خاص - أثير
في لحظة تاريخية فارقة، وبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى مسقط وجنيف ترقباً لولادة عهد جديد من الاستقرار، صُدم المجتمع الدولي بتحول دراماتيكي حوّل طاولات التفاوض إلى ساحات للقتال.
لقد قدمت سلطنة عُمان، بقيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق، نموذجاً دبلوماسياً نادراً نجح في تجريد الأزمة النووية من تعقيداتها التقنية، واضعاً العالم أمام حقيقة ساطعة: إيران وافقت على ”الخيار الصفر“. ولكن، يبدو أن هذا النجاح الدبلوماسي المنتظر كان هو الذريعة ذاتها التي استدعت ”الخيار العسكري“ من قوى لا ترى في السلام إلا قيداً لطموحاتها الإمبراطورية.
فلسفة ”الميسر“ لا ”الوسيط“، جوهر السياسة العُمانية
تتحفظ سلطنة عُمان تاريخياً على وصف دورها بكلمة ”وسيط“، وتفضل بدلاً من ذلك مصطلح ”الميسر(Facilitator)“، وهو تفريق لغوي وسياسي دقيق يعكس جوهر سياستها الخارجية. فالوسيط في العرف الدبلوماسي قد يتدخل لفرض حلول أو الضغط على الأطراف، بينما ”الميسر“ يكتفي بتهيئة الأرضية الخصبة للحوار، وتوفير القنوات الآمنة التي تسمح للأطراف المتنازعة بالوصول إلى حلول نابعة من إرادتهم الحرة. هذا النهج نابع من إيمان مسقط بأن الاستقرار المستدام لا يمكن ”استيراده“ من الخارج، وإنما يجب أن يُصنع داخل غرف التفاوض الهادئة.
ولطالما أكدت مدرسة يوسف بن علوي (الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية سابقًا) هذه القاعدة، حيث صرح بوضوح في لقاءات تاريخية بأن نحن لسنا وسطاء، بل نحن ميسرون للحوار. كان بن علوي يشدد على أن عمان لا تملك مبادرات جاهزة تفرضها، بل تملك ”صدقاً ومصداقية“ تجعل المتنازعين يطلبون منها توفير المكان والزمان لبدء الحديث.
أسلوب عُمان كـ”ميسر“
إن عبقرية ”الميسر“ العُمانية تتجلى في كونها الهندسة الفكرية التي قامت على فلسفة الحياد الإيجابي؛ وهو حياد نشط يتحرك لتقريب وجهات النظر عبر الحفاظ على مسافة متساوية وعلاقات استراتيجية متينة مع واشنطن وجوار أخوي وثيق مع طهران، مما خلق ثقة استثنائية جعلت الطرفين يؤمنان بأن مسقط لا تملك أجندة خفية ولا تتدخل في شؤون الآخرين.
ومن بين القلة الذين شهدوا أسلوب عُمان عن قرب أبريل لونغلي آلي، وهي باحثة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى والتي صرحت أن عمان تعتمد على أسلوب الدبلوماسية الهادئة بعيداً عن الأضواء، وهو ما يفسر لماذا صُدم العالم بالحرب بعد نجاح المفاوضات، وقد تجلت هذه الوساطة في أرقى صورها عبر آلية ”القنوات الخلفية“ والدبلوماسية الهادئة التي وفرت بيئة آمنة في قصور مسقط (مثل قصر البركة)، بعيداً عن صخب الإعلام، حيث تمكن المفاوضون من تفكيك الشفرات وترجمة الهواجس؛ فكان العمانيون يترجمون و يحولون مطالب الرقابة الأمريكية إلى ضمانات سيادية لإيران، ويحولون مطالب الاحترام الإيرانية إلى اعتراف بالدور الإقليمي لواشنطن.
هذا الدور الذي لعبه ”المُيسّر العماني“ اعتمد على ”الاستماع الصبور“ ، كما ذكر ”بدر السيف أن عُمان تجيد الإنصات أكثر من الكلام، تترك الأطراف تفرغ شحنات الغضب، ثم تبدأ في صياغة ”نقاط التقاء“ صغيرة تُبنى عليها اتفاقات كبيرة. وتذليل العقبات اللوجستية والسياسية، وصولاً إلى ربط الملفات الإقليمية ببعضها لتقديم صفقة شاملة تضمن تهدئة كافة الجبهات من اليمن إلى لبنان، بدل فرض الحلول الجاهزة، مستندة إلى صدق دبلوماسي جعل من مسقط الخزانة التي تُحفظ فيها الأسرار ولا تُسرب أبداً.
التصريح العُماني و”عقدة تغيير النظام“
هذا المجهود العماني المكثف، الذي قاده السيد بدر البوسعيدي، نجح فعلياً في انتزاع تنازلات إيرانية غير مسبوقة تضمنت الموافقة على تصفير المخزون المخصب بنسبة 60% وتحويله إلى وقود غير قابل للرجوع، مع القبول بشفافية مطلقة تتيح للمفتشين الدوليين والأمريكيين دخول منشآت حساسة كأصفهان، وهو ما نزع كافة الذرائع التقنية التي تروجها إسرائيل وأمريكا حول ”الخطر النووي“.
غير أن المفارقة الصادمة تكمن في وقوع الحرب يوم السبت مباشرة بعد نجاح مفاوضات الجمعة، مما يكشف أن الملف النووي لم يكن إلا غطاءً لأهداف أعمق؛ فالأجندة الحقيقية تتعلق بـ ”عقدة تغيير النظام“ التي تتبناها واشنطن لضمان تبعية المنطقة، وإرضاء اليمين المتطرف في إسرائيل الذي يرى في استقرار إيران وتطورها الاقتصادي تهديداً لهيمنته المطلقة. وهذا ما يفسر لنا خروج السيد بدر للحديث رغم حذر السياسة العمانية الشديد في الكشف عن نتائج المفاوضات، والذي يعد سابقة غير مسبوقة، حتى يعلم العالم أن هجوم أمريكا على إيران إنما هو لسبب آخر يكمن في ”عقدة تغيير النظام“.
النفس الدبلوماسي الطويل لـ”الميسر العماني“
رغم التصعيد العسكري، شدد السيد بدر البوسعيدي في رسالته الأخيرة على أن ”باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحا“. يرى الموقف العُماني أن التقدم الجوهري الذي أُحرز في جنيف نحو اتفاق غير مسبوق بين واشنطن وطهران لا يجب أن يتبخر بفعل المواجهة، فالحرب -رغم قسوتها- لا تعني انطفاء الأمل في السلام. وأن العودة إلى طاولة المفاوضات في أسرع وقت ممكن هي المصلحة العليا للجميع. تنطلق دعوة مسقط لاستئناف الحوار فوراً من إيمان راسخ بـ ”قوة الدبلوماسية“ في حل أعقد الصراعات، مؤكدة أن ”الميسّر“ العُماني متمسك بدوره الأخلاقي في إيجاد حل سياسي نهائي، مهما بلغت كلفة الميدان، لأن الحوار هو المصلحة العليا والوحيدة للجميع.
هل فشلت عٌمان في كونها ”الميسر“؟
إن نجاح عُمان في إيصال الأطراف المتصارعة إلى ”اتفاق صفر يورانيوم“ هو شهادة ميلاد لانتصار الدبلوماسية العُمانية، وفي المقابل، هو شهادة وفاة لمصداقية القوى التي تدعي السعي للسلم العالمي بينما تضمر خيارات الحرب. لقد أثبتت مسقط أنها المُيسّر الذي يملك الحكمة والثقة، وأن فشل السلام لم يكن يوما بسبب قصور في الوساطة أو نقص في الحلول، بل كان بسبب إرادة الخراب التي أبت إلا أن تغتال صوت العقل وتستبدله بآلة الحرب.
لقد برهنت الأحداث أن الدبلوماسية العُمانية لم تفشل نتيجة ضعف في أدواتها، بل أُريد لها أن تفشل؛ لأن نجاحها التقني والسياسي كان سيكشف زيف الأهداف الإمبريالية ويجرد المخططات العسكرية من غطائها الأخلاقي. ومن هنا، ستبقى جهود مسقط وثيقة تاريخية حية؛ تدين المعتدي الذي اختار التصعيد، وتُنصف الوسيط الصادق الذي حاول حماية المنطقة من منطق القوة عبر قوة المنطق.
المصادر:




