أثير- د. محمد بن حمد العريمي
تُعدّ صور من المدن العُمانية التي اقترن اسمها بالتجارة والبحر، غير أن وجهها الثقافي لا يقل حضورًا عن دورها الملاحي؛ فقد عُرف عن أهلها اهتمامهم باقتناء الكتب، سواء في البيوتات العلمية أم في منازل التجار والنواخذة الذين جابوا موانئ الخليج وشرق أفريقيا والهند.

وبحكم انفتاح صور على موانئ مثل زنجبار وبومباي والبصرة، عاد كثيرٌ من أصحاب السفن والتجار بكتبٍ مطبوعة حديثًا نسبيًا في ذلك الوقت، خصوصًا كتب مطابع بومباي والهند، ومؤلفات في الحساب والملاحة، وكتب في الدين واللغة والأدب.

ولعل من الصعوبة الإلمام الشامل بالنشاط الفكري والثقافي في صور، إذ تتداخل فيه مسارات البحر والتجارة والعلم، وتتوزع شواهده بين البيوتات الخاصة، وخزائن المساجد، والوصايا، والتقييدات المتفرقة في هوامش الكتب. غير أن ما وصل إلينا من مخطوطاتٍ موقوفة، وتملّكاتٍ مثبتة، وإشاراتٍ في الوثائق، يتيح لنا أن نطلّ على هذا المشهد من خلال نماذج مختارة.
وفي هذا التقرير سنعرض نماذج دالّة على اهتمام أهل صور باقتناء الكتب ونسخ المخطوطات عبر فترات زمنية مختلفة، بما يعكس تنوّع الحقول المعرفية التي اقتنوها (الفقه، واللغة، والتاريخ، والحساب، والملاحة)، وحضور ثقافة النسخ اليدوي قبل شيوع الطباعة، وانتقال الكتاب من الملكية الخاصة إلى الوقف العام، وأثر التواصل البحري في إدخال مطبوعات من الهند وشرق أفريقيا.
مكتبة أسرة “بني إسماعيل” في صور نموذج لبيوت العلم والسياسة في المدينة
امتلكت أسرة “بني إسماعيل” في صور، كحال عددٍ من الأسر ذات الحضور السياسي والعلمي في عُمان، مكتبةً خاصة ضمّت جملةً من المخطوطات الفقهية والأدبية التي تعكس مستوى الوعي العلمي لدى الأسرة، وحرصها على اقتناء أمهات الكتب المتداولة في البيئة العُمانية.
ومن بين ما احتوته مكتبتهم: مخطوط ملحة الأعراب، ومخطوط الصائغي، والجوشن، ومخطوط ابن عبيدان، ومخطوط ترتيب المسائل، ومخطوط منهج الطالبين، ومخطوط بيان الشرع، ومخطوط ابن جعفر.


حركة النسخ بين صور والداخل: مشهد من صناعة الكتاب
يُروى أن الشيخ سالم بن خلفان بن سعيد القلهاتي الصوري كان يبعث بالأوراق والقرطاس على ظهور الجمال والحمير إلى الناسخ علي بن سالم الراشدي ليقوم بنسخ كتب الأثر له، في مشهدٍ يكشف عن حيوية حركة الكتاب في البيئة العُمانية، وعن شبكةٍ ممتدة تربط بين المدينة الساحلية ودوائر النسّاخ في الداخل، ويذكر السيد محمد بن أحمد البوسعيدي أنه وجد عددًا من الرسائل ومن ضمنها رسالة بيّن فيها الناسخ أنه فرغ من نسخ عشرة أجزاء من كتاب “بيان الشرع” للشيخ سالم القلهاتي، وأنه بانتظار القرطاس ليتم أعمال النسخ.

المرأة الصورية والكتاب: حضورٌ علمي في هوامش المخطوطات
ذكر الباحث محمد بن عبد الله السيفي في صفحة 284 بالجزء الثالث من النمير أنه ورد في الجزء الرابع عشر من كتاب المصنف بمخطوطات بني محمد بن سليمان العبارة الآتية: “…نسخ هذا الكتاب للشيخة الصفية عائشة بنت حمد بن محمود بن ربيع القلهاتية الصورية…”، كما نسخ لها الجزء الثامن من كتاب “بيان الشرع”، والمخطوطة موجودة بمكتبة الشيخ سيف بن حمود البطاشي كُتِب فيها “نسخت هذا الكتاب للشيخة الرضية الزكية عائشة بنت الشيخ حمد بن محمود بن ربيع القلهاتية الصورية رزقها الله العلم الواسع”.
ويدل هذا التقييد على حضور المرأة في المشهد العلمي، حيث إن تخصيص النسخ لامرأة، ووصْفها بـالشيخة الصفيّة، يدل على مكانتها العلمية أو على الأقل على تقدير المجتمع لطلبها للعلم، وهو شاهد مهم على مشاركة المرأة في الحياة المعرفية في صور.
المطبوعات الوافدة إلى صور: بين زنجبار ومكة والقاهرة
حرص عددٌ من نواخذة صور ورجال العلم فيها على اقتناء ما أنتجته مطابع زنجبار، والقاهرة، وبلاد الشام خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وقد أسهمت الرحلات البحرية والحجّ والتجارة في تكوين شبكةٍ ثقافية حملت الكتب المطبوعة إلى المدينة، لتجاور المخطوطات في مكتباتها الخاصة.
ومن بين هذه المقتنيات ما اشتراه القاضي السيّد محمد بن أحمد الذهب، ومنه الجزء الأول من كتاب “المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي”، الذي اقتناه من مكة المكرمة في سنة 1300هـ، في دلالةٍ واضحة على وعيه بقيمة المراجع اللغوية والفقهية المطبوعة.

وكان النوخذة عبد الله بن مبارك الرزيقي من الشخصيات الصورية التي جمعت بين الملاحة والاهتمام بالعلم، شأنه شأن عددٍ من نواخذة صور الذين لم تقتصر رحلاتهم على نقل البضائع، بل شملت أيضًا اقتناء الكتب العلمية والدينية.
فقد كانت الموانئ التي يتوقفون فيها — في الخليج والهند وشرق أفريقيا — محطاتٍ للتزوّد بالكتب، إلى جانب اعتمادهم على ما تصدره مطابع مصر وبلاد الشام من مؤلفات حديثة الطباعة خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
ومن بين ما اقتناه النوخذة عبد الله الرزيقي الجزآن الثالث والرابع من كتاب “إحياء علوم الدين” للإمام أبو حامد الغزالي، وهو من أشهر كتب الوعظ والتزكية والتصوف في التراث الإسلامي.

ومن ضمن الكتب التي اطّلعنا عليها كتابٌ يعود تاريخه إلى سنة 1331هـ، كان في حوزة النوخذة المرحوم راشد بن حمد بن محمد الغيلاني، وهو شاهدٌ إضافي على عناية نواخذة صور بالكتاب واقتنائه إلى جانب مهنتهم البحرية.

ومن النماذج اللافتة التي وقفنا عليها نسخةٌ من كتاب “العقد الفريد” كانت في الأصل ضمن مقتنيات الإمام نور الدين السالمي، ويبدو من خلال التقييد المثبت على غلافها أنها انتقلت لاحقًا — على الأرجح بالشراء — إلى أحد تجار صور.
وجاء في التقييد: “هذا الكتاب عندي عارية، وهو من كتب شيخنا إمام أهل العلم عبدالله بن حميد السالمي رضي الله عنه وغفر له آمين، من ولده الأخ سعيد بن عبدالله..”

كما وُجدت كتبٌ أخرى يغلب عليها الطابع الديني، تحمل على صفحاتها الأولى أو الأخيرة تقييداتٍ بأسماء عددٍ من الشخصيات السياسية والتجارية والعلمية في صور، في دلالةٍ واضحة على اتساع دائرة اقتناء الكتب بين النخب الصورية.
ومن بين الأسماء التي ظهرت في تلك التقييدات: الشيخ ناصر بن محمد ولد فنه العريمي، وصالح بن محمد المعلم، والسيد علوي بن أحمد بن محمد الغزالي، والسيد أحمد بن محمد بن عبدالله البيتي، والشريف إبراهيم بن أحمد بن عمر، وابنه هاشم بن إبراهيم بن أحمد الشريف.





والتقييدات السابقة ليست مجرد عبارات ملكية، بل شواهد على بيئةٍ جعلت من الكتاب جزءًا من الهوية الاجتماعية، فكما كانت صور مدينة تجارةٍ وبحر، كانت أيضًا مدينة دفاتر ومخطوطات، يحتفظ أعيانها بكتبٍ دينية تُقرأ في المجالس، وتُتداول بين الأبناء، وتُستحضر في لحظات التعليم والموعظة.
وهكذا تتكامل الصورة: سفنٌ تمخر عباب البحر، وأعيانٌ يوقّعون أسماءهم على صفحات الكتب، ومدينةٌ تحفظ أثرهم في الورق كما تحفظه في الذاكرة.
وقف الكتب في صور: بُعدٌ حضاريّ في وصايا الأهالي
كما اعتنى أهل صور بالأوقاف وأولوها اهتمامًا كبيرًا في وصاياهم، فجعلوا الوقف بابًا من أبواب البرّ الممتد أثره بعد الوفاة، ولم تقتصر أوقافهم على الأراضي والنخيل والأفلاج، بل شملت أيضًا الكتب، إدراكًا منهم لقيمة العلم ودوام نفعه.
ومن الشواهد الدالة على ذلك تقييدٌ يعود إلى عام 1331هـ، أوقف فيه الشيخ جمعة بن علي ولد مصبّح العريمي أحد كتبه عن روح والدته سالمة بنت سالم الحشّار العريمي، في صورة تعبّر عن التقاء البرّ بالوالدين بالعناية بالعلم، وجعل الكتاب صدقةً جارية.

كما أوقف النوخذا المعروف عبدالله بن سالم الفارسي عددًا من الكتب التي آلت إليه بالشراء خلال رحلاته التجارية المختلفة، ومن بينها الجزء التاسع من كتاب “صحيح مسلم بشرح النووي” الذي وجد على غلافه التقييد الآتي: " هذا من كتب عبدالله بن سالم بن عبدالله ولد عيسى الفارسي وقف لوجه الله تعالى حتى يرث الله الأرض وهو خير الوارثين. حرّر في يوم 2 ربيع الأول 1357هـ“.

ويكشف اهتمام أهل صور باقتناء الكتب عن بُعدٍ حضاريٍّ عميق، يوازي حضورها البحري والتجاري. فالمدينة التي شيّدت السفن وأبحرت إلى الآفاق، كانت في الوقت نفسه تبني عقولًا عبر صفحات الكتب، وتحفظ في بيوتها تراثًا علميًّا شكّل أحد أعمدة هويتها الثقافية.
المراجع
- السيفي، محمد بن عبدالله. النمير روايات وحكايات، ط2، ج1، المؤسسة العالمية للتجليد.
- السيفي، محمد بن عبدالله. النمير روايات وحكايات، ج3، المؤسسة العالمية للتجليد.
- العريمي، محمد بن حمد. “بينهم امرأة عالِمة: تعرّف على أسرة أولاد محمود القلاهتة العُمانية وشغفها بالعلم”، تقرير منشور في موقع أثير الالكتروني، 21 يناير 2019.
- العريمي، محمد بن حمد. “بالوثائق: بنو إسماعيل في صور؛ أدوار حضارية في التاريخ العُماني، وهنا نماذج منهم”، تقرير منشور في منصة أثير، 10 مارس 2019.





