كشاعر يتمشى في قصيدته..!
سعدية مفرح
“أمرُّ باسمكِ إذ أخلو إلى نفسي
كما يمرُّ دمشقي باندلس
هنا أضاء لك الليمون ملح دمي
وهاهنا وقعت ريحٌ على الفرسِ
….. أمر باسمك
لا جيش يحاصرني ولابلادٌ
كأني آخر الحرسِ
أو شاعر يتمشى في قصيدته…”!
هذا صباح درويشي مفعم بأناقة المرور الشعري إذن رغم زحام المرور في الشارع. والصباحات فن عابق باللحظات الصغيرة الذاهبة في ذلك الزحام لولا وجود الشعراء، ولا أحد مثل محمود درويش يتقن فن انتشال اللحظات الصغيرة من احتمال غرق مؤكد في بحار الظلمات.
يخلط درويش التاريخ بالجغرافيا، والشعر بالنثر، والموسيقى بالفوتوغرافيا، ثم يكتفي بالشعر ملاذا أخيرا وهو يستعيد صورة من صور الحنين العربي التقليدية ما بين دمشق والأندلس. الأندلس التي ذهبت، ودمشق التي تقاوم الذهاب..!
وللحنين ما بين دمشق والأندلس عادة صور عديدة أجملها وأشهرها وأغربها رحلة أبي عبدالرحمن الداخل إلى المجد الشخصي في ظلال مجد أمة بأكملها، وهي الرحلة التي يستعيدها الشاعر كما استعادها غيره من دون أن يفككوا شفراتها العصية على الشعر والتاريخ!
مازلت أتذكر درس القراءة في المرحلة المتوسطة عن هذا المغامر الذي تحول في نهاية الحصة إلى حلم وردي من أحلام الطالبات المستحيلة وإن بأثر رجعي، مكلل بغبار التاريخ ومجد الذاكرة وقصائد الشعراء. وها هو درويش يستعيد اللحظة بمجرد شطر بيت عابر في قصيدة لا يمكن أن تكون عابرة.
ما الذي يفعله الشاعر بالضبط وهو يمر باسم حبيبته إذن؟
يتذكر دمشق الذي يعيشها؟
أم يتذكر الأندلس التي يتحسر عليها؟
أم يتذكر الحلم المعلق بين أضلاع ذلك الفتى الأموي الشجاع وهو يعبر الصحارى والبحار والغبار بفيض من الأحزان والدموع العصية والآمال التي لا تموت إلى البلاد الغريبة كي يستعيد البلاد الحبيبة؟
لا يمكن لأحد أن يحاول شرح قصيدة جميلة وينجو من السقوط المدوي من عرش اللغة، فلو أراد الشاعر أن يشرح خلجاته الشعرية لفعلها في رجاء الوضوح والمباشرة، لكنه كائن لعبته مراوغة اللغة واحتلال تلك المسافة الفاصلة ما بين الضوء والظل أو ما بين الليل والنهار.. يتمشى في قصيدته، غير آبه بما يقوله النقاد ولا القراء ولا حتى ما يقوله هو نفسه عندما يخرج من تلك المنطقة الشعرية المظللة بالزمان والمكان والمضللة بهما أيضا.
“هنا أضاء لك الليمون ملح دمي”، وليس أمامنا سوى استدراج إضاءات الليمون حولنا والبحث عن رائحته في كل الصور والقصائد والأغنيات وكتب التاريخ وسير الأبطال الاستثنائيين وأحوال الشعراء العاشقين لعلنا نحظى بلذعة الملح في دمائنا الفائرة.
أبدأ صباحاتي عادة بفنجان قهوة وقصيدة ورجاء أوزعه بصور ومفردات مختلفة على بقية النهار. واليوم بدأته بفنجاني المعتاد وهذه القصيدة الدرويشية التي قرأتها أكثر من مرة، من دون أن يفارقني طيف شاعرها بتمام أناقته ولياقته يتمشى في أرجائها الرحبة والمفتوحة في فضاء الوجود الأبدي، تاركا مع كل خطوة يخطوها بذرة أمل وكلمة لا تموت.
من قال أن كلمات الشاعر تموت؟!