أثير- د. محمد بن حمد العريمي
تمثّل قصة ولادة توائم صور الأربعة في عام 1992م واحدة من الحكايات الإنسانية النادرة التي تجاوزت حدود الخبر الطبي العابر، لتتحول مع مرور الزمن إلى سردية متكاملة عن الصبر والإيمان والرعاية والدعم المجتمعي، فمن ولادة خُدّج محفوفة بالقلق، إلى رعاية صحية متقدمة وتكافل مؤسسي واجتماعي، ثم إلى مسارات تعليمية ووظيفية وأسرية ناجحة، تتجلّى ملامح قصة تُختصر فيها معاني الامتنان والنجاح.

16 يونيو 1992م: يومٌ استثنائي في الذاكرة الصحية لمدينة صور
كانت مدينة صور بمحافظة جنوب الشرقية على موعدٍ يوم الاثنين 16 يونيو 1992م مع حدثٍ إنسانيٍّ نادر، تمثّل في إنجاب امرأة عُمانية أربعة توائم من البنات دفعة واحدة في ولادة طبيعية أُجريت بنجاح في مستشفى صور المركزي، وسط متابعة طبية دقيقة، وهي حالة استثنائية في ذلك الوقت من حيث الندرة الطبية والاهتمام المجتمعي.
وأوضح مصدر مسؤول في الخدمات الصحية بالمنطقة وقتها أن الأم، البالغة من العمر اثنين وعشرين عامًا، أنجبت التوائم الأربعة في حالة صحية مستقرة، مؤكدًا أن جميع المواليد يتمتعن بصحة جيدة، ويتلقين الرعاية اللازمة داخل حاضنات الأطفال بالمستشفى، إلى جانب تمتع الأم بحالة صحية مطمئنة.
وبيّن المصدر أن أوزان المواليد تراوحت بين 910 و1510 جرامات، مشيرًا إلى أن هذه الولادة تُعد الحمل الرابع للأم، حيث سبق لها أن أنجبت ثلاثة أطفال في ولادات منفصلة.
وعُدّت هذه الحالة من الوقائع الطبية النادرة التي سُجلت في سلطنة عُمان خلال تلك الفترة، وعكست مستوى التطور الذي بلغته الخدمات الصحية في مستشفيات الولايات، وقدرة الكوادر الطبية الوطنية على التعامل مع الحالات المعقدة بكفاءة واقتدار.

زيارة بعد ثلاثة عقود: أثير توثّق حكاية توائم صور
اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، تعود هذه الحكاية إلى الواجهة لا بوصفها حدثًا استثنائيًا في سجل الذاكرة المحلية فحسب، بل كنموذج حيّ لما يمكن أن تصنعه مشيئة الله، والطب، والأسرة، والمجتمع حين تتكامل في لحظة واحدة. إنها قصة بدأت بالدهشة، واستمرّت بالتحدي، وانتهت بحصادٍ إنساني يبعث على الفخر، ويستحق أن يُروى للأجيال القادمة بوصفه صفحة مضيئة من الذاكرة الاجتماعية المحلية.
بعد مرور أكثر من 32 عامًا على تلك الولادة النادرة، قامت “أثير” بزيارة الأسرة، حيث التقت بوالد التوائم، الأستاذ محمد بن مبارك المسكري، للحديث عن ظروف تلك الولادة الاستثنائية، والتحديات التي رافقت الأيام الأولى، إضافة إلى استعراض مسيرة التوائم بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على ميلادهن.
وخلال اللقاء، استعاد الوالد تفاصيل تلك المرحلة، وما صاحبها من قلق وترقّب، مقابل الدعم الطبي الذي حظيت به الأسرة آنذاك. كما تحدّث عن واقع التوائم اليوم، ومساراتهن التعليمية والحياتية، في شهادة تعكس تحوّل تلك الحادثة النادرة من خبر صحفي عابر إلى قصة عائلية وإنسانية ممتدة في الزمن.
وتأتي هذه الزيارة ضمن مساعي “أثير” لإعادة قراءة الأحداث الاجتماعية القديمة من منظور إنساني معاصر، وربط الماضي بالحاضر، وتسليط الضوء على قصص النجاح والتجارب التي شكّلت جزءًا من الذاكرة المجتمعية في سلطنة عمان.

