ما أحكام العربون، وما دلالاته في القانون؟

أثير-المحامي صلاح بن خليفة المقبالي

يُعدّ بيع العربون من أقدم أساليب البيوع، ومن أهم المعاملات المالية الرائجة في العقود الحديثة، ويُعزى ذلك إلى ما يتمتع به من ائتمان وثقة بين الناس، لكونه من أهم حوافز إتمام العقود ومانعًا من موائع التلاعب والخداع في المعاملات، ووسيلة ضمان تشجع المتعاقدين على المضي قدمًا في إتمام عقودهم بثقة وطمأنينة.

وفي هذه الزاوية عبر “أثير” سنتحدث عن أحكام العربون في القانون العُماني، ومقارنته بالقانون المصري والكويتي.

تعريف العربون:

هو عبارة عن مبلغ من المال يدفعه أحد المتعاقدين للمتعاقد الآخر وقت إبرام العقد، على أن يحسب فيما بعد من أصل الثمن عند إبرام العقد.

دلالات العربون:

وللعربون دلالتان؛ دلالة عدول، ودلالة بت أو إبرام، فالأولى تأتي بصورة إعطاء حق العدول للمتعاقدين لتمكين كل منهما من العدول عن العقد مقابل خسارة هذا العربون، فإذا عدل من دفع العربون خسره، وإذا عدل من قبض العربون رده ومثله، والثانية تكون بصورة التأكيد على أن العقد أصبح باتًا، وواجب النفاذ في حينه.

أولًا: دلالة العربون في القانون العماني:

عرفت المحكمة العليا العمانية بيع العربون بأنه “اتفاق سابق على العقد وحينما تكتمل شروط العقد يكون نافذًا بين طرفيه بإرادتهما الحرة.” – الطعن رقم (397/2019) مدني ثانية عليا-

وحسمًا لأي خلاف قد ينشأ في شأن دلالة العربون بين المتعاقدين فقد جاءت دلالة العربون في القانون العماني في نص المادة (84) من قانون المعاملات المدنية بقولها أنه: “يعتبر دفع العربون دليلا على أن العقد أصبح باتا لا يجوز العدول عنه إلا إذا قضى الاتفاق أو العرف بغير ذلك”، ويستخلص من هذه المادة ما يلي:

· أن العقد أصبح باتا فهو تأكيد على انعقاد العقد وليس وسيلة للعدول عنه.

· قواعد العربون من القواعد المكملة وليست الآمرة، فيجوز الاتفاق على مخالفتها.

· العربون لا يسترد، وذلك لأنه جزء من الثمن.

ثانيًا: دلالة العربون في القانون المصري:

عرفت محكمة النقض المصرية العربون بقوله: “العربون هو ما يقدمه أحد العاقدين إلى الآخر عند إنشاء العقد، وقد يريد العاقدان بالاتفاق عليه أن يجعلا عقدهما مبرما بينهما على وجه نهائي، وقد يريدان أن يجعلا لكل منهما الحق في إمضاء العقد أو نقضه. ونية العاقدين هي وحدها التي يجب التعويل عليها في إعطاء العربون حكمه القانوني” – الطعن رقم ٦٢ لسنة ١٥ قضائية-

ونصت المادة (103) من القانون المدني المصري على أن دفع العربون وقت إبرام العقد يفيد أن لكل من المتعاقدين الحق في العدول عنه إلا إذا قضى الاتفاق بغير ذلك، فإذا عدل من دفع العربون فقده، وإذا عدل من قبضه ردّه وضعفه ولو لم يترتب على العدول أي ضرر.

وعليه، فإن دلالة العربون في القانون المدني المصري هي دلالة عدول أي بإعطاء حق العدول للمتعاقدين مقابل خسارته فإذا عدل من دفع العربون، فقده، وإذا عدل من قبضه، رده وضعفه، هذا ولو لم يترتب على العدول أي ضرر، فهو ليس بصورة تعويض عن ضرر، وإنما هو أقرب لأن يكون غُرمًا على العدول عن إبرام العقد، وقواعد العربون قواعد مكملة يجوز الاتفاق على مخالفتها.

ثالثًا: دلالة العربون في القانون الكويتي:

عدّ المشرع الكويتي أن دفع العربون في العقد هو للعدول وليس للإتمام، حيث عالجت المادة (74) من القانون المدني الكويتي الصادر بالمرسوم رقم 67 لسنة 1980 التعاقد بالعربون وفق ما يلي: “دفع العربون وقت إبرام العقد يفيد لكل من طرفيه خيار العدول عنه ما لم يظهر أنهما قصدا غير ذلك أو كان العرف يقضي بخلافه”.

كما ورد بالمادة (75) من القانون المدني الكويتي: “إذا عدل من دفع العربون فقده وإذا عدل من قبضه التزم برده ودفع مثله، وذلك كله دون اعتبار لما يترتب على العدول من ضرر”، وهذا يثبت أن الإلزام برد ضعف العربون متى ما عدل من قبضه هو دليل على أن ذلك يعتبر غُرمًا على العدول فقط وليس بمعنى الشرط الجزائي فيغرم من قبض العربون وعدل عن إبرام العقد برد ضعف ما قبض من مبلغ للعربون، وإذا ما ثبت أن هذا العدول ترتب عليه ضرر بالمتعاقد معه الذي دفع العربون فيلزم بدفع التعويض الجابر لهذا الضرر.

وخيار العدول عن العقد خيار جعله المشرع الكويتي مقرونا بمدة معينة وليس مفتوحًا على إطلاقه كي لا يضر هذا الخيار بمصالح المتعاقدين، فحددت المادة (76) من القانون ذاته المدة التي يباشر خلالها خيار العدول عن العقد:

1- إذا حدد الاتفاق أو العرف ميعادا لمباشرة خيار العدول.

2- يبقى هذا الخيار قائما للمتعاقد إلى أن يصدر منه ما ينم عن رغبته في تأكيد قيامه.

أما في حالة استحالة تنفيذ الالتزامات الناشئة عن العقد فقد وردت المادة (77) من القانون لتنص على أن: “استحالة تنفيذ الالتزامات الناشئة عن العقد بسبب يُعزى للمتعاقد تعتبر في حكم مباشرته خيار العدول عن العقد وتحدد مسؤوليته بقيمة العربون وفق ما تقضي به المادة 75 فإن كانت استحالة تنفيذ الالتزامات الناشئة عن العقد راجعة إلى سبب أجنبي لا بد لأحد المتعاقدين فيه وجب رد العربون إلى دافعه”.

الفرق بين العربون والشرط الجزائي:

الشرط الجزائي: اتفاق يقدّر فيه المتعاقدان سلفًا التعويض الذي يستحقه الدائن إذا لم ينفذ المدين التزامه أو إذا تأخر في تنفيذه، والشرط الجزائي استحقاقه منوط بتوفر إخلال بالتزام معيّن، ويخضع ذلك لرقابة قاضي الموضوع، فيجوز تعديله بالزيادة أو النقصان، فيمكن للقاضي أن يتدخل فيه بالتعديل أو حتى عدم الحكم به، وفق كل حالة على حدة، وهو بهذه المثابة عقوبة اتفاقية بين أطراف العقد جزاء للإخلال بأحد التزامات التعاقد، ويخض بالتالي لأحكام الإعذار لاستحقاقه.

العربون: ليس فيه إخلال بالتزام، بل هو غُرمٌ مرتبط بغُنم استعمال خيار العدول فقط، وفيه ممارسة لحق ثابت (الجواز الشرعي ينافي الضمان)؛ ولذا فلا يجوز تعديله بالزيادة أو النقصان، وليس للقاضي أن يتدخل فيه بالتعديل أو الإلغاء، ولا تجري عليه أحكام الإعذار لاستحقاقه.

الخلاصة:

مما سبق نستخلص أن دلالة العربون في القانون العماني هي إتمام العقد أما في القانون المصري والكويتي فهي العدول، وأن قواعد العربون من القواعد المكملة التي يجوز الاتفاق على مخالفتها، ولا يسترد العربون إلا إذا عدل من قبضه؛ ففي القانون العماني يرد ثمن العربون الذي قبض فقط؛ بخلاف القانون المصري والكويتي البذين نصّا أن يرد ضعف الثمن الذي قبض كعربون.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى