بعد 26 عامًا: القانون الخاص بـ ”الجناح الثالث“ للتنمية في سلطنة عمان يتجه إلى التغيير

بعد 26 عامًا: القانون الخاص بـ ”الجناح الثالث“ للتنمية في سلطنة عمان يتجه إلى التغيير
“مؤسسات المجتمع المدني“
مسقط - أثير
بعد مرور نحو 26 عامًا من صدور ”قانون مؤسسات المجتمع المدني“، شهدت أروقة مجلس عمان مناقشة مشروع القانون الجديد، وآخرها الجلسة المشتركة التي عقدت في 10 فبراير الجاري، والذي سيحل محل القانون الساري حاليًا.
وشهد القانون الجديد، الذي حوى 83 مادة، نقاشات مستفيضة، منها تعريف ”الجمعيات المهنية“ وعلاقتها بالنفع العام أو الأنشطة الاقتصادية، ليبرز سؤالان مهمان: ما الذي يميز هذه الجمعيات عن المؤسسات، وما هويتها القانونية؟
بدايةً، لا بد أن نُعرّف أن مؤسسات المجتمع المدني في سلطنة عمان تشكل ”الجناح الثالث“ للتنمية، وهي كيانات قائمة على التطوع تهدف إلى خدمة المجتمع وتطوير كوادره، وتخضع هذه المنظومة لإطار قانوني صارم يضمن نزاهتها وعدم خروجها عن أهدافها السامية، مع التركيز المطلق على مبدأ ”عدم الربحية“.
ما الميثاق القانوني الذي تستند إليه مؤسسات المجتمع المدني في شرعيتها؟
تستمد جميع هذه الكيانات شرعيتها من قانون الجمعيات الأهلية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (14/ 2000)، أي قبل نحو 26 عامًا من اليوم.
ونصّ القانون في مادته الأولى على تعريف جامع يقطع الشك باليقين، حيث عد الجمعية: ”كل جماعة ذات تنظيم مستمر، تتألف من أشخاص طبيعيين أو اعتباريين، لغرض غير الحصول على ربح مادي، وتهدف إلى القيام بأنشطة في المجالات الاجتماعية أو الثقافية أو المهنية أو غيرها من مجالات الخير أو النفع العام“.
فسيفساء العمل الأهلي: قراءة في تنوع التخصصات
تتفرع مؤسسات المجتمع المدني في سلطنة عمان إلى مسارات تخصصية تخدم كافة الأطياف:
- الجمعيات المهنية (نخبة التخصص): تجمع رفاق المهنة الواحدة (أطباء، محامين) لتطوير كفاءاتهم وحماية أخلاقيات مهنتهم. (مثل: جمعية الصحفيين العمانية).
- الجمعيات الخيرية (نبض التكافل): مؤسسات إنسانية تهدف لمد يد العون للفئات المعسرة ونشر ثقافة العطاء. (مثل: جمعية دار العطاء).
- جمعيات المرأة العمانية (محرك التمكين): كيانات متخصصة في كل ولاية لرعاية شؤون الأسرة وتمكين المرأة العمانية اجتماعيًا واقتصاديًا.
فك الشفرة: لماذا يُسمي القانون ”الأندية“ و”المؤسسات الخاصة“ جمعيات؟
قد يظن البعض أن المسمى يغير القيمة القانونية، لكن الحقيقة أن:
- الأندية الاجتماعية والثقافية: تندرج قانونًا تحت مسمى ”جمعية“، وتشمل أندية الجاليات والأندية الثقافية، والتفريق الجوهري هنا هو: إذا كانت الرياضة نشاطًا ثانويًا فهي ”جمعية اجتماعية“، أما إذا كانت الرياضة هي النشاط الرئيسي فتتبع وزارة الثقافة والرياضة والشباب.
- المؤسسات الخيرية الخاصة: هي كيانات تنشئها شركات أو أسر لغرض النفع العام، ورغم مسمى ”مؤسسة“، إلا أنها تعامل قانونًا كـ ”جمعية“ من حيث الرقابة والالتزام بالنفع العام. (مثل: مؤسسة الجسر للأعمال الخيرية، ومؤسسة سعود بهوان).
برلمان الجمعية الصغير: ”الجمعية العمومية“، ممّ تتكون؟ وما أدوارها؟
هذا هو المكون الأهم؛ فالجمعية العمومية ليست نوعًا من أنواع الجمعيات، بل هي أعلى سلطة قرار داخل أي جمعية أو ناد، وتتكون من جميع الأعضاء المسجلين والمسددين لاشتراكاتهم، وهم ”البرلمان المصغر“ الذي ينتخب مجلس الإدارة، ويراقب الميزانية المالية، ويقرر مصير الجمعية أو تعديل نظامها الأساسي، ولا يمكن لمجلس الإدارة الانفراد بالقرار دون العودة للجمعية العمومية.
المبادئ الثابتة: فلسفة ”صفر ربح“ وحماية النزاهة!
لماذا يثق الجميع في هذه المنظومة؟ لأنها تستمد ثقتها المطلقة من صرامة الرقابة القانونية لوزارة التنمية الاجتماعية، التي تمنح الجمعيات ”شخصية اعتبارية“ مستقلة لإدارة شؤونها، مع فرض مبدأ ”عدم الربحية“ كحارس أمين يمنع الانحراف عن مسار النفع العام ويضمن توظيف كل بيسة في خدمة المجتمع، بحيث لا تذهب الفوائض المالية لجيوب الأفراد بل يُعاد استثمارها كلياً في استدامة العطاء الوطني.
ويضمن انصهار هذه المسميات (من مهنية وخيرية وأندية) تحت بوتقة قانونية واحدة (14 / 2000) استدامة العمل الأهلي ونزاهته، وبوجود ”الجمعية العمومية“ كرقيب داخلي، تكتمل دائرة الحوكمة لتظل مؤسسات المجتمع المدني في عُمان منارة للعطاء والبناء الوطني الخالص.

شارك هذا الخبر