قبل 77 عامًا: تفاصيل زيارة قام بها السلطان سعيد بن تيمور إلى مصر وفلسطين

أثير- تاريخ عمان 

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

حرص العديد من سلاطين أسرة البوسعيد في مسقط وزنجبار وبالأخص منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي على القيام برحلات وزيارات وجولات خارجية تشمل العديد من الدول سواءً في المحيط الإقليمي القريب، أو إلى جهات كانت تعد بعيدة بحكم ضعف وسائل المواصلات كأوروبا والولايات المتحدة، وذلك بهدف التعرف على ما وصلت إليه تلك الدول من تقدّم، أو تلبيةً لبعض الدعوات التي كانت تقدم لهم سواء في مناسبات رسمية خاصة بتلك الدول، أو زيارات تعارف.

ويعد السلطان سعيد بن تيمور من السلاطين الذين اهتموا بالقيام بمثل تلك الجولات والزيارات منذ الأيام الأولى لتسلمه مقاليد الحكم في عام 1932، حيث قام بزيارة الهند وما حولها، كما قام ما بين عامي 1937 و1938 بجولة طويلة شملت زيارة عدد من الدول مثل الهند واليابان، والولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا.

وفي منتصف عام 1944، وفي مثل هذه الأيام قبل (77) عامًا قام السلطان سعيد بن تيمور بزيارة إلى مصر وفلسطين تفاعلت معها عدد من الصحف العربية وقتها. ” أثير” تقترب من هذه الزيارة، وتستعرض أبرز التغطيات المرتبطة بها.

زيارة مصر

ابتدأ السلطان سعيد بن تيمور زيارته العربية بالقاهرة وذلك في 13 أبريل من عام ١٩٤٤، وتعد الزيارة الرسمية الأولى التي يقوم بها السلطان إلى مصر بحسب ما ذكره في لقائه مع مجلة  ” المصور” المصرية، حيث كان قد سبق له المرور على مصر في طريق عودته من أوروبا.

خبر منشور في جريدة فلسطين بتاريخ 14 أبريل 1944

أما عن أسباب الزيارة فهي بحسب المراسلات البريطانية فقد كانت لاستشارة أحد الأطباء الأخصائيين حول اضطرابات في المعدة يعاني منها، والتفتيش على مرافق التعليم الخاصة بولده لاتخاذ قرار بشأن إمكانية إلحاقه بإحدى المدارس الداخلية المصرية، بالإضافة إلى رغبة السلطان في التعرف على الأوضاع المختلفة، ونظام الحكم في بعض البلدان العربية المهمة كمصر وبلاد الشام، والاستجمام وزيارة بعض المعالم التاريخية المهمة في تلك الدول كون أن السلطان كان من المهتمين بالثقافة والأدب، وحب الاطلاع، ولذلك فقد ذكرت التقارير البريطانية أن مدة الزيارة قد تستغرق ثلاثة أشهر.

وقد التقى جلالة السلطان سعيد بن تيمور خلال تلك الزيارة بعدد من الشخصيات المصرية المهمة كالملك فاروق الأول ملك مصر والسودان وبلاد النوبه وكردفان، الذي أقام مأدبة كبيرة في قصر عابدين على شرف السلطان سعيد، ودولة مصطفى النحّاس رئيس الوزراء، وشخصيات سياسية أخرى مهمة.

جانب من المأدبة التي أقامها الملك فاروق للسلطان سعيد.الصفحة الرسمية لموقع الملك فاروق الأول – فاروق مصر

 

وكان من ضمن المرافقين للسلطان في زيارته سكرتيره الأستاذ علي بن محمد الجمالي الذي سافر عن طريق الشارقة إلى القاهرة لانتظار السلطان قبل وصوله.

لقاء مع مجلة ” المصوّر” المصرية

في 21 أبريل 1944م نشرت مجلة “المصور” المصرية مقابلة صحفية مع السلطان سعيد بن تيمور في عددها رقم (1019) ، حيث بدأت الحوار بالحديث عن السلطان من حيث عمره، وملامحه الشخصية، كما وصفت مدى قدرته على التحدث بطلاقة.

كما تناولت معلومات عن السلطنة من حيث موقعها في الجنوب الشرقي للساحل العربي على المحيط الهندي، وعاصمتها، وعدد سكّانها الذين يبلغون حوالي المليون نسمة، وأبرز المناطق التي تتبعها، وأنها ترتبط بمعاهدة تحالف وصداقة مع بريطانيا، مع احتفاظها بوضعها السياسي كبلد مستقل.

كما وجهت المجلة سؤالًا للسلطان حول سبب زيارته لمصر، وسؤالًا آخر عن لقائه بدولة مصطفى النحّاس باشا رئيس الوزراء المصري وقتها، حيث أثنى السلطان على الحفاوة التي تم استقباله بها من قبل دولة رئيس الوزراء، وأعرب عن تقديره لجهوده ومواقفه السياسية.

وتناول الحوار سؤالًا عن الاتحاد العربي وإمكانية قيامه بناءً على المحادثات التي تمت بين السلطان ومصطفى النحّاس، حيث أبدى السلطان تأييده للفكرة التي وصفها بأنها عظيمة، وأنه يأمل في إمكانية تحققها قريبًا نتيجة لوجود العديد من الروابط المشتركة كاللغة، والتاريخ، والدين، والعادات، وأن هذا الأمر سيسهم في تقوية التعاون العربي.

زيارة القدس

في 17 أبريل وصل السلطان سعيد بن تيمور إلى القدس عن طريق القطار قادمًا من القاهرة، في زيارة وصفتها الصحف الفلسطينية التي تناولت أخبار الزيارة بأنها شخصية، حيث حل السلطان في فندق الملك داود، وكان يعد من أهم فنادق القدس، وكان الفندق يعد النزل المفضل لكبار الشخصيات التي تزور فلسطين، الدولية والعربية، كما كان هذا الفندق أبان الانتداب البريطاني على فلسطين المقر الرئيسي للإدارة البريطانية المدنية، وقد تم تفجيره من قبل جماعة الإرجون الصهيونية في 22 يوليو من عام 1946.

فندق الملك داؤد… صورة أرشيفية من شبكة المعلومات العالمية

وقد التقى السلطان أثناء زيارته للقدس بعدد من الشخصيات السياسية والاجتماعية البارزة، وقناصل الدول الشرقية، كما زار عددًا من المعالم المعروفة بالقدس وخارجها، كمدينة بيت لحم، حيث رافقه خلال الجولة أنور الخطيب التميمي الذي عمل كمدرس ومدير للمدرسة السعيدية خلال السنوات الأولى من أربعينات القرن الماضي، وقام وقتها بإعداد منهج خاص بالتاريخ العماني لطلبة المدرسة السعيدية. 

خبر منشور في جريدة الدفاع الفلسطينية بتاريخ 18 نيسان 1944

 

خبر منشور في جريدة فلسطين الفلسطينية بتاريخ 19 نيسان 1944

الالتقاء بأسر بعض موظفيه ورجاله

حرص السلطان سعيد بن تيمور خلال زيارته لمصر وفلسطين على الالتقاء ببعض موظفيه الكبار من الدولتين وأسرهم، حيث يذكر الدكتور إميل إسكندر حنّا بأن السلطان سعيد قد التقى بوالده إسكندر حنّا وأسرته أثناء زيارته للقاهرة.

وإسكندر حنّا كان أحد كبار موظفي الدولة في عهد السلطانين تيمور بن فيصل وابنه سعيد بن تيمور، وعمل مديرًا للجمارك السلطانية منذ وصوله لمسقط في عام 1921، وحتى مغادرته النهائية في يناير 1960 بسبب مرضه، وكان من المقربين من قبل السلطانين، وحصل على نيشان الشرف السعيدي عام 1926.

وعندما زار جلالة السلطان سعيد بن تيمور القدس، كان من ضمن برنامجه استقبال الحاج خليل بن محمد الرصاصي والد واليه على مطرح ورئيس الولاة، ومدير المعارف، ورجله المقرّب إسماعيل بن خليل الرصاصي، حيث أشار خبر صحفي منشور في جريدة “الدفاع” الفلسطينية في 19 نيسان (أبريل) 1944 إلى أن عظمة سلطان مسقط استقبل السادة الحاج خليل رصاص، وأكرم رصاص، ومحمد عوض في فندق الملك داود مهنئين بسلامة الوصول.

ويدل ذلك اللقاء على الاحترام والتقدير الكبيرين اللذين كان يكنهما السلطان سعيد بن تيمور لرجال دولته، وذلك من خلال حرصه على مقابلتهم، أوالالتقاء بأفراد أسرهم.

استقبال السلطان لأسرة الرصاصي. خبر منشور في جريدة الدفاع بتاريخ 20 أبريل 1944

العودة

وقد قضى السلطان سعيد بن تيمور حوالي 3 أشهر في رحلته، وعند عودته إلى ظفار أرسل عددًا من الرسائل لبعض المسؤولين وشيوخ القبائل يخبرهم بعودته من رحلته، ومن بينها رسالة من السلطان إلى الشيخ صالح بن عيسى الحارثي يبلغه أنه عاد من القاهرة بعد أن قضى معظم إجازته في القدس، حررها في حصن ظفار في 5 أكتوبر 1944.

تغطيات صحفية 

وقد حظيت زيارة السلطان سعيد بأهمية إعلامية كبيرة وقتها، حيث تناولتها عدد من الصحف المصرية، والفلسطينية الناطقة باللغتين، كما تناولتها الصحف العربية في زنجبار، فقد أوردت جريدة ” الفلق ” في عدد 22 أبريل 1944 خبرًا عن زيارة السلطان لمصر واستقبال النحاس باشا له بمحل إقامته بالقاهرة، كما تناولت خبر وصول السلطان إلى القدس .

زيارة السلطان سعيد إلى القاهرة والقدس في خبر منشور في جريدة الفلق بتاريخ 22 أبريل 1944

وتناولت صحيفة ”  فلسطين بوست” الناطقة باللغة الإنجليزية خبر الزيارة في عددها بتاريخ التاسع عشر من أبريل 1944.

مقتطف من صحيفة فلسطين بوست بتاريخ التاسع عشر من أبريل ١٩٤٤ تسجل زيارة السلطان للقدس.

المراجع

  1. البحراني، عماد بن جاسم. الزيارة التاريخية للسلطان سعيد بن تيمور إلى مصر وفلسطين عام 1944م، صحيفة لبان، 12 فبراير 2020
  2. البوسعيدي، سالم بن سعيد. الشيخ صالح بن عيسى الحارثي سيرة حياة وتاريخ وطن، دار رؤى، لبنان، 2014.
  3. موقع أثير الإلكتروني. حوار مع السلطان سعيد بن تيمور عام 1944، ترجمة فيصل محمد أمين المنذري، السبت , 18 يوليو 2020 
  4. مكتبة قطر الرقمية. ملف بعنوان “تحركات سلطان مسقط”، IOR/R/15/1/466
  5. أعداد من صحف الدفاع، فلسطين، الفلق تعود إلى أبريل 1944.

 

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى