د.سيف الرمضاني يكتب: داخلنا العماني .. جذور المشكلة

د. سيف الرمضاني

تكررت المظاهرات والاعتصامات والوقفات السلمية في السلطنة خلال السنوات العشر الماضية أكثر من مرة ، ولذات الأسباب الظاهرية التي كانت تنطلق منها كل مرة، وهي أسباب اقتصادية بحتة تولدت هي الأخرى عن أسباب رئيسة بعضها ظاهري كانخفاض أسعار النفط وزيادة عدد السكان، والآخر مستتر كالفساد المالي والإداري.

وإذا ما استقصينا جذور المشكلة وبداياتها، فإن ذلك يحيلنا إلى 1995م، وهي السنة التي وضعت فيها خطة الرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني 2020 في ظل تراجع أسعار النفط في تلك الفترة.

ولمعالي الدكتور سعيد الصقري وزير الاقتصاد الحالي ورقة بحثية منشورة في سلسلة الخليج بين الثابت والمتحول ” الخليج والإصلاح الاقتصادي في زمن الأزمة النفطية ” الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية عام 2017م ، تحدث فيها عن رؤية عمان 2020 بين الواقع والمأمول.

استعرض الدكتور سعيد في ورقته الظروف التي وضعت فيها رؤية عمان 2020، والجهات المشاركة في وضعها، وأبرز أهدافها، والعوائق التي حالت دون تحقيقها كانخفاض الاحتياطيات المالية، وارتفاع حجم الدين العام، وتشوه سوق العمل، وتدني الكفاءة الإنتاجية للقطاعين الحكومي والخاص، وقصور القوانين والأنظمة عن توفير بيئة ملائمة لنمو وتعدد أنشطة القطاع الخاص.

مستخلصا في ورقته فشل الرؤية في تحقيق أهدافها لتنويع قاعدة الإنتاج وتقليل الاعتماد على النفط، وتحقيق التوازن بين مصروفات المال العام ودخله، وتنمية الموارد البشرية من خلال التعليم والصحة، وضمان استقرار دخل الفرد عند مستواه الحالي كحد أدنى، والسعي إلى مضاعفته بالقيمة الحقيقية مع حلول عام 2020م.

ورقة الدكتور سعيد البحثية، وأوراق بحثية أخرى كثيرة لم تأتِ بجديد يذكر فيما يتعلق بالمشكلة الاقتصادية التي يبدو أنها أصبحت مزمنة بعد مضي أكثر من ربع قرن عليها وهي تراوح نفسها بدءًا من عام 1995م وحتى يومنا هذا.

ما لم يتعرض له الكتّاب والباحثون في كتاباتهم وأطروحاتهم -أو أنهم حاولوا الحوم حوله دون ملامسته- هو الإشارة للسبب الرئيس لعدم تحقيق الرؤى والاستراتيجيات والخطط الوطنية لأهدافها طوال كل هذه الفترة.

وفي ظني أن المشكلة الرئيسة كانت وما تزال تتلخص في شيئين لا ثالث لهما :

الأول: هو تحمّل جلالة السلطان قابوس -رحمه الله تعالى- بنفسه كامل مسؤوليات التشريع والرقابة والتنفيذ لأعمال الحكومة في وقت تزايدت فيه الأعباء، وتكاثرت التحديات، وتناسلت أخطاء الجهاز الحكومي ؛ الأمر الذي اضطر معه للقيام بجولات سنوية للوقوف على أحوال المواطن وسير عملية التنمية عن كثب، حتى بلغ به التعب مبلغه، وحال المرض وعامل العمر عن مواصلة تلك العادة الحميدة، فعن تلك الجولات قال جلالته في حديث مع أحمد الجارالله عام 2006م :
” الخيم السلطانية تضعني في معاني تفقد الراعي لرعيته والاستعلام عن مطالبها، وفي هذه الطموحات تجد أن كل شيء يصب في مصلحة الرعية ولا هدف لي منها، بل كلها للناس الذين أعطوني ثقتهم لأمارس عليهم دور من يعطي الرسالة قبل أن يمارس السلطة فيهم. ”

وعن التعب والصحة قال جلالته في رد على سؤال لأحمد الجارالله عام 2008م عن صحة جلالته في ظل الشائعات التي كانت تدور آنذاك:

“ها أنا أمامك، وأعتقد أنك تراني أتمتع بكامل الصحة والعافية على الرغم من أن النفوس إذا كبرت تعبت في مرادها الأجسام.. والتوازن في الوزن هو صحة وليس علة، أنا بخير ومنغمس في شؤون بلدي وهي الصحة الدائمة لي. تأكد يا أخ أحمد أنا بخير والحمد لله وها أنا أمامك ، برنامجي اليومي هو هو، وأتابع شؤون الدولة بدقة. أخلد إلى النوم وأصحو مرتاحًا وأتابع الشؤون الورقية أمامي، ومتابعتي لها جد دقيقة ، ولا أحب الخطأ في القرار، وبعض ما أوافق عليه وأبعث به إلى جهات الاختصاص لتنفيذه يظل في ذهني، ومرات كثيرة أستعيد هذه القرارات لأتأكد أنها قرارات حصيفة، وإنني لم أخطئ فيما قررت “.

الثاني : أن الرؤية السليمة والواضحة عادة ما تكون بعينين صحيحتين سليمتين؛ فإذا كانت الحكومة هي العين الأولى لتلك الرؤية التي تستهدف مصالح الوطن والمواطن؛ فإن العين الثانية المكملة لها هي عين المواطن المستهدف من تلك الرؤية، وذلك عن طريق التغذية الراجعة بسماع رأيه المباشر في مدى جودة الخدمات المقدمة له ونجاعتها، أو عن طريق ممثليه في مجالس برلمانية ذات صلاحيات تشريعية ورقابية واسعة. ومن هنا لا مناص من أن تكفل الدولة حرية التعبير قولا وفعلا، نصوصا وتطبيقات عبر إتاحة المجال للصحافة والإعلام المحلي للعب دور المراقب المسؤول على عمل الحكومة والمجتمع عوضًا عن تقارير الخارج المشوهة، وعبر فصل السلطات، ومنح المجالس التمثيلية صلاحيات التشريع والرقابة والمساءلة.

في زمن تعقدت فيه المصالح والعلاقات، وتنوعت المشاكل والتحديات، واستعصت الحلول والاستجابات؛ تتضاعف المسؤوليات، وتتعاظم المهام، وينتقل دور الوظيفة العامة في الدول الريعية من مجرد فخر وتشريف إلى عبء ثقيل وتكليف لا يخوضه إلا مغامر جسور، ولا يسعى له إلا كفء غيور يصل ليله بنهاره لتحقيق الأهداف العامة للدولة على حساب الأهداف الشخصية والمصالح الذاتية الضيقة.

إن هذا التوصيف للمسؤولية ( عبء وتكليف ) وإن كان ثقيلا على حامله؛ إلا أن عملية التفويض في الصلاحيات مع المتابعة والمراقبة والمساءلة سييسِّر تلك المسؤولية وينظمها ويعظّم من مردودها، ففي عالم اليوم لا يمكن لرب العائلة مثلا أن يقوم بجميع أعباء المنزل دون مشاركة باقي أفراد الأسرة؛ فكيف بإدارة المؤسسات والأفراد؟

إن على الجميع أن يتحمل مسؤولياته تجاه هذا الوطن تشريعا وتخطيطا وتنفيذا ، وعليهم جميعا أن يتشاركوا في العسر واليسر، والمنشط والمكره، والمغنم والمغرم، فلا يستفرد أحدهم بقرار، ولا يستأثر بفضل، ولا يتحمل وحده خطأ الجماعة؛ بل عليهم جميعا أن يكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ، وأن يتقوا الله في أنفسهم ووطنهم ومجتمعهم.

حفظ الله عماننا الغالية حرة عزيزة مصانة، وحفظ الله جلالة السلطان هيثم المعظم قائدًا لشعبها الأبي، وربانا لسفينة آماله وأحلامه.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى