ما هي صلاحيات مؤسسات التعليم في زمن كورونا؟

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية
في مجلس الدولة

لعلنا نتفــق جميعا، أن جائحة كورونا ( كوفيد19) كانت اختبارا فعليا للتعليم، أفصح عن مواقع الخلل فيه، وجوانب التحول التي ينبغي أن يتجه إليها، وروح التغيير التي يجب أن تسري في الممارسة التعليمية، وبالتالي أصبح الحكم على كفاءة التعليم في التعاطي مع متطلبات هذه الجائحة وقدرته على إحداث تحول في واقع حياة المجتمع، مرهون بما يتركه من أثر في نفوس الأبناء، وما يبنيه من توقعات وطموحات، وما يجسده من نتاج على أرض الواقع، تظهر في سرعة الاستجابة وكفاءة المواجهة، وحس التغيير الذي سيلازم التعليم، واستشعار مؤسساته عظمة التحديات القادمة، والحاجة إلى إحداث تغيير جذري في فلسفة العمل وأدواته وآلياته وبرامجه، بل وفي فقه قيادات التعليم والقائمين على شؤونه وإدارة موارده، والممارسين التعليميين أنفسهم من معلمين وإداريين ومشرفين، وشركاء للتعليم في قدرتهم على نقل التعليم إلى مرحلة القوة وإنتاج الواقع الجديد الذي يتناغم مع منتوج جائحة كورونا ومتطلباته.
ومع التوجه الوطني نحو خطة تشغيل مؤسسات التعليم والعودة الحضورية المباشرة للطبة في مراحل التعليم المدرسي وما قبل المدرسي والعالي إلى مقاعد الدراسية للعام 2021/ 2022، والتي يجب وضع الممكنات الداعمة لها، والآليات الكفيلة باحتوائها، ورسم معالمه في سلوك المؤسسات التعليمية وقدرتها على تحقيق البروتوكول الصحي من جهة والسلامة والأمان للطلبة من جهة أخرى؛ تعزيز مستوى التمكين والصلاحيات الممنوحة للمؤسسات التعليمية من مدارس وجامعات ومراكز علمية وبحثية، في قدرتها على إدارة الواقع، والتعامل مع الظروف، وصناعة الفرص، واستغلال الممكنات الداخلية في تعزيز كفاءة التعامل مع معطيات الجائحة، بما يضمن جاهزية القرار التعليمي وانتاجيته، وقدرته على التأثير والاحتواء، ومرونته في قراءة الواقع، والاستجابة للظروف والمتغيرات، وتكييف مجتمع المتعلمين مع المرحلة الحالية والمقبلة بما يضمن تفاعلهم مع أحداثها، فإن من شأن تعزيز مبدأ الصلاحيات والتمكين مع الحوافز والضبطية، تحقيق الكفاءة والمرونة في الأداء التعليمي، وتعزيز التنافسية بين المؤسسات التعليمية في صناعة الفارق، وقراءة الواقع، واستيعاب أحداثه، وتعزز الاستفادة من الموارد الذاتية، وتأهيلها وضمان توجيهها التوجيه الأمثل في الحد من هذه الجائحة أو الأزمات أو الظواهر المجتمعية الأخرى.

وبالتالي فإن بناء نظام وطني للتمكين والصلاحيات والحوافز والضبطية في المؤسسات التعليمة، يجعلها قادرة على إدارة ظروفها والتعامل مع متطلباتها، وقراءة واقع البيئة التي تعمل فيها وفق السياسة التعليمية العامة بالسلطنة والتشريعات واللوائح والأنظمة ذات العلاقة، بالشكل الذي يضمن توظيف الإمكانيات والقدرات والاستعدادات بشكل يفوق المتوقع، ويعزز من فرص الاستباقية والمبادرة التعليمية، في مواجهة حالة الانتظار السلبي التي ساهمت في تراجع أداء المؤسسات التعليمية في التعاطي مع جائحة كورونا ، واقتصر دورها على مجرد تعليق الدراسة، دون جاهزية أو استباقية تذكر من شأنها انهاض الأنشطة والفرص الهاملة، وإعادة انتاجها وبعث الحياة فيها باعتبارها مقومات نجاح تعمل في اطار مشترك وتناغمية تامة لتحقيق نتاج على الأرض يظهر في وعي الطلبة والمجتمع بدوره ومسؤولياته والتزامه بالتعليمات والارشادات والإجراءات في التعاطي مع هذه الجائحة أو غيرها من الأزمات والجوائح والظروف، بالإضافة إلى تعزيز روح المبادرة نحو بناء أطار عمل مؤسسي يضمن تحقيق معدلات عالية من المشاركة والتطوع والمسؤولية الاجتماعية على مستوى عناصر التعليم، أو عبر استقطاب الكفاءات المجتمعية وتعزيز حضورها في برامج المؤسسات التعليمية أو عبر المساهمة في البرامج التوعوية والاعلامية والتثقيفية وإنتاج البرامج التفاعلية التي ترصد السلوك الاجتماعي، وإعادة انتاجه بأسلوب تعليمي تثقيفي مرن.


