من مصنع واحد في 1977 إلى أكثر من 1,000 مصنع: كيف تطور القطاع الصناعي في سلطنة عمان؟

من مصنع واحد في 1977 إلى أكثر من 1,000 مصنع: كيف تطور القطاع الصناعي في سلطنة عمان؟
تطور القطاع الصناعي في سلطنة عمان
أثير - ريما الشيخ
شهدت سلطنة عُمان انطلاقة القطاع الصناعي الحديث بعد عام 1970، مع بداية عهد النهضة المباركة، حيث انتقلت تدريجيًا من الاعتماد على الحرف التقليدية مثل صناعة السفن والنحاس إلى إقامة صناعات حديثة تدعم الاقتصاد الوطني.
ومن أوائل المصانع الحديثة التي أُنشئت شركة مطاحن الدقيق العُمانية عام 1977 كأول مطحنة حديثة للطحين والأعلاف، تلتها شركة أسمنت عُمان عام 1978 ضمن توجه إنشاء صناعات أساسية محلية.
وفي ثمانينيات القرن الماضي، تم إنشاء مدينة الرسيل الصناعية عام 1983 (وافتتاحها الرسمي عام 1985) كأول منطقة صناعية متكاملة الخدمات في السلطنة، ما وفر بنية أساسية محفزة لتوسع المصانع. وفي عام 1991 أُعلنت السلطنة “عام الصناعة” دعمًا للتحول نحو التصنيع، وخلال التسعينيات وما بعدها، تسارع تأسيس المصانع في قطاعات الغذاء، والبتروكيماويات، والمعادن، بالتزامن مع إنشاء مناطق صناعية جديدة في صحار وصور وصلالة ونزوى والبريمي، كما أسهم اكتشاف الغاز الطبيعي وتصديره في أواخر التسعينيات في قيام صناعات مرتبطة به مثل الأسمدة والميثانول وتسييل الغاز الطبيعي.
ومع دخول الألفية الجديدة، برزت مشاريع صناعية إستراتيجية مثل ميناء صحار الصناعي (2002) والمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم (2011)، التي استقطبت استثمارات كبيرة في مصافي النفط والصناعات الثقيلة، ما مهّد لتبني الاستراتيجية الصناعية 2040 القائمة على التصنيع المتقدم والابتكار.
عدد المصانع الحالية وتوزيعها الجغرافي
تشير أحدث البيانات الرسمية إلى أن القطاع الصناعي في سلطنة عُمان يضم نحو ألف منشأة صناعية قائمة في مختلف المحافظات، ووفق المسح الصناعي لعام 2023، تم حصر 969 منشأة صناعية موزعة على معظم محافظات السلطنة، ما يعكس الانتشار الجغرافي الواسع للنشاط الصناعي.
وتتركز النسبة الأكبر من المصانع في محافظة مسقط، خصوصًا في مدينة الرسيل الصناعية، ومحافظة شمال الباطنة في منطقة صحار الصناعية، تليها محافظات ظفار، وجنوب الشرقية، والداخلية.
فعلى سبيل المثال، تضم مسقط 9 مصانع للمياه المعبأة من أصل 35 مصنعًا موزعة على السلطنة. كما تنتشر في شمال الباطنة مصانع الحديد والألمنيوم والبتروكيماويات ضمن مجمع صحار الصناعي، فيما تحتضن ولاية صور مصانع الغاز الطبيعي المسال والأسمدة.
وفي محافظة الوسطى، تتطور قاعدة صناعية جديدة في الدقم مع تشغيل المصفاة، بينما يتركز النشاط الصناعي في ظفار بمنطقتي ريسوت الصناعية والمنطقة الحرة بصلالة، ويستفيد هذا الانتشار من 12 منطقة صناعية تديرها مؤسسة مدائن، إلى جانب 4 مناطق حرّة ومنطقة اقتصادية خاصة.
أنواع المصانع حسب القطاعات الصناعية
يغطي القطاع الصناعي العُماني مجموعة واسعة من الأنشطة الإنتاجية، أبرزها:
  • الصناعات الغذائية والسمكية:
يوجد في السلطنة 114 مصنعًا للصناعات السمكية، تسهم في توفير منتجات ذات قيمة مضافة وتعزيز الأمن الغذائي، ويشمل القطاع مصانع الألبان والعصائر وتعليب التمور، إلى جانب 35 مصنعًا لمياه الشرب المعبأة موزعة على المحافظات.
  • الصناعات النفطية والبتروكيماوية:
تعد العمود الفقري للصناعة العُمانية، وتشمل مصافي التكرير ومجمعات البتروكيماويات وإنتاج البوليمرات، وأسهم نشاط تكرير النفط بحوالي 35% من إجمالي الإنتاج الصناعي لعام 2022. كما أطلقـت شركة أوكيو (OQ) برنامج «لدائن» الذي أسهم في إنشاء 27 مصنعًا بلاستيكيًا لتحويل البوليمرات إلى منتجات نهائية.
  • صناعات المعادن والإنشاءات:
تضم السلطنة 7 مصانع لإنتاج الحديد والصلب، تسهم بنحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وبلغت صادراتها 687 مليون ريال عُماني في 2022، مع توفير أكثر من 1600 وظيفة مباشرة بنسبة تعمين 45%، كما تحتضن صحار مجمع صحار ألمنيوم، إضافة إلى مصانع الإسمنت، أبرزها أسمنت عُمان وأسمنت ريسوت.
