الكاتب الأمريكي ويل مانيديس: عُمان تثبت إمكانية تحقيق تحول اقتصادي كبير دون فقدان الهوية

الكاتب الأمريكي ويل مانيديس: عُمان تثبت إمكانية تحقيق تحول اقتصادي كبير دون فقدان الهوية
الكاتب الأمريكي ويل مانيديس: عُمان تثبت إمكانية تحقيق تحول اقتصادي كبير دون فقدان الهوية
رصد - أثير
“إذا كانت التجارب الغربية تبحث عن مستقبلها بين مدن تُمحى هويتها تحت وطأة المال وأخرى تتجمد في متاحف التاريخ، فإن عُمان تبدو نموذجًا مختلفًا.”
هكذا استهل الكاتب ويل مانيديس مقاله المنشور بتاريخ 19 فبراير 2026 بعنوان “تأملات حول عُمان”، بعد أن أمضى عشرة أيام في سلطنة عمان خلال شهر ديسمبر الماضي 2025م.
إذ قال مانيديس إنه غادر عُمان وهو يشعر بأنه رأى صورةً للمستقبل لم يكن من المفترض أن يراها؛ بلدًا أصبح ثريًا بشكل استثنائي لكنه ظل متماسكًا مع هويته ما قبل الصناعية — دولة لم تتحول إلى متحف، ولم تتجمد في الماضي، بل أصبحت دولة حديثة، عاملة، وثريّة دون أن يبدو وكأن المال قد استنزف جوهرها.
ويرى الكاتب أنه من الصعب تخيل ما قد يحدث في الغرب إذا أدى التحول الاقتصادي الناتج عن التكنولوجيا — وتحديدًا نماذج اللغة — إلى مضاعفة الاقتصاد أو حتى ثلاثة أضعافه، فبينما يتحدث المتفائلون عن الوفرة أو الإسكان الرخيص وعالم ما بعد الندرة، حيث ينفق الناس بلا وظائف، يرى المتشائمون مستقبلًا أكثر قتامة يشبه فقدان الوظائف الناتج عن الأتمتة ونقل الأعمال إلى الخارج.
لكن — بحسب الكاتب — نادرًا ما يتحدث أحد عن شكل المجتمعات الناجحة بعد تحقيق طفرة اقتصادية، أو كيف يبدو العيش داخل مجتمع وصل إلى الجانب الآخر من هذا التحول.
ويؤكد مانيديس أن عُمان هي أقرب مثال وجده للإجابة عن هذا السؤال، مشيرًا إلى أن ما يميز التجربة العُمانية أنها صُنعت عبر قرارات اتخذها رجل واحد، اتخذ خيارات صعبة لم يكن كثيرون في موقعه ليتخذوها.
ويستعرض الكاتب في مقاله التحول الذي بدأ عام 1970 حين تولى السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه- الحكم، في وقت كانت فيه البلاد بالكاد تعد دولة حديثة، إذ لم يكن فيها سوى نحو ثلاث مدارس فقط، وحوالي عشرة كيلومترات من الطرق المعبدة.
وكانت أبواب مسقط تغلق ليلًا، وكان على من يسير خارجًا بعد حلول الظلام أن يحمل مصباحًا، ولم تكن هناك صحف أو تلفزيون أو خدمات طبية تذكر، إذ كان السلطان سعيد بن تيمور يرى أن الحداثة نفسها تمثل خطرًا.
ويشير الكاتب إلى أن السلطان قابوس -رحمه الله- فتح البلاد فور توليه الحكم، فأنشأ المدارس والمستشفيات، وبنى طرقًا واسعة عبر جبال الحجر، حتى أصبحت عُمان خلال عقد واحد دولة حديثة نسبيًا، وخلال عقدين اقتصادًا حديثًا قائمًا على النفط.
لكن — كما يرى الكاتب — هنا يكمن الاختلاف عن تجارب أخرى، إذ إن دولًا أخرى شهدت طفرة اقتصادية مماثلة اتجهت إلى إزالة القيود بأسرع وقت ممكن، وبنت مدنًا شاهقة وسريعة النمو، حتى أصبحت واجهات حضرية زجاجية متشابهة بلا هوية واضحة.
أما السلطان قابوس -طيب الله ثراه- -بحسب مانيديس- فقد امتلك المال واختار مسارًا مختلفًا، إذ فرض قيودًا صارمة على ارتفاع المباني في مسقط، وألزم بأن يتبع البناء في البلاد نمطًا معماريًا وطنيًا يتضمن الأقواس وأعمال الجص ونسبًا محددة.
كما حافظ على الأسواق التقليدية مع تطويرها، وصان مزارع اللبان في ظفار، وشيد جامع السلطان قابوس الأكبر بحيث لا يتجاوزه أي مبنى في الارتفاع.
ويرى الكاتب أن النتيجة كانت دولة لا تشبه غيرها، مسقط منخفضة وبيضاء وهادئة، والجبال تنحدر نحو البحر دون حواجز زجاجية، والوديان ما زالت نظيفة، والقرى الساحلية محتفظة بطابعها.
ويشير إلى أنه يمكن السفر لمسافة بعيدة في الصحراء مع بقاء خدمات الاتصال الحديثة متوفرة، بما في ذلك شبكات الجيل الخامس.
ويؤكد أن هذا لم يكن تقشفًا، بل اختيارًا واعيًا لتحديث الاقتصاد دون فقدان الهوية، إذ فرض السلطان قابوس- طيب الله ثراه - قيودًا على النمو بهدف منع ما وصفه الكاتب بتحول المجتمع إلى نموذج استهلاكي يفقد ذاكرته.
ويقارن مانيديس بين نموذجين عالميين، مدينة شينزن التي اختارت المال على حساب المكان حتى فقدت هويتها التاريخية، وأثينا التي حافظت على تاريخها لكنها عانت من ضعف اقتصادي وارتفاع البطالة بين الشباب.
ويرى أن دول الخليج تحاول إيجاد مسار ثالث يجمع بين الاستثمار والهوية، معتبرًا أن عُمان مثال على رفض هذا الخيار الثنائي، إذ نجحت في التحديث دون فقدان ثقافتها.
ويختم مانيديس بالإشارة إلى زيارته لمدينة نزوى، حيث شاهد في سوق الماشية السكان يستخدمون تقنيات حديثة مثل الهواتف وشبكات الجيل الخامس والدفع الإلكتروني، بينما يرتدون زيهم التقليدي، في مشهد يجمع بين الحداثة والأصالة.
ويرى أن عُمان تثبت إمكانية تحقيق تحول اقتصادي كبير دون فقدان الهوية، لكنها في الوقت نفسه تُظهر أن ذلك يتطلب إرادة قيادية استثنائية للحفاظ على هذا التوازن.

شارك هذا الخبر