صدمة الطاقة والدين والذكاء الاصطناعي: ثلاثية تهدد الاقتصاد العالمي

دعت مديرة صندوق النقد الدولي الحكومات إلى تدابير مالية ونقدية وقائية، وسط استمرار ضغوط الطاقة وتوقعات بتجاوز الدين العام 100% من الناتج المحلي الإجمالي قبل 2030.

صدمة الطاقة والدين والذكاء الاصطناعي: ثلاثية تهدد الاقتصاد العالمي
صدمة الاقتصاد العالمي
رصد- أثير
ثلاثة مخاطر تضع الاقتصاد العالمي أمام مرحلة أكثر تعقيدًا: أسعار طاقة مرتفعة، وديون عامة عند مستويات غير مسبوقة، وطفرة استثمارية ضخمة في الذكاء الاصطناعي قد تحمل معها مخاطر تتجاوز الأسواق إلى الوظائف والأمن السيبراني، هذا ما حذرت منه كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، اليوم الأربعاء، داعية الحكومات إلى اتخاذ تدابير وقائية على مستوى السياسات المالية والنقدية.
وجاءت تحذيرات جورجيفا قبيل الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين، المقرر عقدها في بانكوك الأسبوع المقبل، حيث قالت إن الاقتصاد العالمي يتعرض حاليًا لقوتين متعاكستين: صدمة سلبية في إمدادات الطاقة ناجمة عن الصراعات في الشرق الأوسط، وصدمة إيجابية في الطلب مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، لكنها تسهم بدورها في تغذية التضخم.
وقالت إن التأثير المشترك لهاتين القوتين يختلف بصورة كبيرة بين دول العالم، في وقت لا تشمل فيه طفرة الذكاء الاصطناعي العديد من الاقتصادات.

الطاقة: المشكلة قد تستمر حتى بعد الحرب

من المنتظر أن يصدر صندوق النقد خلال اجتماعات بانكوك توقعاته الجديدة للنمو، وقالت جورجيفا إن أكبر التخفيضات ستطال الاقتصادات التي دمرتها الحرب، ومنها أوكرانيا، إلى جانب دول الخليج التي تضررت من الضربات الإيرانية والانخفاض الحاد في صادرات الطاقة.
ويتوقع الصندوق أن ينمو الاقتصاد العالمي 3.4% في 2027، مستندًا في تقديراته إلى افتراض فتح مضيق هرمز منتصف يوليو وعودته إلى أوضاع ما قبل الحرب بحلول مارس 2027. كما افترضت تلك التوقعات وصول متوسط أسعار النفط إلى 89 دولارًا للبرميل في 2026، ثم انخفاضه إلى 78 دولارًا في 2027.
لكن جورجيفا قالت إن أسعار النفط لا تزال عند مستوى 100 دولار للبرميل، فيما يؤدي ضعف طاقة التكرير إلى إضافة نحو 100 دولار أخرى إلى هوامش “فارق التكرير” لكل برميل من المنتجات الرئيسة مثل الديزل.
وأشارت إلى أن ارتفاع الطلب على التدفئة واستمرار العراقيل أمام إمدادات الغاز الطبيعي، سيؤدي إلى تعزيز الطلب، في ظل التهديدات التي تواجه شحن الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز.
واعتبرت جورجيفا أنه حتى لو انتهت الحرب في الخليج قريبًا، فمن المرجح أن تستمر مشكلة ارتفاع أسعار الطاقة لبعض الوقت، مشيرة إلى أن العقود الآجلة لخام برنت تشير إلى استمرار ارتفاع الأسعار حتى عام 2027.
ولا تتوقف تداعيات ذلك عند فاتورة الطاقة، إذ يؤدي ارتفاع الأسعار إلى زيادة التضخم وأسعار الفائدة وعوائد السندات. ووفق جورجيفا، وصلت عوائد السندات السيادية لأجل 10 سنوات في الولايات المتحدة وألمانيا واليابان إلى أعلى مستوياتها منذ أعوام 2007 و2009 و1996 على التوالي.

الدين: أكثر من حجم الاقتصاد العالمي

الخطر الثاني يتمثل في الدين العام، الذي وصل -وفق صندوق النقد- إلى أعلى مستوى له منذ الحرب العالمية الثانية، وسط توقعات بأن يتجاوز 100% من الناتج المحلي الإجمالي قبل عام 2030.
والمفارقة، بحسب جورجيفا، أن الاقتصادات المتقدمة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، هي “الأسوأ أداءً” فيما يتعلق بأعباء الديون، إذ تسجل نسبًا للدين إلى الناتج المحلي الإجمالي أعلى من تلك الموجودة في الأسواق الناشئة والدول منخفضة الدخل.
وذكرت بأن صانعي السياسات لم يعد بإمكانهم الاعتماد على النمو المرتفع وحده لمعالجة الاختلالات المالية، داعية الاقتصادات المثقلة بالديون إلى وضع خطط موثوقة لتعزيز الاستقرار المالي على المدى المتوسط، مع اتخاذ تدابير مالية استباقية في بعض الحالات لتخفيف الضغط عن السياسة النقدية.
وبعد خمس سنوات ونصف ظل فيها التضخم أعلى من المستويات المستهدفة، ترى جورجيفا أن الضغوط لم تنتهِ بعد؛ إذ تغذيها طفرة الذكاء الاصطناعي وأسعار الطاقة والغذاء والرسوم الجمركية وارتفاع الإنفاق الدفاعي وتكاليف خدمة الديون.
ولهذا قالت إن الوقت قد يكون مناسبًا للتحرك “بحذر” نحو تشديد السياسة النقدية في عدد من الدول، ووصفت قرارات رفع أسعار الفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان بأنها “صائبة جدًا“.

الذكاء الاصطناعي: فرصة أم صدمة جديدة؟

أما الخطر الثالث فيأتي من القطاع الذي تراهن عليه الاقتصادات لزيادة إنتاجيتها: الذكاء الاصطناعي. وحذرت جورجيفا من أن حصة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي من الناتج المحلي الإجمالي قد تتجاوز ما شهدته اقتصادات العالم عند بناء السكك الحديدية أو شبكات الكهرباء أو البنية الأساسية للاتصالات.
ويضع هذا الحجم من الاستثمارات ضغوطًا متزايدة على شركات الذكاء الاصطناعي لتحقيق مكاسب كبيرة في الإنتاجية والأرباح تبرر تقييماتها المرتفعة، محذرة من أن خيبة أمل الأسواق قد تتحول إلى “صدمة تصل تبعاتها إلى مدى بعيد“.
لكن الصورة ليست سلبية بالكامل؛ إذ تشير أبحاث صندوق النقد إلى أن التطبيق الصحيح للذكاء الاصطناعي يمكن أن يضيف نحو نصف نقطة مئوية إلى النمو العالمي سنويًا.
وللاستفادة من هذه الفرصة، شددت جورجيفا على ضرورة الاستعداد للذكاء الاصطناعي من خلال وضع ضوابط تنظيمية لإدارة مخاطره، خصوصًا تأثيراته في سوق العمل والأمن السيبراني والاستقرار، إلى جانب المخاطر المرتبطة بالنماذج المتقدمة وإمكانية خروجها عن السيطرة البشرية.
ودعت الحكومات إلى عدم الاكتفاء بمعالجة الدين والتضخم، بل تنفيذ إصلاحات تشمل تطوير مهارات القوى العاملة، وتسهيل تأسيس الشركات الناشئة وإغلاقها، وتعزيز أمن الطاقة، وتبسيط اللوائح التنظيمية، بما يدعم قدرة الاقتصادات على النمو ومواجهة الصدمات المقبلة.
المصدر: رويترز

شارك هذا الخبر