ملف السرطان في سلطنة عُمان: هل تدق الأرقام المكتشفة ناقوس الخطر؟

ملف السرطان في سلطنة عُمان: هل تدق الأرقام المكتشفة ناقوس الخطر؟
ملف السرطان في سلطنة عمان
أثير - ريما الشيخ
تجاوز عدد الحالات المسجلة للإصابة بالسرطان بين العُمانيين في عام 2021م 2000 حالة جديدة، مقارنة بأرقام كانت تقل عن 1000 حالة سنويًا في بداية الألفية، فهل تضاعف الرقم يشير إلى زيادة عشوائية؟ وهل يُعد انتشار السرطان في سلطنة عُمان خطيرًا؟
“الحديث عن السرطان يجب أن يُبنى على الإحصائيات لا الانطباعات، وارتفاع الحالات لا يعني بالضرورة زيادة فعلية في معدلات المرض، بل يعكس تطور آليات التشخيص وارتفاع الوعي الصحي وإقبال الناس على المراكز الصحية، والكثير من الحالات في الماضي كانت لا تُكتشف أو تُسجل أصلًا”.
هكذا بدأ الدكتور طه بن محسن اللواتي، استشاري جراحة الأورام وجراحة أورام الثدي وترميم الثدي حديثه مع “أثير”، في حوار مطوّل، عن دلالات الأرقام، وأسباب انتشار مرض السرطان في سلطنة عُمان، وكيف يؤثر نمط الحياة والكشف المبكر في تغيير مسار المرض.
الأرقام والسجل السرطاني في سلطنة عُمان
أكد الدكتور لـ “أثير” بأن ما تشهده سلطنة عُمان اليوم هو نتاج تطور في الوعي الصحي ومنظومة التسجيل والتشخيص، لا مجرد زيادة عشوائية في الإصابات، موضحًا بأن سلطنة عُمان بدأت منذ أكثر من عشر سنوات في إنشاء سجل وطني يهدف إلى رصد الحالات المصابة بالسرطان وتحليلها والتخطيط للمستقبل، فعلاج السرطان ليس طبيًا فقط، بل يتطلب تخطيطًا ماليًا ووقائيًا وتوعويًا طويل المدى، وأن الإحصائيات تمثل أساس العمل الصحي لأنها تُظهر ما يحدث اليوم وما حدث سابقًا وما يجب الاستعداد له لاحقًا.
وعن الـ 2000 حالة المسجلة في عام 2021م، أوضح اللواتي بأن الرقم يستند إلى بيانات سجل السرطان، بالتوازي مع توسع الخدمات الطبية في مجال التشخيص المبكر والعلاج والتسجيل الصحي.
وأشار د. طه لـ “أثير” إلى أن الإحصائيات الحديثة تُظهر أن ثلثي حالات سرطان الثدي باتت تُشخّص في مراحل مبكرة؛ ما يعني ارتفاع فرص الشفاء وانخفاض كلفة العلاج والمعاناة الجسدية والنفسية للمريض، وأكد أن الحالات المتقدمة تتطلب علاجًا أطول وتكاليف أعلى وتُرهق المريض قبل أي طرف آخر، وهو ما كان يحصل سابقًا، إذ إن ثلث الحالات في عام 2017م كانت تُكتشف في مراحل متأخرة.
أبرز الأرقام بين 2020 و 2021م
وتؤكد البيانات أن سرطان الثدي ظل في المرتبة الأولى بين جميع أنواع السرطان المسجلة في السلطنة في عام 2021م بعدد 408 حالة، مقارنة ببقية أنواع السرطان. كما استحوذ على 25% من إجمالي حالات السرطان المسجلة بين الإناث، أي ربع الحالات تقريبًا، وأكد أن إحصائية عام 2021م ما تزال في طور التنقيح النهائي، وأضاف أن جائحة كوفيد أسهمت في تأخير إصدار بعض البيانات.
أكثر أنواع السرطان انتشارًا
تشير المقارنة الرقمية بين عامي 2020 و 2021م إلى تسجيل 277 حالة سرطان ثدي في عام 2020م مقابل 408 حالة في عام 2021م، وتسجيل 262 حالة سرطان غدة درقية في 2021م مقابل 235 حالة في 2020، أما حالات سرطان القولون والمستقيم فقد تم تسجيل تسجيل 214 حالة في عام 2021م مقابل 234 حالة في عام 2021م ، ما يؤكد وجود تذبذب سنوي في الأرقام مع بقاء السرطانات نفسها في صدارة الترتيب، وأضاف بأن سرطانات الجهاز التنفسي والقصبة الهوائية برزت خلال السنوات الأخيرة، نتيجة لتدخين الشيشة والسجاير الاكترونية .
وتُظهر بيانات السجل السرطاني أن غالبية الحالات تُسجل في الفئات العمرية المتوسطة، مع وجود حالات في أعمار أصغر، ما يؤكد أن السرطان لا يقتصر على كبار السن فقط.
أين تتوزع حالات الإصابة بسرطان الثدي؟
استنادًا إلى البيانات المتوفرة لعام 2021م، فإن سلطنة عُمان سجلت 408 حالة، مع تفاوت واضح في توزيع الأعداد بحسب المحافظات
● محافظة مسقط: تصدرت المحافظات بعدد 154 حالة، وبمعدل إصابة بلغ 55.9 حالة لكل 100 ألف نسمة، وهو أعلى معدل على مستوى السلطنة.
● محافظة البريمي: سُجلت 11 حالة، إلا أن معدل الإصابة بلغ 31.1 لكل 100 ألف نسمة، ليكون ثاني أعلى معدل رغم انخفاض العدد المطلق للحالات.
● محافظة الظاهرة: بلغ عدد الحالات 23 حالة، بمعدل إصابة وصل إلى 28.8 لكل 100 ألف نسمة.
● محافظة شمال الباطنة: سُجلت 50 حالة سرطان ثدي، بمعدل 18.6 لكل 100 ألف نسمة، وهي من أعلى المحافظات من حيث العدد بعد مسقط.
● محافظة ظفار: بلغ عدد الحالات 19 حالة، بمعدل إصابة 18.1 لكل 100 ألف نسمة.
● محافظة الداخلية: سُجلت 29 حالة، وبمعدل 16.2 لكل 100 ألف نسمة.
● محافظة جنوب الباطنة: سُجلت 27 حالة، بمعدل 15.6 لكل 100 ألف نسمة.
● محافظة شمال الشرقية: بلغ عدد الحالات 18 حالة، بمعدل 19.1 لكل 100 ألف نسمة.
● محافظة جنوب الشرقية: سُجلت 12 حالة فقط، وبمعدل 10.9 لكل 100 ألف نسمة، وهو من أقل المعدلات المسجلة.
● محافظة الوسطى: لم تُسجل أي حالة سرطان ثدي خلال عام 2020م.
● حالات غير معروفة المحافظة: سُجلت حالتان ضمن السجل دون تحديد المحافظة.
نمط الحياة وعلاقته بانتشار السرطان
أوضح الدكتور طه في حواره مع “أثير” أن تغيّر نمط الحياة يُعدّ ظاهرة عالمية، مشيرًا إلى أن ارتفاع متوسط الأعمار، وقلة النشاط البدني، وزيادة السمنة، والإفراط في تناول الأطعمة الدسمة واللحوم المصنعة كلها عوامل تسهم في رفع مخاطر الإصابة، وأضاف أن الاعتماد المتزايد على طلب الطعام الجاهز، خصوصًا بعد جائحة كوفيد، أدى إلى استهلاك أغذية عالية الدهون، وأكد أن الدهون تُعد من العوامل المرتبطة بعدد من أنواع السرطان.
وتشير البيانات إلى أن سرطان القولون والمستقيم جاء ضمن أكثر ثلاث سرطانات شيوعًا في السلطنة في عام 2020م بعدد 214 حالة، وهو ما يتقاطع مع التغيرات في أنماط الغذاء وقلة النشاط البدني التي أشار إليها الدكتور.
وأكد الدكتور أن التدخين يُعد من أخطر مسببات السرطان، موضحًا أنه لا يسبب سرطان الرئة فقط بل يرتبط بسرطانات المثانة والقولون والمعدة والفم والمريء، وأشار إلى أن التدخين الإيجابي والسلبي كلاهما مضر، وأضاف أن انتشار التدخين بين الشباب يمثل تحديًا صحيًا حقيقيًا، داعيًا إلى الابتعاد الكامل عنه.
وحسب البيانات الإحصائية، فقد سُجلت 71 حالة من سرطانات القصبة الهوائية والقصبات والرئة في عام 2020م، مقارنة بأعداد أقل في السنوات السابقة؛ ما يشير إلى تصاعد هذه السرطانات خلال العقد الأخير.
وحول الربط بين انتشار السرطان والمناطق الصناعية، أوضح الدكتور أنه لا توجد دراسات علمية مؤكدة تثبت هذا الربط في السلطنة، وأكد أن الحديث في هذا الجانب يجب أن يستند إلى قياسات علمية لنسب التلوث، وأضاف أن المصانع تخضع لقوانين بيئية صارمة، وأن أي مخالفة يتم التعامل معها عبر الجهات المختصة، مشددًا على ضرورة التمييز بين الرأي العام والدليل العلمي.
الوقاية والكشف المبكر
أكد الدكتور أن الوقاية تبدأ بأسلوب حياة صحي يشمل التغذية المتوازنة، والنشاط البدني المنتظم، والابتعاد عن التدخين، وأضاف أن المشي اليومي لمدة نصف ساعة يُعد خطوة بسيطة وفعالة، وأوضح أهمية الفحص الذاتي للثدي بعد البلوغ، والفحص الدوري بالماموجرام بعد سن الأربعين، مشيرًا إلى أن برامج الفحص الدوري في المراكز الصحية تشمل الرجال والنساء على حد سواء.
الجدير بالذكر بأن الدكتور طه محسن جمعة اللواتي يعد من الأسماء الطبية البارزة في مجال جراحة الأورام في سلطنة عُمان، لما يمتلكه من خبرة مهنية طويلة أسهمت في تطوير خدمات علاج الأورام، وبالأخص أورام الثدي، على المستويين العلاجي والأكاديمي, كما شكّلت مسيرته المهنية نموذجًا للريادة الطبية العُمانية من خلال إسهاماته في تأسيس وحدات متخصصة، ومشاركته في بناء منظومة علاجية متكاملة، إلى جانب حضوره العلمي دوليًا عبر البحث والتدريس والعمل الأكاديمي.

شارك هذا الخبر