صراع القوى الكبرى على غرينلاند: ماذا وراء التنافس الأمريكي - الأوروبي - الآسيوي؟

صراع القوى الكبرى على غرينلاند: ماذا وراء التنافس الأمريكي - الأوروبي - الآسيوي؟
غرينلاند
أثير - ريما الشيخ
في تصعيد جديد على الساحة الدولية، أصبحت جزيرة غرينلاند محور خلاف دبلوماسي متفاقم بين الولايات المتحدة وحلفائها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي، في وقت تشدد فيه الدنمارك وغرينلاند على أن السيادة على الجزيرة غير قابلة للمساومة، بينما يدفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتجاه اتفاق جديد يوسّع النفوذ الأمريكي في المنطقة القطبية لأسباب أمنية واستراتيجية واقتصادية.
وفي أحدث تطورات هذا الملف، أعلن ترامب التوصل إلى ”إطار عمل لاتفاق مستقبلي“ مع حلف الناتو بشأن غرينلاند ومنطقة القطب الشمالي، يتيح للولايات المتحدة توسيع وجودها العسكري والوصول الاستراتيجي إلى الجزيرة ضمن شراكة أمنية طويلة الأمد، مقابل تراجعه عن تهديداته بفرض رسوم جمركية على الدول الأوروبية واستبعاده استخدام القوة العسكرية.
وأوضح أن الاتفاق قد يشمل مشاريع دفاعية إضافية، من بينها أنظمة دفاع صاروخي، غير أن التفاصيل النهائية لا تزال قيد التفاوض بين واشنطن وكوبنهاغن ونيوك، في حين كررت الدنمارك وغرينلاند تمسكهما بأن السيادة ”غير قابلة للتفاوض“ وأن أي تعاون يجب أن يحترم الوضع القانوني القائم للجزيرة.
ولفهم جذور هذا الخلاف وأبعاده؛ لا بد أولًا من التوقف عند ماهية غرينلاند وموقعها الجغرافي، وما الذي يمنحها هذه الأهمية الإستراتيجية!
ما الذي يجعل غرينلاند محط اهتمام القوى الكبرى؟
تشير المصادر التي اطلعت عليها “أثير” إلى أن غرينلاند، أو جرينلاند، هي أكبر جزيرة في العالم، وتقع بين المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي، وتعد جزءًا من قارة أمريكا الشمالية من الناحية الجغرافية، لكنها سياسيًا إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ويتبع مملكة الدنمارك منذ زمن طويل.
ورغم مناخها القارس وغالبية أراضيها المغطاة بالجليد، فإن غرينلاند تمتلك موقعًا إستراتيجيًا بالغ الأهمية؛ إذ تشرف على الممرات البحرية بين أمريكا الشمالية وأوروبا، وتسيطر على ما يُعرف بـ “فجوة غرينلاند–آيسلندا–المملكة المتحدة (GIUK Gap) “، التي تعد مفتاحًا لرصد التحركات العسكرية، فضلًا عن وجود قاعدة أمريكية إستراتيجية (Pituffik Space Base) هناك منذ فترة الحرب العالمية الثانية، تستخدم لمراقبة الفضاء السيبراني والنشاط العسكري الروسي.
إضافة إلى ذلك، تنشغل القوى الكبرى بالمعادن النادرة والموارد الطبيعية في القطب الشمالي، التي أصبحت محل اهتمام اقتصادي عالمي ومجال تنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، خصوصًا مع انحسار الجليد وزيادة إمكانية الوصول إلى هذه الموارد.
كيف بدأ الخلاف الدولي حول غرينلاند؟
لم يكن اهتمام الولايات المتحدة بغرينلاند جديدًا؛ فقد طرحت واشنطن الفكرة مبكرًا قبل عقود، حتى إن الرئيس الأمريكي هاري ترومان اقترح شراءها بعد الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك، ظل الإقليم تحت السيادة الدنماركية، مع وجود اتفاقية دفاعية مع الولايات المتحدة منذ عام 1951 تسمح بوجود عسكري أمريكي وفقًا لموافقة كوبنهاغن.
لكن الأزمة الحالية بدأت تتخذ نبرة تصعيد جديدة منذ عام 2025، عندما عاد الرئيس دونالد ترامب، بعد انتخابه لفترة ثانية، ليعلن صراحة رغبته في أن تكون الولايات المتحدة في موقع السيطرة أو الملكية على غرينلاند، مؤكدًا أن ذلك “ضروري للأمن القومي الأمريكي والعالمي” في مواجهة روسيا والصين، وأنه مستعد حتى لاتخاذ خطوات قوية لتحقيق ذلك.
وفي يناير 2026، واصل ترامب هذا الخطاب التصعيدي؛ إذ هدد بفرض تعريفات جمركية على ثماني دول أوروبية إذا عارضت الطموحات الأمريكية للسيطرة على غرينلاند، وهو ما أثار صدمة لدى الحلفاء الأوروبيين، وأدى إلى عقد اجتماعات طارئة في بروكسل لبحث الرد.
ولم يقتصر هذا التصعيد على التهديدات الاقتصادية، بل شمل أيضًا تصريحات رسمية بأن الولايات المتحدة تحتاج إلى غرينلاند لأغراض دفاعية وإستراتيجية، وأنها قد تسعى إلى وسائل أكثر صرامة إذا فشل الحوار الدبلوماسي.
لماذا تحولت غرينلاند إلى ساحة صراع عالمي اليوم؟
يتزامن التصعيد الأخير حول غرينلاند مع تحولات متسارعة في القطب الشمالي؛ إذ أدى تغيّر المناخ وتسارع ذوبان الجليد إلى فتح ممرات بحرية جديدة وزيادة فرص التنقيب عن المعادن والموارد النادرة، ما حول المنطقة من هامش جغرافي معزول إلى ساحة تنافس مباشر بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، ودفع القوى الكبرى إلى تعزيز وجودها العسكري والإستراتيجي هناك.
وترى واشنطن أن السيطرة على نقاط مثل غرينلاند تمنحها أفضلية في مراقبة التحركات العسكرية عبر شمال الأطلسي وحماية خطوط الدفاع بين أمريكا وأوروبا.
ويعيش في غرينلاند نحو 56 ألف نسمة فقط، ويتمتع الإقليم بحكم ذاتي واسع داخل مملكة الدنمارك منذ 2009، مع حق قانوني في تقرير المصير، ما يعني أن أي تغيير في وضع الجزيرة السياسي لا يمكن أن يتم دون موافقة سكانها، الأمر الذي يجعل القضية ليست مجرد صراع دولي، بل مسألة سيادة وهوية محلية أيضًا.
ما أبعاد الصراع حول غرينلاند؟
الخلاف الذي أثارته تصريحات ترامب يعكس تقاطعات مصالح إستراتيجية وأمنية واقتصادية متعددة، من أبرزها:
أمن جيوسياسي:
تقع غرينلاند في مفترق طرق بين أمريكا وأوروبا، ومن أجل حماية الحلفاء من تهديدات محتملة، خصوصًا من روسيا في الشمال، يرى ترامب أن الوجود الأمريكي هناك أفضل من الاعتماد الكامل على الدنمارك.
الموارد والاقتصاد:
تحتوي الجزيرة على موارد معدنية نادرة قد تكون ذات قيمة عالية للاقتصاد العالمي، بما في ذلك معادن تُستخدم في الصناعات التقنية والحاسوبية، ما يجعلها مطمعًا اقتصاديًا إلى جانب أهميتها العسكرية.
التاريخ العسكري:
تُعد قاعدة Pituffik الأمريكية مركزًا حيويًا لمراقبة الصواريخ والنشاط العسكري في القطب الشمالي، ما يضاعف أهمية غرينلاند في الخطط والدفاعات الإستراتيجية.
الوصول إلى الشمال:
مع ذوبان الجليد وفتح ممرات بحرية جديدة، أصبحت غرينلاند جزءًا من درع الملاحة المستقبلية في القطب الشمالي، التي يُتوقع أن تشهد نشاطًا تجاريًا عالميًا متزايدًا في العقود المقبلة.
كل هذه العناصر جعلت غرينلاند أكثر من مجرد قطعة أرض جليدية، بل ساحة إستراتيجية تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والأوروبية، وحتى الروسية والصينية.
كيف عبّر القادة الدوليون عن مواقفهم تجاه غرينلاند؟
الولايات المتحدة – دونالد ترامب
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، إن الولايات المتحدة “تحتاج إلى غرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي”، معلنًا التوصل إلى إطار عمل طويل الأمد مع حلف شمال الأطلسي يتيح لواشنطن توسيع وجودها العسكري والإستراتيجي في الجزيرة، ومؤكدًا في الوقت نفسه أنه لن يستخدم القوة العسكرية أو يفرض رسوم جمركية على الحلفاء الأوروبيين بشأن الملف، وأن الحل سيكون عبر التفاوض.
الدنمارك – ميته فريدريكسن
شدّدت رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن على أن السيادة على غرينلاند غير قابلة للتفاوض، ووصفتها بأنها خط أحمر، موضحة أن كوبنهاغن منفتحة على التعاون الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة والناتو، لكن دون أي مساس بالوضع القانوني والسياسي للجزيرة، أو طرح فكرة بيعها أو نقل ملكيتها.
غرينلاند – ينس فريدريك نيلسن
أكد رئيس وزراء غرينلاند ينس-فريدريك نيلسن أن “لا يوجد أي اتفاق نهائي” بين بلاده والولايات المتحدة أو الدنمارك بشأن مستقبل الجزيرة، موضحًا أن المحادثات الجارية تقتصر على تعزيز الأمن والتعاون الدفاعي، وأن “مصير غرينلاند يقرره شعبها فقط”، مع التشديد على استمرارها تحت السيادة الدنماركية.
روسيا – فلاديمير بوتين
قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن مسألة من يملك غرينلاند “ليست من اهتمامات روسيا المباشرة”، معتبرًا أن القضية شأن بين الولايات المتحدة والدنمارك، ومشيرًا إلى أن موسكو تراقب التطورات دون نية للتدخل، في موقف يعكس حرص الكرملين على البقاء خارج النزاع، مع الاستفادة سياسيًا من أي انقسام داخل الناتو.
فرنسا – إيمانويل ماكرون
أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن “سيادة الدنمارك وغرينلاند غير قابلة للمساومة”، مشددًا على أن أوروبا لن ترضخ لأي ضغوط أو تهديدات اقتصادية تتعلق بالجزيرة، وذلك ردًا على التلميحات الأمريكية بفرض رسوم جمركية على حلفاء أوروبيين. ودعا ماكرون إلى معالجة الملف في إطار جماعي داخل حلف شمال الأطلسي، معتبرًا أن أمن القطب الشمالي مسؤولية مشتركة، وأن مستقبل غرينلاند “يحدده شعبها فقط وفق القانون الدولي”، في موقف يعكس دعم باريس الكامل لكوبنهاغن ووحدة الموقف الأوروبي.
الصين – وزارة الخارجية الصينية
أكدت وزارة الخارجية الصينية أن بكين “ليست طرفًا في النزاع حول غرينلاند”، مشددة على أن القطب الشمالي “قضية تهم المجتمع الدولي بأسره” ولا يجب أن يستخدم كذريعة لتحقيق مصالح جيوسياسية ضيقة، ودعت الصين الولايات المتحدة إلى عدم تضخيم ما وصفته بـ«التهديد الصيني» لتبرير تحركاتها في المنطقة، موضحة أن أنشطة بكين في القطب الشمالي تقتصر على البحث العلمي والتعاون الاقتصادي والتنمية المستدامة، ولا تشمل أي طموحات عسكرية أو سيادية تجاه الجزيرة، في موقف يعكس رغبة الصين في البقاء خارج المواجهة السياسية المباشرة مع واشنطن وأوروبا.
المصادر:
• صحيفة الغارديان البريطانية
• وكالة أسوشيتد برس (AP News)
• وكالة رويترز
• صحيفة واشنطن بوست
• تصريحات الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته
• الكرملين – تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
• بيان قصر الإليزيه – الرئاسة الفرنسية
• بيانات حلف شمال الأطلسي حول عملية ”التحمّل القطبي – Arctic Endurance“
• تقارير مجلة تايم الأمريكية

شارك هذا الخبر