والد التوائم: معلم شاب ولاعب كرة قدم في مواجهة حدث استثنائي
كان محمد بن مبارك المسكري في السادسة والعشرين من عمره حين رُزق بأربعة توائم من البنات، بعد أن أنجبت زوجته زبيدة بنت خميس الهاشمية، البالغة آنذاك اثنين وعشرين عامًا، توائمها الأربعة في السادس عشر من يونيو 1992م، في واقعة وُصفت حينها بالنادرة على المستوى الطبي والاجتماعي في مدينة صور.
وفي حديثه لـ “أثير”، أشار محمد بن مبارك المسكري إلى أنه كان يعمل وقتذاك معلّمًا، قبل أن تتدرج مسيرته الوظيفية لاحقًا في عددٍ من المناصب الإدارية، حتى أحيل إلى التقاعد مؤخرًا بعد سنوات من العمل في القطاع التعليمي والإداري، وعلى الصعيد الشخصي، أوضح أنه كان شغوفًا بالرياضة، وبالأخص كرة القدم، حيث مثّل في شبابه نادي العروبة الرياضي لاعبًا ضمن صفوفه.
ولم يكن التوائم الأربعة باكورة المواليد في هذه الأسرة الصغيرة؛ إذ كان الله قد رزق الوالدين قبل ذلك ثلاثة أبناء، هم جاسم ومنير ورجاء، في ولاداتٍ منفصلة سبقت الحدث الاستثنائي، ما جعل قدوم التوائم الأربعة إضافة غير متوقعة إلى أسرة كانت قد بدأت تتشكّل ملامحها قبل عام 1992م.
ويعكس هذا التسلسل الأسري حجم المسؤولية التي واجهها الوالدان في تلك المرحلة المبكرة من حياتهما، حين انتقلت الأسرة في فترة وجيزة من ثلاثة أبناء إلى سبعة، في تجربة إنسانية واجتماعية فريدة ظلّت حاضرة في ذاكرة العائلة.
مساء الدهشة: حين تبدّل الخبر أكثر من مرة
عن كواليس يوم الولادة، يروي الأستاذ محمد بن مبارك المسكري أن عملية الولادة جرت مساءً، وسط أجواء ترقّب وقلق طبيعيين، حيث بُلِّغ في البداية بأن زوجته وضعت توأمًا، وهو خبر استقبله بالفرح والدهشة في آنٍ واحد.
غير أن المفاجأة لم تقف عند هذا الحد؛ إذ عادت الممرضة المشرفة على الولادة بعد فترة وجيزة لتخبره بأن زوجته قد وضعت توأمًا آخر، في مشهد زاد من وقع الدهشة والارتباك الإيجابي، سواء عليه أو على أفراد الأسرة الذين كانوا يرافقونه في المستشفى آنذاك.
ويصف المسكري تلك اللحظات بأنها من أكثر اللحظات غرابة وتأثيرًا في حياته، حيث تحوّل الخبر تدريجيًا من حالة فرح بتوأم إلى صدمة سعيدة باكتشاف أن الأسرة على موعد مع أربعة مواليد دفعة واحدة، في واقعة لم تكن متوقعة لا طبيًا ولا أسريًا.
أيام القلق الأولى: شهران في حضانات الأطفال الخُدّج
حول ظروف ولادة التوائم، أوضح الأستاذ محمد بن مبارك المسكري أن بناته وُلدن خُدّجًا، أي قبل إتمام فترة الحمل الطبيعية البالغة تسعة أشهر، وهو ما انعكس على أوزانهن عند الولادة، وقال في هذا السياق: “وُلدت التوائم قبل الموعد الطبيعي، وقد عانت الطفلات الأربع نقصًا في الوزن، إذ تراوح وزنهن ما بين 990 جرامًا وكيلو وربع الجرام”.
وأضاف أن هذه الحالة استدعت تدخلًا طبيًا سريعًا، حيث بادرت إدارة مستشفى صور بالتواصل مع المستشفى السلطاني من أجل توفير الحضانات والأسِرّة الطبية اللازمة، تمهيدًا لنقل التوائم لتلقي رعاية أكثر تخصصًا.
وأشار المسكري إلى أن عملية النقل تمت في اليوم التالي للولادة، حيث قضت التوائم نحو شهرين كاملين في قسم الأطفال الخُدّج بالمستشفى السلطاني، تحت إشراف طبي مكثف، قبل أن يسمح لهن بمغادرة المستشفى والعودة إلى منزل الأسرة بعد استقرار حالتهن الصحية.
وتعكس هذه المرحلة حجم التحديات الطبية التي رافقت بداية حياة التوائم. كما تُبرز مستوى التنسيق بين المؤسسات الصحية في السلطنة آنذاك، والجهود المبكرة التي بُذلت لضمان سلامة المواليد في واحدة من أندر حالات الولادة التي شهدتها مدينة صور في تسعينيات القرن الماضي.

دهشة الأب… من قارئ للأخبار إلى بطل للتجربة
وعن حجم الدهشة التي رافقته في تلك اللحظات، يستعيد الأستاذ محمد بن مبارك المسكري مشاعره قائلًا: " لم أكن أتصوّر في يومٍ من الأيام أنني سأكون أبًا لتوأمين، فما بالك بأربعة توائم! انظر إلى مشيئة الله؟ كنت أقرأ عن أخبار ولادات التوائم في الصحف والمجلات، ولم أتوقع يومًا أنني سأخوض ذات التجربة“.
ويعبّر هذا التصريح عن الصدمة الممزوجة بالإيمان والرضا، التي انتقلت بالمسكري من موقع القارئ المتابع لأخبار نادرة إلى بطلٍ لتجربة إنسانية استثنائية، تحوّلت مع مرور السنوات من لحظة دهشة عابرة إلى قصة حياة متكاملة، ظلّ صداها حاضرًا في ذاكرة الأسرة.

حين تتكرر التجربة داخل العائلة
وعن وجود حالات مشابهة في العائلة، أشار الأستاذ محمد المسكري إلى أن ولادة التوائم لم تكن سابقة فريدة بالكامل في محيطه الأسري، موضحًا أن خالته كانت قد أنجبت ثلاثة توائم في مستشفى صور في وقتٍ سابق.
مبادرات خفّفت العبء عن الأسرة
وعن تفاعل المؤسسات والمجتمع مع الحدث آنذاك، أشار الأستاذ محمد بن مبارك المسكري إلى أن ولادة التوائم الأربعة حظيت باهتمامٍ واسع، لم يقتصر على الجانب الإعلامي فحسب، بل تجاوزه إلى تفاعلٍ مؤسسي ومجتمعي ملموس، وذكر أنه، وبعد مناشدات أطلقها عدد من الصحفيين في تلك الفترة، بادرت مجموعة من المؤسسات الصحية الخاصة إلى تبنّي توفير مستلزمات صحية وتغذوية أساسية للتوائم لمدة عامين كاملين.
وأوضح أن هذه المبادرة كان لها أثر كبير في التخفيف من الأعباء المالية التي واجهت الأسرة، خصوصا في ظل متطلبات الرعاية الخاصة للأطفال حديثي الولادة، معتبرًا أن ذلك الدعم شكّل نموذجًا للتكافل الاجتماعي، وعكس حسّ المسؤولية المجتمعية التي ميّزت تعامل المجتمع والمؤسسات مع هذا الحدث الإنساني النادر.
طفولة مشتركة وشَبَه يربك الجميع
وعن طبيعة العلاقة التي جمعت التوائم الأربعة خلال مراحل صباهن الأولى، يوضح الأستاذ محمد بن مبارك المسكري أن الرابط بينهن كان حميميًا إلى حدٍّ كبير، حيث جمعتهن علاقة وثيقة انعكست في تشابه أنماط اللبس والاهتمامات، إلى جانب التقارب الشديد في الطباع والسلوك.
ويضيف أن الشَّبه الكبير الذي كان يميز التوائم الأربعة كثيرًا ما أوقع المحيطين بهن في مواقف طريفة، سواء في المدرسة حيث كنّ يدرسن في الصف الدراسي نفسه، أو داخل الأسرة، إذ كان بعض المعلمات وأفراد العائلة يجدون صعوبة في التفريق بينهن، ما أضفى على حياتهن اليومية طابعًا خاصًا من الذكريات المشتركة والقصص التي ما تزال حاضرة في ذاكرة الأسرة حتى اليوم.

بعد ثلاثة عقود: حصاد الرحلة
وعن وضع التوائم اليوم، وبعد مرور أكثر من 32 عامًا على ولادتهن، يؤكد والدهن الأستاذ محمد بن مبارك المسكري أن بناته الأربع يتمتعن بصحة تامة، وقد مضين بثبات في مساراتهنّ التعليمية والوظيفية والأسرية.
ويشير إلى أن إحداهن تعمل حاليًا في شرطة عمان السلطانية بوظيفة إدارية، فيما تعمل أخرى موظفة في وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، مؤكّدًا أن التوائم الأربعة تزوّجن جميعًا، وأن الأسرة تحتفي اليوم بقدوم سبعة أحفاد من الذكور والإناث.

وتشكّل هذه المرحلة خاتمة مشرقة لقصة بدأت بقلق وترقّب في عام 1992م وتحولت مع الزمن إلى حكاية نجاح إنساني وأسري، تعكس نعمة العافية، وأثر الرعاية الصحية المبكرة، والدعم المجتمعي، في صناعة مستقبل مستقر لأربع توائم كتب لهن أن يكنّ إحدى الحالات النادرة في ذاكرة مدينة صور.
المراجع
- جريدة عمان. الأربعاء 17 يونيو 1992
- جريدة عمان. الاثنين 22 فبراير 1993
- لقاء مع الفاضل محمد بن مبارك المسكري في منزله بحارة السيح في ولاية صور. الإثنين، 19 يناير 2026م.