  • الصناعات الكيماوية والأساسية:
تمثل نحو 29.2% من إجمالي الإنتاج الصناعي، وتشمل الأسمدة، والمواد الكيميائية، والبلاستيك، والأدوية، ويُعد مجمّع لوى للصناعات البلاستيكية من أبرز المشاريع في هذا المجال.
  • صناعات النسيج والملابس:
قطاع محدود نسبيًا، يشمل مصانع إنتاج الأقمشة والملبوسات، من بينها أول مصنع لإنتاج المصار العُمانية، إلى جانب ورش الخياطة والصناعات الحرفية.
  • قطاعات صناعية أخرى
تشمل الصناعات الكهربائية والإلكترونية، والورقية والخشبية، والمطاطية، وهي صناعات مكملة تسهم في تنويع القاعدة الإنتاجية.
إنتاج المصانع وحجم المخرجات الصناعية
بلغت قيمة الإنتاج الصناعي في السلطنة أكثر من 13 مليار ريال عُماني في 2022، وتوزعت المخرجات على النحو الآتي:
  • 35% منتجات نفطية مكررة
  • 29.2% مواد كيميائية
  • 13.7% فلزات أساسية
وتنتج المصافي العُمانية مئات الآلاف من البراميل يوميًا، حيث تعمل مصفاة الدقم بطاقة 230 ألف برميل يوميًا، لترفع الطاقة التكريرية الإجمالية إلى نحو 500 ألف برميل يوميًا، كما أسهم برنامج ”لدائن“ في إحلال منتجات بلاستيكية محلية محل المستورد.
وفي الصناعات المعدنية، بلغت صادرات الحديد 687 مليون ريال، بينما تتجاوز الطاقة الإنتاجية لمصانع الأسمنت 7 ملايين طن سنويًا. أما الصناعات الغذائية، فقد تجاوز إنتاج الأسماك المصنعة 250 ألف طن سنويًا، يتم تسويقها محليًا وتصدير جزء كبير منها.
المدن الصناعية وأبرز المشاريع
  • مدينة الرسيل الصناعية: أقدم وأكبر تجمع صناعي، تضم صناعات غذائية ودوائية ومعدنية.
  • صحار الصناعية وميناؤها: القلب الصناعي الثقيل، وتضم مصفاة صحار، مجمع أوكيو، صحار ألمنيوم، ومصانع الحديد.
  • الدقم: تضم مصفاة الدقم ومشاريع صناعية ثقيلة، إضافة إلى مشاريع الهيدروجين الأخضر.
  • صلالة الصناعية والحرة: تشمل مصانع الإسمنت، والكربون، والأدوية.
  • صور الصناعية: تضم مصنع عُمان للغاز الطبيعي المسال، وشركة الأسمدة، وارتفع عدد مصانعها من 72 مصنعًا في 2011 إلى 145 مصنعًا في 2018.
أهمية القطاع الصناعي في الاقتصاد
تبلغ مساهمة الأنشطة الصناعية نحو 19.5% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تمثل الصناعات التحويلية قرابة 10%، وارتفع ناتج الصناعات التحويلية من 2.8 مليار ريال إلى 3.2 مليار ريال خلال 2024، بدعم من تشغيل مصفاة الدقم، كما حقق الميزان التجاري فائضًا قدره 4.69 مليار ريال حتى أكتوبر 2025.
وعلى صعيد التوظيف، ارتفع عدد العُمانيين في الصناعات التحويلية من 32 ألفًا في 2020 إلى 58.1 ألف عامل في 2023، فيما تجاوز إجمالي العاملين في القطاع 249 ألف عامل.
دعم الدولة للقطاع الصناعي في سلطنة عُمان
تولي الحكومة العُمانية قطاع الصناعة أولوية ضمن برامج التنويع الاقتصادي، وتقدّم له دعمًا مباشرًا وغير مباشر عبر الحوافز والتمويل والتشريعات. وتشمل أبرز أوجه الدعم:
  • إعفاءات ضريبية للمشروعات الصناعية الجديدة تصل إلى 5 سنوات، وتمتد في المناطق الاقتصادية والمناطق الحرّة إلى 10 سنوات لبعض الأنشطة.
  • إعفاءات جمركية على استيراد الآلات والمعدات والمواد الخام اللازمة للتصنيع.
  • إطلاق صندوق “Future Fund Oman” برأسمال 2 مليار ريال عُماني لدعم الاستثمار، تُوجَّه النسبة الأكبر منه إلى المشاريع الإنتاجية والصناعية.
  • تنفيذ مشاريع صناعية جديدة تستهدف رفع الناتج الصناعي بنحو 225 مليون ريال عُماني بحلول 2026.
  • دعم التوظيف من خلال برامج تحمّل جزء من أجور العُمانيين في المصانع، وبرامج تدريب وتأهيل فني.
  • مبادرات تعزيز المحتوى المحلي مثل برامج ”تصنيع“ و“إتقان“ لرفع الاعتماد على المنتج الوطني.
  • إطار تشريعي محفّز، أبرزها قانون الاستثمار الذي يتيح تملكًا أجنبيًا بنسبة 100% في معظم الأنشطة الصناعية.
المصادر والمراجع
  • وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار
  • المركز الوطني للإحصاء والمعلومات
  • وكالة الأنباء العُمانية
  • جريدة عُمان وجريدة الوطن
  • بيانات من أوكيو و إثراء
  • المؤسسة العامة للمناطق الصناعية (مدائن)
  • هيئة المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة
  • جهاز الاستثمار العُماني
  • صندوق عُمان المستقبل
  • وكالة الأنباء العُمانية
  • وزارة المالية
  • وزارة العمل

شارك هذا الخبر