إن من شأن تعزيز صلاحيات المؤسسات التعليمية بدون استثناء في مواجهة الازمات، منطلقة من جائحة كوفيد19 كنقطة بدء في بناء منظومة الصلاحيات الداخلية والتمكين الذاتي للفرص والموارد، وفق خطوات جادة تتجه أيضا نحو ترسيخ نظام فعال للمحاسبية والتحفيز أكثر شمولا واتساعا وفاعلية، وعبر منح المدارس والجامعات صلاحيات اكبر وأوسع في إدارة شؤونها، وتطوير برامجها، وإنتاج مبادراتها، وترقية مواهبها، مع احتفاظ الوزارات المعنية بالتعليم بمسؤولية تطوير الرؤى والسياسات العامة للتعليم، وإيجاد الضوابط والآليات المناسبة في سبيل تفعيل منظومة التمكين والصلاحيات والحوافز والمحاسبة ، إذ أن من شأن هذا التوجه، بناء جيل واع بالمخاطر، قادر على فهم مسؤولياته في التعامل مع الأزمات والجوائح ، مدرك لمفهوم الوقاية الذاتية القائمة على الاستعداد والجاهزية وامتلاك الأدوات المناسبة والثقافة الرصينة والمعلومات الكافية التي تتيح له فرص التصرف وامكانية اتخاذ القرار وسرعته، ويعطي صورة مكبرة حول الأطر التي ينبغي أن ينشأ عليها جيل المتعلمين في التعامل مع المخاطر، وتعزيز سلوكيات وقناعات ايجابية قائمة على تكوين بدائل وإنتاج حلول تساعد الطلبة في التعامل مع معطيات كوفيد 19 وغيرها بحكمة ومهنية ، وفي الوقت نفسه تضع مجتمع التعليم أمام مسؤوليته في تنشيط حركة البحث العلمي والابتكار وبراءات الاختراع وإدارة المواهب، بحيث تتعامل مع هذه الجائحة بكفاءة عالية تجند فيها قدراتها واستعداداتها ومواردها ، وتبتكر من الوسائل ما يضع التعليم في مسار التصحيح لأحداث الواقع ومستجداته ، والضامن لتوفير الممكنات الداعمة للمجتمعات في مواجهة جائحة كوفيد19 وغيرها من الجوائح الأخرى في المستقبل.


أخيـــرا يبقى تحقيق هذا الالتزام، مرهون بما تسفر عنه المعالجات الوطنية من استقراء لواقع الممارسة التعليمية ، ومنح مؤسسات التعليم ( المدارس والجامعات والكليات ومراكز البحوث وغيرها) من الصلاحيات والفرص التمكينية في مجالات القرار التعليمي في معالجة أي سلوك مرتبط بتأثير الجائحة على مكونات بيئة التعلم وعناصرها، لتتجه إلى إدارة منظومة ذاتية التعلم، والبحث العلمي، وصناعة النماذج التعليمية، وآليات تدريس الطلبة، وابتكار فرص أفضل للتعليم الالكتروني ، وضمان استثمار الفرص والتثمير في الموارد وتمكينها من انتاج القوة وصناعة الفارق وتحقيق المنافسة، لصياغة انموذج عمل حضاري تتبناه مؤسسات التعليم بصورة فردية أو مشتركة على مستوى الولايات أو المحافظات قادر على تكييف الطلبة وإعدادهم، ورسم صورة ذهنية إيجابية تبرز كفاءة التعليم في إدارة المخاطر والتحديات، بما يصنعه من حس الكلمة، وفقه التغيير، ونمط الخطاب، ويرسمه من جماليات الصورة، وعمق الحدث، وتشخيص الحالة، وإنتاج برامج توعوية أكثر قدرة على احتواء مجتمع الطلبة والتأثير فيه.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى