خاص- أثير
التواصل السياسي ليسَ أدة أو وسيلة، بل هو فن وبدقة أكبر هو خِبرة، لاسيما حين يكون السياق متوترًا. تتربص به سرديات متضاربة راغبة ونازعة إلى لغة العقوبات والضربات الاستباقية بدل الهدوء والإنصات. بدل المسابقة إلى فضيلة الحوار. وما تقدمه مسقط، من استضافاتها للمفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، يُعيد الاعتبار لفكرة التواصل السياسي ذاتها. ذلك أنّ الحياد دبلوماسي الذي تمارسهُ عُمان، ينم عن مكانة تَراكُمية تشكّلت بفعل قدرة السلطنة على إدارة المعنى في لحظات الانسداد.
إنّ ما يجعل الدور العُماني اليوم أكثر ثِقلًا هو السياق الذي تجري فيه هذه المفاوضات. فالتقرير الذي صدرَ بداية هذا الشهر، عن المعهد الملكي الإسباني ، يقدّم صورة قاتمة عن الداخل الإيراني: أزمة اقتصادية خانقة، وانهيار للعملة، وتضخم مفرط، بالإضافة إلى اختلالات عميقة في قطاعي الطاقة والمياه، وتدهور بيئي يمسّ صميم الأمن الإنساني. كل هذه الأزمات، كما يبيّن التقرير، لا تُدار بمعزل عن نظام العقوبات ولا عن محدودية الخِيارات السياسية المتاحة لطهران.
انطلاقا من هذا التشخيص يمكن فهم عودة المفاوضات، فالمسألة ليست تقنية مرتبطة بالملف النووي وفقط، بل هي تعبير عن حاجة بنيوية لنظام باتَ يواجه مأزمَ اجتماعية وسياسية وضغطًا اقتصاديًا متصاعدًا. وهنا تحديدًا يتضح دور مَسقط، ليس من دورها كوسيط بينَ الطرفين، بل كضامن لإمكانية التواصل في ظل اختلال موازين التواصل والتفاهم.
ما يؤكدُ هذا التوجه، ما أشارت إليه صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، في كونِ عُمان تمثل إحدى القنوات النادرة التي ما تزال تحظى بثقة متبادلة بين طهران وواشنطن، في لحظة تتآكل فيه قنوات الاتصال الأخرى. إنها الثقة التي لا تنبع من اصطفاف، بل من قدرة السلطنة على التواصل، وإدارة الحوار وتبني المواقف.
ولا ينبغي إغفال، في قلب هذا الدور، صورة وزير الخارجية معالي السيد بدر البوسعيدي كفاعل تواصلي بامتياز. فإدارته للمفاوضات عبر لقاءات منفصلة، واعتماده منطق الرسائل المتبادلة بدل المواجهة المباشرة، يعكسان وعيًا بأن الخلافات الراهنة أعمق من أن تُحلّ على طاولة واحدة.
التواصل هنا ليس بحثًا عن توافق، بل منعًا للانقطاع، وهو مدخل حقيق بالتأمل، لأن التواصل السياسي الناجح هو الذي يسعى إلى رأبِ الصدعِ ومنعِ الانقطاع والقطيعة، وهو منطق يتّسق تمامًا مع وصف صحيفة “إل موندو” الإسبانية لمسقط بأنها “طاولة مألوفة في زمن الارتباك”.
إنّ هذه المألوفية ليست تفصيلًا رمزيًا، بل عنصرًا حاسمًا في بناء الثقة. حين تتحوّل العاصمة إلى ذاكرة تفاوضية، فإنها تكتسب وظيفة سياسية تتجاوز الجغرافيا. أي أنّ مَسقط لم تعد مجرد مكان للمفاوضات، بل إطارًا ذهنيًا لتواصل سياسي يسمح للأطراف المتخاصمة بالعودة إلى الحوار دون كلفة رمزية عالية.
ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة الدور العُماني بوصفه ممارسة لـ “العقلانية التواصلية السياسية”، إذ يُنظر إلى الحوار بوصفه قيمة في حد ذاته، وليس مجرد أداة للوصول إلى اتفاق وفقط. ففي مواجهة أزمات داخلية عميقة في إيران، وضغوط استراتيجية أمريكية متزايدة، يصبح إبقاء قناة الحوار مفتوحة إنجازًا سياسيًا بحد ذاته.
إن ثِقل مَسقط، في هذه اللّحظة، لا يُقاس بما ستُسفر عنه المفاوضات من نتائج فورية، بل بقدرتها على حماية اللغة السياسية من الانهيار، في منطقة تتحول فيها الأزمات إلى ساحات صراع. تذكّرنا التجربة العُمانية بأن التواصل السياسي، حين يُدار بحكمة وصبر، يمكن أن يكون آخر خطوط الدفاع عن السياسة وسطَ دويّ السقوط.. أي سقوط الإنسانية في براثن العنف والتدمير.





