أثير- د. خميس المقيمي
المقال أدناه هو خاتمة لسلسلة من خمس مقالات تناولت واقع الإعلام العُماني وأسئلة تحوّله المؤسسي، من زاوية تحليلية تستند إلى خبرة مهنية وخلاصات دراسة أكاديمية محكَّمة ضمن أطروحة دكتوراة أُنجزت واعتمدت قبل سنوات. ناقشت السلسلة، عبر مقالاتها السابقة، إشكاليات القالب والفاعلية، ومعايير التقييم وحدودها، ودور الثقة في صناعة الأثر، ومفهوم القوة الناعمة، وصولاً إلى موضوعها الأخير ”الإعلام الذي نريده“.
وقد نُشرت المقالات الأربع الأولى من السلسلة في جريدة الرؤية، فيما أضع مقالها الأخير بين يدي القاريء الكريم عبر ”أثير“ بوصفها امتداداً طبيعياً للنقاش، وانتقالاً رمزياً من منصة صحفية تقليدية إلى فضاء إعلامي رقمي، ينسجم مع موضوع التحول الذي تتناوله السلسلة، وتُطرح أمام القارئ بوصفها قراءة مستقلة تجمع بين التحليل، والتجربة، واستشراف المسار.
الإعلام الذي نريده
في أواخر التسعينيات، وبعد الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، واجهت كوريا الجنوبية تحديات اقتصادية وصورة دولية ضعيفة فرضت عليها إعادة التفكير في مسارات نمو جديدة تواكب متطلبات المرحلة. فتبنّت الحكومة الكورية نهجاً لدعم الصناعات الثقافية والإعلامية، بوصفها جزءاً من الاستراتيجيات الاقتصادية والتنموية عبر إعادة هيكلة منظومتها الإعلامية، وإقرار قانون أساسي لتعزيز الصناعات الثقافية، وإنشاء وكالات حكومية مختصة بدعم المحتوى الثقافي وتصديره. ومنذ تلك اللحظة، بدأ الإعلام هناك يُعامل بوصفه استثماراً طويل الأمد في الإنسان، وفي المعنى، وفي المكانة.
وبعد أكثر من عقدين على ذلك التحول، أصبحت الصناعات الثقافية والإعلامية في كوريا الجنوبية أحد القطاعات المولّدة للقيمة الاقتصادية والرمزية معاً. فوفق بيانات حكومية ودراسات دولية، تجاوزت صادرات المحتوى الثقافي الكوري عشرات المليارات من الدولارات سنوياً، وأسهمت في رفع الطلب على السياحة، والمنتجات، والتعليم، وتعزيز حضور الدولة اقتصادياً ودولياً.
هذا المثال يُستَدعى باعتباره دليلاً على لحظة انتباه فارقة أدركت فيها دولة مثل كوريا الجنوبية أن الإعلام أحد مكونات دولتها الحديثة ورافعة اقتصادية وتنموية ضمن مشروعها الشامل.
من هنا، تأتي أسئلة: هل نحن بحاجة إلى إعادة هيكلة للمنظومة الإعلامية؟ وكيف يتم ذلك؟ فإعادة الهيكلة في الأنظمة الإعلامية، في جوهرها، هي إعادة تعريف لوظيفة الإعلام في الدولة: ماذا نريد منه؟ ولمن يتحدث؟ وما الأثر الذي ننتظره منه بعد عقد أو عقدين؟
لا تأتي هذه الأسئلة من فراغ، فسلطنة عمان تمتلك رصيداً حضارياً وإنسانياً متماسكاً، وتجربة سياسية قائمة على الاستقرار والحكمة، ورؤية وطنية واضحة المعالم تضع الإنسان في صدارة أولوياتها. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة الإعلام على ترجمة هذه الرؤية إلى سردٍ يومي حيّ، يشعر به المواطن والمقيم، ويتفاعل معه، ويرى نفسه جزءاً منه.
لقد كشفت المقالات السابقة في هذه السلسلة عن فجوات متراكبة في القالب والفعالية، والإيقاع، وتعريف الجمهور، والثقة، وتحويل المحتوى إلى معنى، والاحتفاء مقابل الأثر، وفجوة النجومية والقدوة. وهي فجوات لا تعكس نقصاً في الأفكار ولا شحاً في الكفاءات، بقدر ما تكشف غياب الإطار الجامع الذي يسمح لهذه الطاقات بأن تتحول إلى مسارات مؤسسية واضحة ومستدامة.
وإذا أجمعنا بأن هذه الفجوات واقعية؛ فإن إعادة هيكلة الإعلام لا يمكن أن تُفهم إلا بوصفها استجابة مباشرة وعاجلة لهذه الاختلالات. هيكلة تعيد تثبيت وظيفة الإعلام قبل أدواته، وتنتقل به من منطق ”إيصال الرسالة“ إلى منطق ”إدارة السرد“، ومن قياس ”الانضباط التحريري“ إلى قياس ”الأثر الحقيقي“ في الوعي العام.
من هنا، فإن إعادة الهيكلة تتطلب وجود قرار استراتيجي، ومرجعية تنسيقية تُعنى بوضع السياسات العامة للإعلام، وتحديد أدوار المنصات، وضبط المحتوى والحوكمة التحريرية في كافة المنصات الإعلامية الرسمية، وبناء آليات قياس للأثر، إلى جانب الاستثمار في إعداد قيادات إعلامية قادرة على فهم التحولات الاجتماعية والرقمية، وإدارة الإعلام بوصفه منظومة متكاملة لصناعة المعنى وقيادة السرد العام.
غير أن الانتقال من التشخيص إلى الفعل يواجه تحديات لا يمكن تجاوزها بالقفز المباشر إلى الحلول. يأتي في مقدمة هذه التحديات؛ مقاومة التغيير داخل بعض البُنى المؤسسية، واستمرار التعامل مع الإعلام بوصفه وظيفة تشغيلية فقط، إلى جانب تداخل الصلاحيات، وضعف قياس الأثر، والفجوة بين الإيقاع المؤسسي - البطيء في طبيعته - والفضاء الرقمي المتسارع، فضلاً عن التساؤلات التشريعية المرتبطة بطبيعة التحول الإعلامي.
أمام ذلك، يصبح التحرك في هذا الاتجاه ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، عبر مقاربات تُعيد تجسير الفجوات، وتُسهم في رفع منسوب الثقة في مسار التحول.
ومن بين المسارات الممكنة في هذا السياق، تبرز سياسة الإعلام الهجين القادرة على الجمع بين الرسمي والرقمي، بوصفه جسراً بين الخطاب المؤسسي وتحولات الجمهور، متى ما أُدير ضمن رؤية واضحة لا كحل مؤقت.
ودعم الصحافة الاستقصائية في بعض الملفات وحسب أطر مهنية واضحة، يعزز ثقة المجتمع في مؤسساته، ويسهم في ترسيخ الشفافية.
ودعم محتويات الثقافة، بما تحمله من شعر ورواية ومسرح، إلى جانب دعم صناعة المحتوى، والسينما، والدراما، والكوميديا كأدوات سرد قادرة على تحويل التاريخ، والرياضة، والبحر، والصحراء، والذاكرة، إلى معنى معاصر يصل إلى الداخل والخارج معاً.
ودعم الأغنية العُمانية كصناعة لا كمناسبة موسمية، لتكون قادرة على أن تكون حاضرة خليجياً وعربياً، ومعبرة عن روح المكان والإنسان.
وتمكين المؤسسات الإعلامية الخاصة مادياً، وفق أطر ومقاييس أداء، لرفع تنافسية المجال الإعلامي الوطني، بوصفه أحد شروط ضمان التعدد والابتكار والاستدامة.
وتبني مشروع الإعلام المناطقي بوصفه أحد المسارات المتسقة مع توجه الدولة في عهدها الجديد نحو اللامركزية وتمكين المحافظات وتوسيع صلاحياتها. فإطلاق حراك إعلامي وثقافي داخل المحافظات سيتيح فرصة لاستثمار الرصيد الثقافي والفني الغني لكل منطقة، بما تختزنه الذاكرة الوطنية من فلكلور وفنون وتجارب إنسانية ما تزال حبيسة الأرشيفات. كما سيكون مساحة طبيعية لاستقطاب المبدعين الشباب والقامات الثقافية التي تزخر بها المحافظات لإنتاج محتوى نابع من المكان عبر منصات محلية تقليدية أو رقمية، بما يسهم في تنويع السرد الوطني، واستيعاب مخرجات التعليم العالي المتخصصة في الإعلام، وخلق فرص عمل مستدامة بما يسهم في معالجة إحدى الإشكالات المجتمعية المؤرقة ضمن رؤية تنموية أشمل.
هذه المسارات، وغيرها مما لا يتسع المجال لذكره تكتمل ضمن منظومة واحدة، إذا ما وُضعت تحت مظلة تحريرية واضحة، تُحدد وظيفة كل منصة، وتربط المحتوى بالتأثير، والهوية بالاقتصاد، والإبداع بالمجتمع.
وفي سياق المرحلة التي تمرّ بها البلاد، حيث تتقدّم مسارات التحول المؤسسي وإعادة بناء العمل العام على أسس من الوضوح والحوكمة والاستدامة، يبرز دور الإعلام بوصفه أحد المكونات الأساسية لفهم هذه التحولات والتفاعل معها. وأن الانتقال بالإعلام من وظيفة تشغيلية إلى خيار استراتيجي ممكن حين يُتخذ القرار، وتُبنى الرؤية، ويُدار التنفيذ بصبر ووعي. فالدول التي انتبهت لقوة الإعلام فعلت ذلك لأنها أدركت أن إدارة السرد جزء من إدارة المستقبل.
وفي هذا السياق، تتجلى ضرورة إعادة هيكلة الإعلام بوصفه فضاءً للتفاعل مع المجتمع، وشريكاً في بناء الإنسان، وحاملاً للهوية، وصانعاً للأثر، بإرادة تُدار بعقل يعرف قيمة الخبرة، ويُصغي للتخصص، ويضع المعرفة في موقعها الطبيعي عند اتخاذ القرار. وحين تُبنى هذه الإرادة على رؤية واضحة، يستعيد الإعلام العُماني دوره الطبيعي جزءاً فاعلاً من مشروع الدولة، بثقة، وهدوء، ونظرة بعيدة المدى.
وختاماً لهذه السلسلة، لا يكتمل هذا النقاش من دون شكر القارئ العزيز الذي رافق هذه المقالات، وأسهم بملاحظاته وآرائه وتساؤلاته في إثراء الأفكار المطروحة، فالحوار حول الإعلام يتشكل بقدرة الخطاب على الإصغاء بقدر ما يجيد الحديث.





