د.رجب العويسي يكتب: ثورة الاقتصاد تبدأ من التعليم

د.رجب العويسي يكتب: ثورة الاقتصاد تبدأ من التعليم

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

تقع على التعليم عالي الجودة اليوم مسؤولية كبيرة في بناء اقتصاد المجتمعات، وتنشيط حركة المجتمع الاقتصادية وثقافته المتجهة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي والكفاءة الإنتاجية في الموارد، والتثمير في الفرص والثروات، والابتكارية في أدوات الإنتاج، وتأسيس شركات طلابية في مجالات الابتكار الصناعي والبحث العلمي والاختراع والاكتشاف والأدوية والعلاج وغيرها، مصحوبا بالرصانة الفكرية التي يؤسسها، والموثوقية العلمية التي يصنعها، والثقافة ألأصيلة التي يوفرها في سبيل انتاج سلوك اجتماعي جديد يستوعب الواقع الاقتصادي ويتفاعل معه، ويوقد شعلة الحماس، ووهج العطاء، وفرص المبادرة، وترقية المهارات، وصقل الخبرات، وتجديد الدوافع، وتنشيط حركة التغيير، وتقوية روح المسؤولية ، وشغف البحث وحب التجريب والمخاطرة والاكتشاف في مخرجاته.

والحديث عن العلاقة بين الاقتصاد والتعليم، يؤسس لمرحلة متقدمة لجودة التعليم وكفاءته في تعزيز ثورة الاقتصاد وإنتاج الوظائف وخلق الفرص، وبناء وعي المجتمع بثقافة الاستهلاك وسلوك الادخار ، وفقه التعاملات الاقتصادية، وإدراك قيمة المشروع الاقتصادي، وتعزيز إدارة المشاريع الاحترافية، وخلق توجهات إيجابية لدى مجتمع المتعلمين نحو بعض العادات الاقتصادية،  والممارسات التي تنمي فيه ثقافة الاستثمار، والمحافظة على مفهوم أعمق للاستدامة الاقتصادية من خلال تعزيز قيم  الصدقة والإنفاق والعمل التطوعي والتبرع والوقف وتأصيل ركن الزكاة، واستشعار عظمة هذه المبادئ والقيم في سلوكه الاقتصادي وثقافته المالية، وإكساب المتعلم الثقة في اجراء التعاملات الاقتصادية الإلكترونية والبنكية والبيع والشراء والرهن، وكتابة الدين، والمحافظة على الوثائق البنكية والشيكات وبطاقات الائتمان في ظل الجرائم الاقتصادية، والمحافظ المالية، والابتزاز الالكتروني وغيرها.

غير أن تحقيق هذا الطموح في بناء ثقافة اقتصاد ناجح يعتمد عليها المتعلم في حياته المقبلة ، ما زال  يواجهه الكثير من الغموض، إذ ما زال التعاطي مع المفاهيم الاقتصادية يتم على استحياء، وما زال ينظر إلى تعليم الأجيال اساسيات علم الاقتصاد  سابق لأوانه ومرحلة يجب أن تأتي متأخرة في حياة المتعلمين، وهنا يبرز حجم التناقض الحاصل  في فهم أولويات هذه المنظومة، والتباين الحاصل في فلسفة عملها، فعلى الرغم من التأكيد على أهمية أن يتجه التعليم إلى  التنويع في المسارات التعليمية والخروج من إطار التعليم الأكاديمي الصرف إلى التعليم التقني والمهني وتعزيز حضور المهارة  باعتبارها أولوية يمنحها التعليم لمخرجاته ويكسبها لهم قبل اكسابهم شهادة التخرج، إلا أن مستوى حضور مفاهيم الاقتصاد في ثقافة الطفل، ومناهج التعليم وانشطته وبرامجه  لم تكن بذلك المستوى من القوة، وإن وجدت فهي لن تستهدف سوى معلومات عامة لا تصل إلى بناء نهج، وصناعة فكر، وإنتاج ممارسة، وتصحيح سلوك، وتغيير قناعة، والتزام مبدأ، وتجسير فجوة،  ولم يكن في قاموس المناهج التعليمة ما يؤسس لمرحلة متقدمة في بناء فقه الاقتصاد وصناعة التحولات القائمة على صقل التجربة وإنتاج السلوك الاقتصادي المصحوب بفقه الوعي والتحليل والتقنين والتشخيص والتجديد للمحتوى المعرفي ، بحيث يؤسس لثورة الاقتصاد في النفس واستنهاضها في القناعات والعادات والممارسات.


من هنا تأتي أهمية بناء مسارات مهنية واضحة تصنع للمفاهيم الاقتصادية موقعها في الخطط الدراسية والمواد والمساقات التدريسية، سواء عبر ادماجها في محتوى المناهج الدراسية أو إيجاد مادة  متخصصة للاقتصاد يتم تدريسها لصفوف التعليم الأساسي منذ الصفوف الأولى،  وتستهدف تدريس المفاهيم الاقتصادية التي يحتاجها الطالب في مختلف المراحل وفق تشخيص دقيق لها والتدرج فيها، وتوفير النماذج التدريسية والتطبيقات العملية لتدريسها، وتطوير اليات التعامل معها،  وعبر تعريض الطالب لهذه المفاهيم واستيعابها، وتدريسها على أيدي متخصصين في الاقتصاد حتى يفتح لهم منطلقات التحول، ويوسع مداركهم نحو تجسيد هذه الثقافة وممارستها في واقعهم، بما يعني ان على التعليم اليوم  أن يسالك مسلك القوة والمهنية  في اختيار المحتوى التعليمي، وانتقاء الأنشطة والنماذج العملية، وإنتاج الخبرات والتطبيقات المهنية التي تضع الطالب أمام فرص محاكاة للواقع، وخلق سياسات اقتصادية قادرة على الوفاء  بمتطلبات المرحلة، وتتكيف مع معطياتها، وتستجيب لمتطلباتها، ورسم معالم التحول التي ينبغي ان يشهدها الاقتصاد في ظل تداعيات الإجراءات  الاقتصادية، وتوفير حزم واسعة من الخيارات والبدائل التعليمية المعززة لهذه المهارات والمفاهيم ، لتمارس بشكل أقرب إلى فهم المتعلمين ويتم تناولها بأسلوب سلس وأدوات تنفيذ مرنة، واستراتيجيات عمل، ومبادرات تشغيلية فاعلة.

وبالتالي ما قد يترتب على هذا الجهد التعليمي من تحولات قادمة  في انعكاسات هذه الأفكار على مشروعات الطلبة وابتكاراتهم، ونمو ثقافة توجيه الاقتصاد، واستيعاب القيم الوطنية والهوية لتتجه لصالح بناء اقتصاد متوازن يقوم على التثمير في الفرص لإنتاج شراكات أوسع، والدخول في تبني مبادرات مجتمعية اقتصادية هدفها مساعدة المجتمع ودعمه اقتصاديا كالجمعيات التعاونية المتكاملة والصناديق الوقفية والمبادرات التطوعية،  فيقرأ هذه التحولات بمهنية، ويقف على هذا السلوك بجدية ، فيوازن بين اهتمامه بالاقتصاد وثقافته كجزء من حياته، وبين توجيه هذه الفرص الاقتصادية لصالح بناء مجتمع  الاخوة والتكامل والتكافل والتعاون والمسؤولية الاجتماعية  والعمل الخيري وغيرها من الممارسات  التي تجسد أبجديات الفعل الاقتصادي في حياة المجتمع، لذلك تأتي قيمة التكاملية بين الجانب الاقتصادي الصرف، والجوانب النوعية التي تعيد انتاج الاقتصاد في حياة الفرد والمجتمع في ظل  الظروف والمتغيرات الاقتصادية الحاصلة ، وعندما تنشط هذه المفاهيم في بيئات التعليم ويقوى حضور الأنشطة التعليمية ذات العلاقة، وتصبح المدارس بيئات تشغيل وإنتاج وعمل وبرامج محاكاة للواقع اليومي ، عندها لن يكون هناك أية فجوة بين توجه المنظومة  نحو تعزيز مفاهيم الاقتصاد، وبين استيعاب الممارسين التعليميين لهذه التوجهات في اساليبهم وآليات عملهم.

أخيرا فإن تجسيد معادلة التكامل بين الاقتصاد والتعليم ودور الممارسة التعليمية عالية الجودة في بناء الثقافة الاقتصادية للمجتمع يترجم ما وجه إليه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم في  ترأسه لمجلس الوزراء الموقر في الخامس عشر من يونيو 2021 فيما يتعلق بتنويع مسارات التعليم وتعزيز التعليم التقني والمهني  في التعليم ما بعد ألساسي  وما أكد عليه في خطاباته السامية في أن يثبت التعليم حضوره الواسع والنوعي في بناء الانسان وتعزيز الاقتصاد وعبر ما يؤسسه من خيارات أوسع وبدائل أكثر في قراءة التحولات التي يشهدها الاقتصاد وتعزيز المهارات الأساسية والاستراتيجية والمهارات  الناعمة  في مخرجات التعليم  لتكيفها مع ثورة الاقتصاد العالمي الجديد.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى