وحدك تؤوّل هذا العشق
قدم محمد الهادي الجزيري عام 2015 قراءة في كتاب هاجر بوغانمي الأول، متتبعا انفتاح نصوصه على العشق والتأويل وتداخل الأشكال، مع ملاحظات على الصنعة واللغة.
العمل الإبداعي البكر للكاتبة التونسية هاجر بوغانمي
” وحدك تؤوّل هذا العشق “
محمد الهادي الجزيري
عن مؤسسة ” مقاربات للنشر والصناعات الثقافيّة ” بالمغرب الشقيق ، صدر الكتاب الأوّل للأديبة المتخفيّة في شكل صحفيّة ، الموغلة في الأرض والورقة هاجر بوغانمي، وقد اختارت لباكورة إبداعاتها المنشورة عنوانا يعكس خبرتها الصحفيّة وإلمامها بطريقة استدراج القارئ ، فالعنوان عتبة أولى لكلّ عمل أدبيّ ولا بدّ من النجاح في حسن اختياره لضمان استقطاب أكبر عدد ممكن من القرّاء، ” وحدك تؤوّل هذا العشق “، من هذه العتبة المفتوحة على أفق التأويل ندخل عالم الكتابة الأدبيّة لدى هاجر بوغانمي التي تمعن في اللعب بالمفردات والمعنى منذ البداية فتصدّر كتابها بالآتي:
” كُتبت هذه النصوص في الفترة ما بين العشق والحمق
بحبر مفضوح على صفحات الشفق”
كما تقتطف فقرات من كتابات ومقولات نخبة من المبدعين ، على رأسهم جبران خليل جبران للسخريّة من الذين يقيّمون الناس اعتباطيّا ويصمّمونهم حسب أهوائهم ثمّ يدرجونهم في رفوف الذاكرة تماما كما يفعل الصيدليّ بقناني الأدوية ، فتتّضح الرؤية تدريجيّا للقارئ ويدرك أنّه مقبل على التوغّل في نصوص لا تخشاه وليس لديها ما تخفيه ، ويتأكّد من ذلك كلّما انتقل من صفحة إلى أخرى ، فلا غير الحبّ هنا لكن دون ابتذال ولا تصنّع لحالة الوجد كما يعمد إلى ذلك العديد من كتّاب اليوم طمعا في الانتشار وإن على حساب الأدب …
” سعيدة بمراهقتي وهي تتفتّح ثانية على يدي رجل مثلك..، وفرحانة بطفولتي وأنا أنظر إلى عينيك متلهّفة كعجوز تعود إلى صباها “
توشك هذه الفقرة المقتطفة من نصّ ” وطن ” أن تقول الكتاب برمّته ، إذ أننا في حضرة طفلة كبيرة تكتب ذاتها وعشقها ، تكتب دون قفّازات ودون حرج من عاطفتها الجامحة في حقول اللغة، فالحبّ أسمى المشاعر الإنسانيّة ولولاه لأتينا على كلّ شيء في هذه الغابة المتشبّهة بالحضارة والمدنيّة ….
أدرجت هاجر بوغانمي كتابها في خانة ” نصوص ” ولم تدّع الشعر مثلا على غرار الملايين من النطيحة والعرجاء وما خلّف الغبار، وهذا يُحسب لها خاصة أنّها لم تزل في شرفتها الأولى المطلّة على ساحة أدبيّة اختلط فيها الحابل بالنابل ، كثر فيها الادّعاء وقلّ الإبداع ، كما يطرح علينا الكتاب مسألة تداخل أشكال الكتابة الأدبيّة ، ونزوع الكاتب العربي بصفة عامة إلى إخراج نصّه من دائرة التبويب والقولبة والتجنيس الأدبي، ” وحدك تؤوّل هذا العشق ” بوح منساب خارج كلّ إطار ، وشطح لغويّ يتلمّس الطقس الصوفيّ ويحاول أن يقول عالمه الخاص جدّا، فالكاتبة في هذا المتن الأوّل لا تقترب من أيّة تجربة إبداعيّة أو تحاول التشبّه بها ، وهذا ما يبشّر بمتون أخرى لكاتبتنا ، تكون أكثر تماسكا وحرفيّة ، إذ لا يخفى غياب الصنعة في أكثر من نصّ، لكن يشفع لها أنّها تجتهد لتحقّق ذاتها هي وتكتب أحلامها وهواجسها وما يعتمل في باطنها ، لتترك بصمتها على الطاولة كما يقال، وهذا أهمّ ما يميّز هذا الكتاب البكر ….
” إنّي حولك في المكتبات وفي الأسواق وفي بيتك وبين أوراقك ، فتّش في تفاصيل ثيابك تجدني عطرا مرشوشا عليها “
ختاما لهذه الإطلالة على ” وحدك تؤوّل هذا العشق ” نشير إلى التحيّة التي تفضّل بها الأديب المغربي الدكتور جمال بوطالب في مفتتح الكتاب، ونقتطف منها هذه الفقرة الدالّة على روح هذه المحاولة الإبداعية الأولى
(الكتاب هو “كتاب أنثى لرجل”، لكن أقوى ما في هذه الكتابة أنّها لا تقف بعيدا من الرجل ولا ضدّه،تترك مقولات النوع لأنصارها ، وأفكار العداوة والحقد لمؤجّجي الحروب الوهميّة وزارعي الضغينة بين الرجل والمرأة الشقيقين والجنسين المتكامليْن المتآلفيْن).