إنتاج السلوك بما يتناغم مع غايات الوطن الكبرى وأهدافه السامية ويجسّد رؤيته وإستراتيجيات عمله وخططه وبرامجه.

ولمّا كانت مؤسسات التعليم تضم أكثر شرائح المجتمع (الطفولة والمراهقة والشباب) وهي أكثر الفئات المؤثرة في استقرار المجتمع وأمنه وقدرته على التعاطي مع  التحديات ومواجهة المتغيرات بكل مهنية واحترافية؛ لذلك فإن قدرة التعليم على احتواء هذه الفئات، وترقية حافز العطاء لديهم، وتعزيز هرمون المنافسة فيهم، وحب التغيير في ذواتهم وتأصيل هاجس المواطنة فيهم، سوف يصنع للمجتمع قوة، ويعزز في منظوماته الكفاءة والمهنية في إنتاج واقع جديد يحقق الأمان النفسي والفكري والمهني والوظيفي للمتعلم ويصنع لديه قوة احترام القانون والنظام وترقية السلوك والممارسات، وتأصيل فقه التعاطي مع الحقوق والمسؤوليات، ويضمن كفاءته في بناء مهاراته والتسويق لخبراته؛ لذلك تقع على المعلمين مسؤولية التعاطي الواعي مع هذه المعطيات، وعبر سبر أعماقها وترقية وعي الطلبة بها، وترسيخ معايير العمل والاشتراطات وصناعة القدوات وتقريب النماذج المضيئة من المتعلمين وتعزيز مسار الاحتواء وتقريب الواقع من خلال تعريض الطلبة لمواقف محاكاة الواقع، واستشعار قيمة العمل والعطاء والإنجاز والبحث وتطوير الذات، وإعادة إنتاج  ثقافة الأجيال وترسيخ العادات الإيجابية لديهم لصناعة مستقبلهم في التعاطي مع قضاياهم المصيرية وطموحاتهم المتعاظمة في ظل إشكاليات الباحثين عن عمل من مخرجات الدبلوم العام والتعليم الجامعي والمسرّحين، والمواءمة والمهارة والخبرة وسوق العمل، ومسؤولية القطاع الخاص.

ويبقى المعلمون صنّاع الكلمة، وحماة الفكر، وحراّس المبادئ، من يصنعون العطاء، ويكتشفون الفرص المؤدية إلى الإنجاز، ويغرسون الإلهام، وينشرون القيم، ويزرعون الفضيلة، ويفتحون الآفاق والآمال للتغيير النابض بالحياء، والمطرز بالخلق، والمؤطر بالقيم، والمتناغم مع أبجديات الذوق الرفيع، إنهم من يصنعون للأوطان قوة، في ظل ما يحملونه من مبادئ، وما يرسمونه من صورة ذهنية مشرقة في فقه الأجيال، وأمام ناظريهم، وفي حنايا أضلعهم، وفي موجهات سلوكهم، لذلك لن تضيع الأوطان ومبادئها ما دام يحملها المعلم المخلص والمربي الفاضل والموجه الحصيف، من  يبني في الأجيال فرص الحياة، ويعزز فيهم قيمة الوقت، ويرسم فيهم سمو الفكرة، وقيمة الالتزام، من يعلمهم حب القانون، واحترامه وتقديره، ويصنع فيهم الإلهام والروح العالية، والحافز الكبير، بمواصلة الجد والعمل والاجتهاد، من يستنطق القيم والأخلاق، ويستثير الدافعية، ويستوطن فيهم الكلم الطيب والقول الصواب، والأخلاق  العالية والروح النبيلة، ويستنهض فيهم العزيمة والإرادة، والنجاح، والعمل المستمر، فيرفع قدرهم، ويصنع فيهم الثقة؛ فإن قدرة المعلم على صناعة سياج آمن للوطن في أبنائه، مرهون بما يحمله المجتمع نحو المعلم من حس التقدير والاحترام، والاعتراف بدوره، وتقدير جهوده، واحترام إرادته، وتعزيز حضوره في موضع القرار ومحطات العمل، وتجنيبه كل ما يسيء إلى مهنته، أو يعرقل نجاحه، أو يقلل من إنجازه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى