مسقط-محمد سعد
تحتفل سلطنة عمان غداً بمناسبة العيد الوطني الخامس والأربعين المجيد وهي تواصل مسيرتها الحديثة الوثابة نحو تحقيق المزيد من التقدم والازدهار للوطن والمواطن في كل المجالات في ظل القيادة الحكيمة للسلطان قابوس بن سعيد .
إن يوم الثامن عشر من نوفمبر يوم تاريخي فارق في حياة عُمان دولة وشعبا ومجتمعا اذ انطلقت عُمان من خلاله مفعمة بحكمة القيادة وبعد نظرها وبخبرة التاريخ العريق نحو استعادة مكانتها البارزة واسهامها الإيجابي والملموس في كل ما يعود بالخير والسلام على شعبها وكل الشعوب الشقيقة والصديقة من حولها .
ويحمل هذا اليوم لكل أبناء هذه الأرض الطيبة معاني ودلالات ومشاعر فياضة نحو
قائدهم السلطان قابوس الذي تحيط به القلوب وأفئدة أبناء الوطن عرفانا وحبا وولاء وشعور يوازي حجم وقيمة وأهمية ما يقوم به السلطان ليس فقط كربانٍ ماهر لسفينة الوطن ولكن أيضا كصاحب رسالة للنهوض بالوطن والمواطن وتحقيق تطلعاتهما في كل المجالات ، بالرغم من كل الظروف الإقليمية والدولية التي تحيط بالمنطقة .
وإذا كانت الشعوب تتخذ من أعيادها الوطنية وقفة تستعرض فيها منجزاتها وتشحذ هممها وتعيد النظر في بعض جوانب مسيرتها، فإن الشعب العماني الوفي يقف في هذه المناسبة الوطنية المجيدة مجددًا العهد والولاء مؤكداً استعداده للتضحية بالغالي والنفيس فداء لوطنه وحماية لمنجزاته وسيرًا خلف قيادة سلطانه الحكيمة لتحقيق الأهداف والأولويات التي يحددها جلالته في الحاضر والمستقبل أيضا.
وتكتسب احتفالات سلطنة عمان بالعيد الوطني الخامس والأربعين مفاهيم ودلالات مختلفة وعميقة لكونها تتم برعاية السلطان قابوس بعد عودته بالصحة والعافية إلى أرض الوطن محاطًا بقلوب وأفئدة أبنائه الأوفياء على امتداد أرض عمان الطيبة.
وبينما أبدى جلالته ارتياحه لمسيرة التنمية الشاملة في البلاد ، وما قامت به الحكومة وباقي مؤسسات الدولة من جهود مقدرة ، فقد أكد جلالته على أهمية الاستمرار في الحفاظ على الجوانب الحياتية للمواطنين، وما يقدم لهم من خدمات ، وضرورة الإسراع في وضع الخطط الكفيلة بتحقيق التنويع الاقتصادي واستكمال المشاريع الكبرى ذات النفع العام ،وجذب المزيد من الاستثمارات ، وتفعيل الشراكة مع القطاع الخاص، ومواصلة العمل لتشجيع انشاء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ، في ظل ما يتوفر لها من مقومات مؤسسية ومالية.
وتضع حكومة السلطنة وكل مؤسسات الدولة هذه التوجيهات دليل عمل وخطة طريق تعمل على تحقيقها ، مع بذل كل الجهود الممكنة من أجل إحلال الأمن والاستقرار والوئام في المنطقة ودعم كل جهد مخلص لتحقيق السلام عبر الحوار وبالوسائل السلمية وبما يحقق المصالح المشتركة لجميع شعوبها ويمكنها من حشد طاقاتها لبناء حياتها على النحو الذي تريده هذه الشعوب دون تدخل في شؤونها على أي نحو.
ثلاثة انجازات
وتأتي احتفالات السلطنة بالعيد الوطني الخامس والأربعين مصحوبة بثلاثة إنجازات ذات ملامح خاصة ومميزة وتتضافر كلها لتنطلق بمسيرة النهضة العمانية الحديثة بقيادة السلطان قابوس إلى آفاق أرحب يتحقق خلالها مزيد من مشاركة المواطنين في عملية صنع القرار ومزيد من تحقيق التطلعات نحو غدٍ أفضل ومزيدٌ أيضا من الاسهام العماني النشط والمسؤول في العمل من أجل السلام والاستقرار في المنطقة في ظل ترحيب إقليمي ودولي واسع بهذا الاسهام وتقديره.
إن أول هذه الإنجازات ذات الملامح الخاصة والمميزة أن الاحتفالات بالعيد الوطني
الخامس والأربعين تتزامن مع انتهاء خطة التنمية الخمسية الثامنة (2011 –
2015) التي تنتهي هذا العام ، وفي الوقت ذاته يتم الانتهاء تقريبا من اعداد خطة التنمية الخمسية التاسعة (2016 -2020) التي سيبدأ تطبيقها اعتبارًا من العام القادم وتعد آخر خطة تنمية خمسية في استراتيجية عمان 2020 التي بدأ تنفيذها منذ عام 1996.
وبينما تركز خطة التنمية الخمسية التاسعة (2016 -2020)على الاهتمام بالجوانب
الاجتماعية والحفاظ على مستويات الدخل الحقيقية للمواطنين والعمل على زيادتها مع إعطاء دفعة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة وللتنمية البشرية والانتهاء من المشروعات الكبيرة في القطاعات المختلفة لتعزز القدرات الإنتاجية للاقتصاد الوطني، فإنه يجري كذلك الاعداد لاستراتيجية “عُمان 2040″، وهو ما يقوم المجلس الأعلى للتخطيط “اللجنة الرئيسية لاستراتيجية التنمية العمانية “عمان 2040” بالعمل على إنجازه بالتعاون مع مؤسسات الدولة الأخرى ، مع مراعاة إعطاء دفعة كبيرة لتنويع مصادر الدخل ، وزيادة دور القطاع الخاص والاهتمام بمشروعات الطاقة المتجددة خاصة الرياح والطاقة الشمسية والحد من الاعتماد على النفط مصدراً أساسياً للدخل وتنشيط قطاعات الصناعة والنقل والخدمات اللوجستية والسياحة والزراعة والثروة السمكية والاتصالات للاستفادة بالموقع المتميز للسلطنة وتحويلها إلى مركز لوجستي إقليمي يربط بين المنطقة والعالم من ناحية واستثمار الموارد المتاحة في السلطنة ،مادية وتراثية وعصرية لخدمة الاقتصاد العماني وتحقيق حياة أفضل للمواطنين من ناحية ثانية .
أما الإنجاز الثاني ، ذو الملامح الخاصة فيتمثل في انتخابات الفترة الثامنة لمجلس الشورى التي جرت يوم 25 أكتوبر الماضي وأشاد جلالته بنجاحها حيث توجه الناخبون العمانيون – رجالاً ونساءً – ممن حق لهم التصويت (نحو612 ألف ناخب وناخبة) إلى 107 مراكز للتصويت في ولايات ومحافظات السلطنة لانتخاب 85 عضواً هم أعضاء مجلس الشورى لهذه الفترة .
وفي حين تجاوزت نسبة المشاركة في انتخابات مجلس الشورى 6ر56% من إجمالي الناخبين وفازت امرأة واحدة بعضوية المجلس للفترة الثامنة فإن الانتخابات اتسمت بالشفافية وسهولة عمليات الاقتراع، شهدت استخدام نظام التصويت الإلكتروني للمرة الأولى.
وقد غطت العشرات من أجهزة الإعلام العمانية والعربية والأجنبية عمليات الانتخاب وأشادت بحسن سيرها، واقبال المرأة العمانية على المشاركة فيها.
وأسفرت انتخابات الفترة الثامنة لمجلس الشورى عن فوز عدد كبير من الشباب بعضويته مقارنة بالفترات السابقة وهو ما سيسهم بالضرورة في تفعيل دور مجلس الشورى، الذي يتمتع باختصاصات تشريعية ورقابية عديدة، بموجب التعديلات التي تم ادخالها على النظام الأساسي للدولة في عام 2011 .
ومما هو معلوم أن السلطان قابوس أصدر مرسوما سلطانيا بتسمية أعضاء مجلس الدولة ، كما افتتح أعمال الفترة السادسة لمجلس عمان الذي يضم كلاً من مجلس الدولة ومجلس الشورى إيذاناً ببدء الفترة السادسة لمجلس عمان ومن ثم الفترة السادسة لمجلس الدولة والفترة الثامنة لمجلس الشورى.
وقد أكد السلطان قابوس فى كلمته إن ما تحقق على أرض عُمان من مُنجزات في مختلف المجالات لهي مبعث فخرٍ ومصدر اعتزاز معرباً عن تطلعُه الى مواصلة المسيرة المباركة بإرادة وعزيمة أكبر مبيناً أن تحقيق ذلك لن يتأتى إلا بتكاتف الجهود وتكاملها لما فيه مصلحة الجميع .
وقال السلطان قابوس : لقد تابعنا عن كثبِ أعمال مجلس عُمان بشقيه مجلس الشورى ومجلس الدولة في الفترات الماضية ” مثمناً الجُهد الذي بذله المجلس خلالها مما كان له الأثر الملموس للإسهام في دفع مسيرة التنمية الشاملة قُدمًا نحو مزيدِ من التطور والنماء .
وتتاح للمواطن العماني حق المشاركة الفعلية في عملية صنع القرار من خلال مجلس الدولة الذي يعين جلالة السلطان أعضاءه من بين أفضل الخبرات العمانية، ومجلس الشورى الذي ينتخب المواطنون ممثلي ولاياتهم فيه ، بحكم الاختصاصات والدور الذي يقوم به مجلس عُمان، بجناحيه بالتعاون مع مجلس الوزراء ومع مؤسسات الدولة الأخرى أيضاً.
وإذا كان الانجازان السابق الاشارة إليهما، وهما إعداد خطة التنمية الخمسية التاسعة وانتخابات الفترة الثامنة لمجلس الشورى يرتبطان بالأداء والانجاز على الصعيد الداخلي فإن الانجاز الثالث ذا الملامح الخاصة والمميزة يرتبط بالسياسة العمانية ويحركان السلطنة النشطة إقليمياً ودوليا نظرا لما تتمتع به من علاقات طيبة ووطيده مع مختلف القوى والأطراف الاقليمية والدولية من ناحية ونظراً أيضاً لأن السلطنة أعلنت ذلك بشكل واضح وعلني شفاف ولأنها دولة سلام وتحرص وتسعى بكل السبل الى تحقيق السلام والوئام لدول وشعوب المنطقة وحل المشكلات بالطرق السلمية عبر الحوار الإيجابي لتحقيق التقارب بين مختلف الأطراف من ناحية ثانية.
وتؤمن السلطنة بشكل عميق بأهمية وضرورة تحقيق السلام والأمن والاستقرار كشرط لتحقيق التنمية والرخاء ولأنها تحظى بالمصداقية لدى الدول الأخرى فإن مواقفها وسياساتها اتسقت والتزمت دوما مع مبادئها وما فعلته .
ومما له دلالة عميقة أن احتفالات العيد الوطني الخامس والأربعين المجيد تتزامن مع تقدير واسع ورفيع لجهود السلطنة الطيبة بالنسبة للعديد من القضايا الدولية والاقليمية فإلى جانب التوصل لاتفاق نهائي بين إيران ومجموعة (5+1) حول البرنامج النووي الايراني في 14/7/2015م ، وهو ما ارتكز على الدور الذي قامت به عندما استضافت لقاءات امريكية ايرانية ولقاءات بين إيران ومجموعة (5+1) في سبتمبر ونوفمبر عام 2014م على التوالي فإن السلطنة تضطلع بجهد ايجابي وبناء سواء فيما يتصل بالعمل على وقف القتال في اليمن واستئناف المفاوضات بين الاطراف اليمنية تمهيدا لاستعادة الأمن إلى ربوع اليمن الشقيقة كما ان المساعي الحميدة للسلطنة فيما يتصل بالتطورات في سوريا استمرت على مدى الأشهر الماضية حيث قام معالي يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية بزيارة العاصمة السورية ولقاء الرئيس بشار الأسد في 25 اكتوبر الماضي .
كما زار وزير خارجية سوريا وليد المعلم مسقط في أغسطس الماضي، وقام وفد من المعارضة السورية بزيارة السلطنة الشهر الماضي وأجرى الرئيس الروسي بوتين اتصالاً هاتفياً مع جلالة السلطان المعظم عقب زيارة الرئيس السوري بشار الأسد لموسكو الشهر الماضي.
وتبذل السلطنة مساعيها بتجرد وبرغبة صادقة في تحقيق السلام والأمن لشعوب المنطقة، بعيدًا عن أية استفادة ذاتية أو أجندة خاصة، وهو ما أكسبها مزيدًا من ثقة واحترام كل الاطراف في المنطقة وخارجها.
في جانب آخر تسعى حكومة حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم جاهدة من أجل استيعاب الانخفاض الشديد في أسعار النفط في الاسواق العلمية الذي بدأ منذ منتصف العام الماضي 2014، وبالتالي انخفاض الايرادات العامة للدولة بأكثر من 36% خلال الأشهر الماضية من خلال خطوات وسبل متعددة مع الحرص على عدم المساس بالخدمات الأساسية التي تقدمها للمواطن العماني مع العمل على تعزيز الايرادات المالية للدولة وخفض الانفاق الحكومي وزيادة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الاجمالي، وهو ما بدأت نتائجه تتضح بالفعل خلال الاشهر الماضية.
وقد أكد السلطان قابوس على الاستمرار في الاجراءات الاحترازية تلك خلال ترؤسه لاجتماع مجلس الوزراء يوم الأول من نوفمبر الجاري.
وفي حين تسعى حكومة حضرة صاحب الجلالة السلطان المفدى إلى تطوير النظم
الإدارية في الدولة بما يتمشى مع متطلبات المرحلة الراهنة بما في ذلك وضع نظام لقياس مستوى جودة الخدمات الحكومية والاسراع في التحول إلى الحكومة الإلكترونية ففقد كلف مجلس الوزراء المجلس الأعلى للتخطيط بمراجعة آليات وبرامج الاستراتيجية الوطنية للقطاع اللوجستي في إطار الرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني بالإضافة إلى حث الجهات المعنية على الاسراع باستكمال الحزم المتبقية من المشاريع الرئيسية بالدقم، ودفع عجلة التنمية العمرانية أو التنمية المستدامة تحقيقًا لصالح الوطن والمواطن في الحاضر والمستقبل أيضًا.
وفي الوقت الذي أدت فيه الجهود المبذولة إلى تحسين ترتيب السلطنة بين دول العالم بالنسبة لسرعة انجاز الأعمال حيث جاءت في المرتبة 70 بدًلا من المرتبة 77 في تقرير البنك الدولي بهذا الخصوص لعام 2016م الصادر في شهر اكتوبر الماضي حازت السلطنة على المرتبة الثانية على الصعيد العربي والمرتبة الثانية والعشرين على المستوى الدولي من بين 158 دولة شملها التقرير الثالث لمستوى السعادة حول العالم لعام 2015م وهو التقرير الذي اصدرته شبكة حلول التطوير المستدامة التابعة للأمم المتحدة كما أن السلطنة حققت ايضًا المرتبة السابعة عالمياً وفق مؤشر جودة الحياة لعام 2015، حسب قاعدة البيانات الدولية الإلكترونية “نمبيو” الذي نشرته صحيفة الاندبندانت البريطانية على موقعها الإلكتروني في شهر يونيو الماضي.
وترتبط هذه المؤشرات بمجموعة كبيرة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وبمستويات الرعاية الصحية والاجتماعية والشعور بتحقيق الذات والنظرة المستقبلية للأفراد في الدول المختلفة وقد حققت السلطنة هذه النتائج المبهجة كثمرة من ثمار الرعاية السامية للمواطن وللمجتمع العماني ككل على امتداد الأعوام الخمسة والأربعين الماضية.