الحارثية تقتحم عالم العقار…وقريبًا ستؤسس رابطة للعقاريات العُمانيات

أثير- سيف المعولي

كان التنقّل من دولة إلى أخرى بحكم عمل أبيها الدبلوماسي فرصةً لاستكشاف الأماكن، لكن بدون التعلّق بها كثيرًا لأن المآل والملاذ يكون بالعودة إلى أرض عُمان. وفَتَح التخصص الذي دخلت به جامعة السلطان قابوس بوابةً لها لقياس أرض وطنها وظيفيًا بـ “التخطيط” و”التطوير العقاري”. أما إصرارها على التقدّم لوظيفة مُعلنة “للذكور فقط” فهو إعلان تحدٍ أثبتت من خلاله أنها “تستحق الثقة”، لتقتحم اليوم عالم العقار المُتعارف عليه ذكوريًا، وتقول للجميع بلسان المرأة العمانية: “ها أنا ذا”!

“الحديث ذو شجون” أقل ما يُقال عنه أثناء محاورة الأستاذة سهام بنت أحمد الحارثية، التي تتنقل بك في محطات حياتية وعملية تُعطيك انطباعًا بأنك أمام امرأة قيادية شقّت طريق حياتها بإصرار، مُستندة في ذلك إلى تشجيعٍ عائلي، ودعمٍ أسري، ومعهما إرادة قوية، وتفكير متجدد، فهيّا بنا نسبر أغوار بعض هذه المحطات.

“نأيتُ عنها بحكمٍ لا أغالِبه”

بالعودة إلى البدايات فإن ظروف عمل والدها الدبلوماسي أخّرت عودتها إلى أرض الوطن حتى استقرت هنا بدءًا من الصف الأول الثانوي، لكن عندما جاء الاختيار -بعد انتهائها من الثانوية العامة- بين “البعثة” وجامعة السلطان قابوس اختارت الأخيرة في تخصص الهندسة الوراثية للنباتات؛ وكأنها تُريد تعويض ما فاتها من سنين عمرها في دراسة تربة وطنها، وكيفية إنباتها بكل ما يليق بها.

لا وظائف

تخرجت المهندسة من الجامعة، فاصطدمت بعدم وجود وظائف لتخصصها، لتسافر بعدها إلى كندا مرافقةً لزوجها، وهناك بدأت في شغل وقتها بأعمال تطوعية أحبتها وأرادت نقلها إلى السلطنة خصوصًا في المجالات التي تُساعد المرأة وتُسهم في تكوين حياتها وجعلها مُنتِجة؛ فأسست مع والدتها جمعية المرأة العمانية في ولاية القابل، وأصبحت رئيسة لها بعد حين، ثم دخلت في عضوية عدد من الجمعيات من بينها جمعية النور للمكفوفين.

 إصرار

عند عودتها من كندا كان وضع الوظائف لتخصصها “محلك سر”، حتى جاء اليوم الذي قرأت فيه إعلانًا بالجريدة فحواه مطلوب مهندسين زراعيين “للذكور فقط”، فاستفزها الأمر وأرادت إثبات أن المرأة قادرة على شغل هذه الوظيفة وإن تطلب الأمر خروجها إلى متابعة التشجير في الشوارع والدوارات بالمحافظات خارج العاصمة مسقط، وفعلا أثبتت ذلك بعدما ذهبت إلى موعد المقابلة وأقنعت اللجنة بالعدول عن “الشرط” وتعيينها.

تخطيط استراتيجي

لم تكتفِ المهندسة بمجرد الإشراف على عمليات التشجير، بل كانت تضع الخطط الاستراتيجية للفريق، فتفتحت “عيون المسؤولين” عليها مع شح خبرة العُمانيين في هذا المجال، وأُعطِيت “الثقة” لتبدأ بدائرة التخطيط في وزارة البلديات، وتستمر في الترقي الوظيفي حتى وصلت إلى مديرة عامة لمديرية التطوير العقاري في وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، والتي تم تأسيسها بناءً على اقتراح قدمته المهندسة للجهات المختصة بتأسيس “هيئة للتطوير العقاري” في السلطنة، لتؤكد حينها أن هناك “مَن يسمع المقترحات، وهناك مَن يُمكِّن أصحابها كذلك”.

“سكن” وليس “أرض”

ارتبطت المهندسة بالأرض تخصصًا وعملًا، ورأت أن “التخطيط” يكفل الاستفادة  الجيدة منها، وأن “التطوير العقاري” هو ما سيحقق غاية “السكن” للمواطن، بدلًا من منحه أرضًا خالية من أي خدمات. كما علّقت آمالها على العلم والمعرفة لأنهما “السلاح” في تطوير كل ما تسعى إلى تحقيقه على أرض الواقع، فاجتازت الماجستير وقريبًا ستُنادى بـ “الدكتورة”.

امرأة في سوق العقار!

بعد أن هيأت نفسها بخبرة عملية وحياتية اقتحمت المهندسة سهام سوق العقار، وأصبحت الشريك والرئيس التنفيذي لشركة عقارية، مُؤكدة بذلك أن المرأة العُمانية قادرة على الدخول في أي معترك عملي؛ وإن احتكره الرجال لعقود، بل إنها تُخطط حاليًا لإنشاء رابطة للعقاريات العُمانيات تُسهم من خلالها في تدريبهن وتأهيلهن وتهيئتهن، والأخذ بأيديهن إلى النجاح، وتشجيع الفتيات على دخول مجال الوساطة العقارية “لما فيه من خير كثير”، مستفيدةً في ذلك من خوضها لتجربة التطوّع داخل السلطنة وخارجها.

هم “الأولوية”

كل المحطات التي مرّت على المهندسة سهام لم تُنسِها أنها امرأة وعليها واجبات تجاه أسرتها وأبنائها؛ فكانت لهم المُحفِّز والصديق والموجّه، وعندما يتطلب الأمر أحيانًا تترك كل شيء وراءها ويكونون هم “الوجهة الأولى” والأولوية الحتمية، وهي ترى بأن الدعم الذي حصلت عليه من أسرتها هو أحد أسباب مواصلتها وتحقيقها للنجاح، كما أن التخطيط الجيد لإدارة الوقت أعطاها مرونة في المواءمة بين متطلبات العمل والواجبات الأسرية. وكونها “القدوة” لهن فقد أخذت بأيدي بناتها إلى الاعتماد على أنفسهن بعيدًا عن انتظار الوظيفة، والاشتغال في خطين متوازيين: العمل الحر، وإكمال الدراسات العليا.

“الصفر” ليس رقما ماليًا فقط؟

اعتدنا في قصص الناجحين التركيز على بدايتهم “من الصفر”،  إلا أن المهندسة ترى بأن هذا الصفر ليس رقما يتعلق بالمال فقط، فقد يكون النجاح بالبدء في محطة وظيفية جديدة من الصفر، أو مرحلة علمية مهمة، أو حتى تأسيس مجال تطوعي يخدم من خلاله الشخص الناجح أقرانه ومَن حوله؛ لذا بحثت عن شباب وشابات عُمانيين ووظفتهم في شركتها “أساور العقارية”، وتقوم حاليًا بتدريبهم وتأهيلهم ليأخذوا زمان المبادرة مستقبلًا، ناصحةً إياهم بالصبر وتحديث معارفهم باستمرار، ومواكبة كل جديد في عالم العقار خصوصًا في الجانب التكنولوجي.

إفادة واستفادة

تعمل المهندسة سهام حاليًا على الاستفادة من تجربتها الطويلة في جذب خبرات عالمية إلى السوق العقاري العماني ومن ذلك افتتاح معهد للتثمين بمعايير دولية، كما تسعى إلى تدشين مشاريع تتوافق مع متطلبات المستثمرين الخارجيين وجذبهم إلى السلطنة؛ الأمر الذي سيكون له تأثير إيجابي على عائدات هذا القطاع في الناتج المحلي، وفقًا لما تستهدفه رؤية عمان 2040 التي أكّد أهميتها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم –حفظه الله- في خطاباته السامية، وفي مقابل ذلك تسعى المهندسة إلى تصدير الخبرة العقارية العمانية إلى الأسواق الخارجية خصوصًا في دول الخليج، حيث اقتحمت مؤخرًا السوق السعودية، مؤكدة في هذا الجانب أن المرأة العمانية قادرة على خوض غمار هذه التجربة؛ لأنها ستمنحها الخبرة إلى جانب حصولها على العائد المادي المجزي.

ماذا لو كنتِ وزيرة ليومٍ واحد؟

وضعتُ أمام طاولة المهندسة قرارًا افتراضيًا بتعيينها وزيرةً ليوم واحد، فماذا كانت ستفعل؟ فأجابت بأن هناك أربع أولويات ستعمل عليها في ذلك اليوم، هي:

1-   إصدار قانون التطوير العقاري الذي سيغيّر أسلوب حياة الناس، وكيفية السكن ونوعيته.

2-   تغيير آلية العمل الحالية، ووقف توزيع الأراضي بدون خدمات.

3-   فرض رسوم على الأراضي البيضاء غير المعمّرة.

4-   التكامل مع الوزارات والجهات الأخرى بالتقنيات الحديثة ومنها “البلوكتشين”.

لكنها تستطرد في إكمال الرد، وتقول: كلٌ منا يفتخر بخدمة وطنه عُمان في أي موقعٍ كان، لكنني “لا أتمنى” حدوث ذلك، فأنا لم أندم على أي قرار اتخذته في حياتي سوى قرار تأخير الاستقالة من الوظيفة الحكومية؛ فلماذا لم أستقِل منها مُبكرًا؟!

نعم، هذا هو “الندم” لمن ذاق حلاوة العمل الحر بعد أن أسس قاعدة تُسنده عند “أي مطبة”، وهيأ نفسه لـ “الثبات” في زمن كثر فيه “الترنّح” لمن لا يوثّق سفينته بأشرعة قوية!

   إلى المستقبل..

اليوم، تفتح المهندسة سهام باب أحد المكاتب الذكية في مشروع “مسقط بافليون” الذي يُعدّ باكورة أعمال شركتها، وتخطو خطواتها نحو المستقبل، وتحلم برؤية شباب عُمانيين (ذكورًا وإناثًا) مؤهلين يعملون في هذا القطاع المهم، ويعمِّرون بلدهم بعلم ومعرفة.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى