“من الانتظار إلى الاختيار”: كيف أعادت ”الإسكان“ تشكيل المشهد العمراني في سلطنة عمان؟

“من الانتظار إلى الاختيار”: كيف أعادت ”الإسكان“ تشكيل المشهد العمراني في سلطنة عمان؟
الجولة الإعلامية لوزارة الإسكان والتخطيط العمراني
أثير – جميلة العبرية
عكست الجولة الإعلامية لوزارة الإسكان والتخطيط العمراني، التي نُظِّمت أمس، تسارع التحول التنموي في سلطنة عُمان، وذلك عبر ما قدمته الوزارة من صورة متكاملة للمرحلة الجديدة من العمل الحكومي، الذي كان شعاره الكفاءة، والسرعة، وتعظيم الأثر الاقتصادي والاجتماعي، والذي يهدف إلى تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040 في قطاعي الإسكان والتخطيط العمراني.
الجولة التي شاركت “أثير” فيها ضمّت أكثر من عرض للمشاريع، حيث تنقّل الإعلاميون بين دوائر الوزارة وأركانها، مستمعين لقصة التحول والتغيير ومكان اتخاذ القرار، حيث ابتدأت الجولة من قاعة تطوير القدرات وانتهت بالقاعة الموحدة.
التمكين السكني من قرعة الأرض إلى خيارات أكثر
أبرز ما كشفته الجولة هو التحول في مفهوم “التمكين السكني”، حيث انتقل من نموذج قائم على الانتظار والإجراءات الطويلة إلى نموذج يمنح المواطن حق الاختيار المباشر والسريع، فبعد أن كانت الإجراءات تمر بمراحل تقليدية تبدأ من تقديم الطلب ورقيًا وتنتهي بسحب القرعة يدويًا، أصبحت اليوم خدمة استباقية، واختيارًا إلكترونيًا للأرض أو الوحدة، تُنجز عبر دفع رقمي، مع تقليل مدة الإنجاز.
حيث تمكن أكثر من 90 ألف مستفيد من اختيار أرض أو وحدة سكنية خلال الفترة من 2021- 2025م توزعوا على البرامج الآتية:
• أكثر من 86 ألف مستفيد عبر “اختر أرضك”
• أكثر من 1.6 ألف مستفيد عبر “اقتني أرضك”
• 914 مستفيدًا عبر “خطط أرضك”
• 127 مستفيدًا عبر “استبدل أرضك”
• 797 مستفيدًا في مشاريع صروح
• 317 مستفيدًا في مخططات صروح
• 460 مستفيدًا في المدن المستقبلية
حيث أكد المسؤولون أن قائمة الطلبات في مسقط بلغت 48 ألف طلب وهي المحافظة الأكثر تحديًا في ملف التمكين السكني، أما في المحافظات وبسبب اللامركزية في تقديم الخدمات، تمكن المستفيدين من اختيار أرض أو سكن دون تحديات كثيرة.
مواكبة للتحول الرقمي
في وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، أكدوا لنا أن التحول الرقمي لم يعد خيارًا، بل أصبح الأساس الذي يقوم عليه القطاع، حيث أسهم في رفع مستوى الشفافية ودقة القرارات وتقليل التكاليف التشغيلية، إلى جانب تسريع الإجراءات بشكل ملحوظ، وقد انعكس ذلك في ارتفاع نسبة التحول الرقمي إلى 86% في عام 2025 مقارنة بـ58% في 2022، مع نمو تجاوز 50% خلال ثلاث سنوات، إضافة إلى توفير 86 خدمة إلكترونية، منها 40 خدمة ذاتية لا تتطلب مراجعة، مما أسهم في تقليل التزاحم وتقديم خدمات تتماشى مع احتياجات المستفيدين.
“صروح”… من المسكن إلى جودة الحياة
أبرزت الجولة مبادرة “صروح” كنموذج متقدم يعكس التحول في فلسفة الإسكان، حيث لم يعد الهدف هو توفير وحدة سكنية، إنما بناء أحياء متكاملة توفر بيئة معيشية متكاملة، وتشير الأرقام التي استُعرضت إلى تطوير أكثر من 6 ملايين متر مربع باستثمارات تتجاوز 600 مليون ريال، مع تنفيذ 20 مشروعًا حاليًا واستهداف 30 مشروعًا بحلول 2026.
وقد استفادت أكثر من 10 آلاف أسرة من هذه المشاريع، مع نسب بيع تجاوزت 90%، إلى جانب تحقيق أثر اقتصادي تمثل في توفير أكثر من 360 وظيفة للعمانيين، ومشاركة 145 مؤسسة صغيرة ومتوسطة، إضافة إلى خفض تكاليف البنية الأساسية بنسبة تفوق 45%. في قلب هذا التحول، برزت مبادرة “صروح” كنموذج جديد للإسكان.
استثمارات بمليارات الريالات
في جانب التخطيط الاستراتيجي، كشفت الجولة عن مشاريع المدن المستقبلية التي تشكل ركيزة التحول العمراني في السلطنة في هذه الفترة، فقد جلبت مدينة السلطان هيثم 3 مطورين عقاريين أجانب، إضافة إلى مطورين من جمهورية مصر ودولة قطر ومطورين محليين، وبلغت القيمة الاستثمارية لها أكثر من 3 مليارات ريال عُماني، مع تخصيص 205 ملايين ريال للبنية الأساسية وتنفيذ 8 حزم إنشائية، فيما تجاوز عدد الوحدات المباعة 1700 وحدة، مع تقدم ملحوظ في تنفيذ الجسور والبنية الأساسية ومحطات الكهرباء، كما انطلقت مدينة الثريا في 2025 باستثمارات واتفاقيات تطوير تتجاوز 265 مليون ريال، في حين بلغت استثمارات مشروع الجبل العالي نحو 650 مليون ريال.
مشاريع نوعية… تنويع في الاستثمار العمراني
استعرضت الجولة عددًا من المشاريع الاستثمارية النوعية التي تعكس تنوع التوجهات التنموية، من بينها مشروع تلال العلاّلان بقيمة 400 مليون ريال ويضم أكثر من 2100 وحدة سكنية، إضافة إلى مشروع الحي الصحي المتكامل بقيمة 200 مليون ريال، ومجموعة من المشاريع السياحية والبيئية التي تتراوح استثماراتها بين 3 و30 مليون ريال، كما كشفت الجولة عن حجم استثمارات يتجاوز 760 مليون ريال من خلال اتفاقيات ومذكرات تعاون دولية.
قريبًا.. وسط الخوير
ضمن مشاريع التجديد الحضري الذي أشار المسؤولون في الوزارة إلى انطلاق أعماله قريبًا، برز مشروع “وسط الخوير” كأحد أهم المشاريع التي تستهدف إعادة تشكيل مركز العاصمة، حيث تم طرح مناقصات البنية التحتية البحرية في عام 2025، تشمل كواسر الأمواج وأعمال التطوير البحري، إضافة إلى خدمات استشارية وإشرافية متخصصة، ويهدف المشروع إلى تحويل المنطقة إلى مركز حضري حديث يجمع بين السكن والعمل والاستثمار، في خطوة تعزز مكانة مسقط كمدينة جاذبة اقتصاديًا.
الانتفاع نموذج اقتصادي متعدد
أكدت الجولة أن حق الانتفاع أصبح أحد أهم الأدوات الاقتصادية لإدارة الأراضي، حيث تم تسجيل أكثر من 3251 عقد انتفاع خلال الفترة (2020–2025)، مع استفادة أكثر من 100 مؤسسة صغيرة ومتوسطة، ويتم الحصول على الأراضي بنظام حق الانتفاع عبر منصة “تطوير” من خلال أربعة مسارات رئيسية، تبدأ بالمزادات التي تُطرح فيها الأراضي ذات القيمة العالية ويتم منحها لأعلى عرض سعر، إلى جانب مسار الفرص الاستثمارية الذي يركز على مشاريع محددة مثل المدارس ومحطات الوقود والمشاريع الزراعية، حيث يتم اختيار المستثمر بناءً على التقييم الفني والمالي، فيما يتيح مسار “اختر واستثمر” إمكانية اختيار الأراضي الجاهزة وفق مواصفات محددة بشكل مباشر، بينما يفتح مسار “اقترح مشروعك” المجال أمام المستثمرين لتقديم أفكارهم الخاصة، بحيث تُمنح الأرض للمشاريع التي تثبت جدواها الاقتصادية والتنموية، ويتيح هذا النموذج للمستثمرين استغلال الأراضي دون الحاجة لتملكها، مما يخفف الأعباء المالية ويوجه السيولة نحو تطوير المشاريع، في حين تضمن الدولة استغلال الأراضي بكفاءة واستدامة.
الإسكان الاجتماعي استقرار أسري بالأرقام
لم تغفل الجولة البعد الاجتماعي، حيث تم استعراض برامج الإسكان الاجتماعي التي استفادت منها أكثر من 8000 أسرة خلال خمس سنوات، مع تخصيص 85 مليون ريال لبرامج المساعدات السكنية خلال عامي 2024–2025، إضافة إلى 50 مليون ريال لبرنامج 2025 الذي شمل 1647 حالة معتمدة بنسبة إنجاز 54%. كما تضمنت الجهود تنفيذ مشاريع سكنية وخدمية متعددة شملت بناء وصيانة وحدات سكنية وإنشاء مرافق أساسية في مختلف المحافظات.
السجل العقاري، من التوثيق إلى الثقة
شهد السجل العقاري تحولًا ملحوظًا من خلال رقمنة العمليات وتوسيع نطاق الشراكة مع القطاع الخاص، حيث تم إنجاز 4805 معاملات حتى نهاية 2025، منها 761 معاملة خلال شهر واحد فقط، إلى جانب توفير 180 فرصة عمل وتمكين 91 مكتب وساطة عقارية. وأسهمت هذه التحولات في تقليص زمن المعاملات من شهور إلى دقائق، وتعزيز موثوقية البيانات العقارية عبر الأنظمة الرقمية.
كشفت هذه الجولة، عبر ما تضمنته من أرقام ومشاريع، أن قطاع الإسكان والتخطيط العمراني في السلطنة يشهد تحولًا هيكليًا متسارعًا، لم يعد يقتصر على تحسين الخدمات، بل يمتد ليشمل إعادة صياغة دور الأرض والإسكان ضمن المنظومة الاقتصادية والاجتماعية، وبين استثمارات بمليارات الريالات، وخدمات رقمية متقدمة، ومبادرات نوعية تقود الإسكان التنموي إلى مستقبل أجمل.

شارك هذا الخبر