البحث عن حانة سيدوري

البحث عن حانة سيدوري
Atheer - أثير

البحث عن حانة سيدوري   

في القصيدة العراقية المعاصرة

حسن مجَّاد

أكاديمي عراقي

 

“لئلا تموت الكلمات

لئلا تفتح المدينة أبوابها لابن آوى

أقدّم هذه العظمةَ كلّ يوم لكلب القبيلة “

سركون بولص

 

-1-

لم يكن مرور كلكامش بحانة سيدوري -بعد ان أدرك المصير صديقه إنكيدو-إقامة في منزل المسرات،ولم يشأ أن يصبح نزيلاً في ردهة من هذا الفناء الذي يطل على ساحل البحر،مكتفيا بلذة الفرح،وهو يعب من كأس الخمرة ما يكفى لمتعته ومؤانسته، وحين يخرج من عتمة الحانة،يتلمس الدغل برجليه ويدب في مشيته ذاهبا إلى خيمته المنصوبة في البرية،مطأطئ الرأس ثملاً؛ليراقص زوجته أو يضاحك قطته هرباً من النعاس اللذيذ .

تشير الأسطورة البابلية إلى أن ما رأته صاحبة الحانة من شحوب على محيا كلكامش وهو أشعث الشعر،مغبر الوجه،دعتها أن توصد بابها وتحكمها بالمزلاج ظناً منها أنَّه رجلٌ قاتلٌ أو لصٌّ مطاردٌ يُحظر إيواؤه او الدفاع عنه،ولكنَّها عرفته فيما بعدُ،مهزوماً ومفجوعاً للمصير الذي لحق صديقه وخله صائد الحمر الوحشية وملاعب النمور .

 

لم يرد كلكامش أن يقضى ليلة من الفرح في حفلة صاخبة،بعد ان قضى لياليه بكاء ونحيبا على فجيعة الفقدان المر،وهزّه الخوف المرعب في أن يضطجع هو الآخر على تراب الأبدية؛ولهذا جاءت وصايا سىدورى وهى وصايا الحانة أيضاً، وصايا الابتهاج بالحياة وملذاتها وأفراحها،بعد يقين في أنَّ الآلهة قد استأثرت بالحياة وقدّرت الموت على البشر ( إنَّ الحياة التي تبغي لن تجد ….

أما أنت يا كلكامش فليكن كرشك مليئا على الدوام

كن فرحا مبتهجا نهار مساء

وأقم الأفراح في كل يوم من أيامك

وارقص والعب مساء نهار

واجعل نظيفة زاهية

واغسل رأسك واستحم في الماء

ودلل الصغير الذي يمسك بيدك

وافرح الزوجة التي بين أحضانك

وهذا هو نصيب البشرية )([1])

([1])

 

تُقدم وصايا سيدروي في الميثولوجيا البابلية على أنها نصيب بنى البشر في الحياة وما قُدر لهم أن يقوموا به،ولكن كلكامش لم يدرك بطلان العالم ومحض هشاشته .فبعد أن أحس بالفقدان راح يبحث عن عشبة الخلود بمنطق قدري !

فما زلت رحلة الانسان ورحلة القصيدة بكل مكابداتها الشاقة،وأوهامها ونزواتها وأضغاث أحلامها رحلة في الدرب الصعب،فمنذ محاولة امرئ القيس في عبور المفاوز الشاسعة والبحث عن الخلاص،وتبديد المسافة بين رؤية الدرب الطويل واليقين  بمحاولة الوصول  :

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه

وأيقن أنا لاحقان بقيصرا

فقلت له : لا تبك عينك إنما

  (2)نحاول ملكا أو نموت فنعذرا

وصولاً إلى رسالة السياب من المقبرة وقد أطلّ منها على العالم السفلى :

( و عند بابي يصرخ المخبرون

و عرٌ هو المرقى إلى الجلجلة

و الصخر يا سيزيف ما أثقله

سيزيف إن الصخرة الآخرون)([3])

([3])

 

 ظلّ الشعر تجربة في استكشاف رحلة الفرد وعذابه،ومساءلة حقيقة إنشاده الروحي و يقينه أنَّ الدرب الموصل إلى الجلجلة درب حجري وعر،وظل الشاعر الحقيقي يمتدح الضجر والكآبة بعد ان افترسته الظنون وأطاح بأصدقائه الموت وجفت السواقي تحت قدميه،وتهدمت الأشجار وضاقت به المدن الحجرية،ولم تعد مهمته المستحيلة سوى أن يوقف النزيف بالأصابع كما يقول محمود الماغوط في واحدة من أهم قصائده في ( الفرح ليس مهنتي ) وهى عبارة عن رسالة يبعثها دمشقي إلى أبيه الرابض في القرية ( رسالة الى القرية ) :

 

(  لم يبق منى غير الأضلاع وتجاويف العيون

فاقتلعني من ذاكرتك

وعد إلى محراثك وأغانيك الحزينة

لقد تورطت يا أبى

وغدا كل شيء مستحيلاً

كوقف النزيف بالأصابع ) ([4])

([4])

هذى هي المهمة المستحيلة للشعر في أن يوقف النزيف بالأصابع ، أن يوقف القنابل العنقودية بابتهالات الكلمة .

 

-2-

 وإن حاولنا أن نضع تفسيرا لتجليات صورة حانة سيدوري وأصولها في الشعرية المعاصرة،فإننا سنجد ارتباطها بمرحلة توظيف التراث الأسطوري في تجربة الرواد الشعرية،ولهذا لابد لنا أن ننقاد إلى مساءلة تحولات التجربة الحداثية في القصيدة العراقية وهي رهينة تحولات السياق الاجتماعي السياسي وتغيرات في الرؤية الشعرية للعالم ([5])؛لنقف عند جذورها الجمالية ومستويات أدائها البياني ومن ثم موقفها الفكري،فقد قدّمت القصيدة العربية الحديثة رؤى متحولة من الريادة التأسيسية حتى مابعد الستنينين لمساءلة عزلة الفرد وشتات الجمهور عبر تمثلاتها الشعرية في التصوير الفني والنهايات الميلودراما للفرد والمصائر التراجيدية للجماعة،فقد صُوِّر الانسان شعريا وهو يحمل في يده المنجل و على كتفه الفأس دلالةً على حركة النضال الجماهيري التي تحقق في عراق مابعد الاستقلال والتخلص من الإرث الكولونيالي في الإقطاعية الزراعية كما عبرت عنه الواقعية الشعرية الخمسينية،لتفضح بؤس العالم الذي كان يعيشه القاع الاجتماعى في عتمة الديجور و”منازل الأقنان” ولتكشف عن “مجد الأطفال والزيتون” ،وصولاً إلى تجربة شعرية تقوم على تمثل الماضي السومري،وإفراز حركة  الانبعاث التموزية و الأورفية بفعل من مؤثرات سياسة بناء هوية عراق مابعد الاستقلال والعمل على بناء ذاكرة واحدة لـأمة عراقية يذوب فيها العنف الطائفي لصالح الماضي المجيد .

([5])

 

     شكلت تموزيات السياب مرحلةً  في المرتكز الأسطوري لمنجز الحداثة الشعرية العراقية،وذلك باستثمار أساليب المذهب الرمزيّ بمصادره المتعددة في الإفادة من الموروث الرافدينى،فتحولت القصيدة من شحوب الغنائية الى شعرية الملحمية،ومن صوت الفرد إلى أصوات الجماعة،ولم يأت هذا التحول في سياق منعزل عن إطار الحركة الاجتماعيّة وصيرورتها السياسيّة ،فقد تحول مفهوم الشعر من التعبير عن الذاتي الحالم الرومانتيكيّ إلى النزوع الدراميّ ومن الصنعة والتماسك العضويّ الى الرؤيا الإشراقية والكشف الصوفيّ،فالوعي الشعريّ هو الذي قاد ” بليك وكولردج وورد زورث وشللي وكيتس الى إفساح المجال للذات عبر استثمار طاقة الخيال الخلاّق؛لأنهم ( كانوا واثقين جميعاً من ارتباط الخيال بالنظام الميتافيزيقيّ للكون )([6]) غير أنَّ المعضلة التي واجهت الرومانسيون بقوة ضيق التعبير الذاتي وعدم قدرته في الاندماج مع التجارب الأخرى هو الذي أصاب الرومانسيّة في نهاياتها بالأفول وأوقعها بالتكرار،مما أثر على وعيّ الشاعر العربيّ الذي تلبس بيئة وطبيعة مغايرة .

([6])

 

كانت الرؤية الرومانسية تشدد على عمق اندماج الفرد بالطبيعة،وتحفز فيه مواهبه وتلغي أبعاد الإرث الشعريّ من الذاكرة الفرديّة وتضع الحواجز بين المعطيات والخبرة بين الآثار والتجربة لكن اليوت عمل على ازحة مركز الفرديّة تلك التي تعد جزء من الإرث الرومانسيّ ووضع مسافة أخرى بين الذاتي والموضوعيّ،إذ ( ينبغي للتراث الأدبي من فرجيل الى يومنا هذا – كما يقول اليوت-ان يكون نصا متاحاً مفتوحا أمام الشاعر على الدوام وليس حكرا على زمن بعينه،والمهم شعريا هو الكيفية التي يتلقى بها الشاعر وفقها رسالة هذا التراث…وماذا يصنع بها قبل أن يوصلها وهذا هو بيت القصيد)([7]) ،الا أنَّ ما أطاح بهذا الاتجاه الشعري هو ما يتعلق بثقافة الشاعر وقدرته على التمثل والإضافة والتجاوز؛لئلا يصبح التراث جثة هامدة،وتصبح القصيدة هيكلا عظميا في متحف الذاكرة ،وهذا الأمر ما جعل كثيرا من المعالجات الجمالية في الإفادة من التراث الرافديني معالجات تلفيقية،او إسقاطا تاريخيا،مما سبب شحوباً في المعنى الشعري او انهداما للعلاقة بين النص وآثاره.

([7])

 

وقد تهدمت صورة (الانسان المكافح) بسبب من ترهل الواقعية وارتباطها بمنظومة ايدولوجية اشتراكية بعد خيمة الهزيمة الحزيرانية حتى أفول القومية وصعود الأصولية الراديكالية،وشهد الانسان تفكك أوهام النهضة العربية وتشرح البنية الاستبدادية لحداثة التخلف بصيغتها الأكثر شقاء وانفصاماً ليس عن الواقع فحسب،بل عن روح الانسان تاريخا وذاكرة،ومن ثم أصبح في السبعينات تحت رعاية الدولة البوليسية التي تتنصت على هواجسه وكوابيسه،وشهد البلد على ضفتيه حروبا دموية وحصارات،وتفتت العالم العربي بسياسات انفتاح وتطبيع،وتهجير قسري للأقليات وصعود جارف للأصولية سياسيا لضرب اليسار وقمع الأصوات،ولعل قصيدة ( البكاء بين يدي زرقاء اليمامة ) لأمل دنقل تصور لنا الانسان الممسك بالراية المنكسة وتكشف بقوةٍ جنونَ الخيبة المرة لما بعد الانهيار الأخير :  

 

( أيتها العرافة المقدَّسةْ ..

جئتُ إليك .. مثخناً بالطعنات والدماءْ

أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدّسة

منكسر السيف، مغبَّر الجبين والأعضاءْ.

أسأل يا زرقاءْ ..

عن فمكِ الياقوتِ عن، نبوءة العذراء

عن ساعدي المقطوع.. وهو ما يزال ممسكاً بالراية المنكَّسة)([8])

([8])

ألم يأت كلكامش قديما لصاحبة الحانة وهو مغبر اليد والجبين من فداحة الأسى وشراسة المصير ؟!

 

-3-

ومن هنا،أصبح الشاعر المعاصر يبحث عن حانة سيدوري ليقيم فيها،بعد ان انزوى كلكامش عنها  بحثاً عن عشبة الخلود،يُعنى بالراحة تعويضا عن الخذلان،ويطل الشيخ بشيخوخته على أحفاده وهم يكركرون في الضحك؛ولهذا تشكل موتيف( البحث عن حانة سيدوري ) مرتكزاً رئيسا في الشعرية المعاصرة بوصفها موضوعا مهيمنا ومتكرراً على نحو ظاهر في بنية اللغة وصورها مرة،أو في أجوائها ودلالاتها الغائبة مرة أخرى ،وهو موتيف – بهذا التوصيف النقدي – يرتبط بطقوس العودة أو في استرجاع الذاكرة و استدعاء مغاني الطفولة،فإذا كانت رحلة كلكامش تمثل المسعى الإنساني في وصوله إلى عشب الخلود،فإنَّ (البحث عن حانة سيدوري) يعد نقضاً لتلك الرحلة،ورحلة مضادة في الكشف عن عطل الحياة وزيف برهان اللذة العابرة ،فخلاصة الوصايا هي أن نمسك بالسائر ونحن لا نبصره،ونقبض على اليومي الأليف في بهجة زائلة، ويكمن في الشعر المعاصر ذلك الضرب الخلاق بين وصايا سيدوري وتعاليم سليمان وحكمته في سفر الجامعة،وتنصهر في بنية الفكرة الجوهرية وتذوب في الاجواء دون أن نمسك أصلاً من أصولها،على الرغم من أنَّ الحكمة في سفر الجامعة هي نتاج تأمل روحي ومخاض ديني لنزعة شكوكي في طبيعة الكون وخبرة الحياة،فلكل شيء وقت محدد ونظام دوري وما تحت الشمس ليس بجديد  وما  مسعى المرء بين ذلك  الا كقبض ريح !

 

استلهم الشاعر العراقي وهو في غمرة حيرته الفكرية وعيشه في عصر قلق اجتماعيا ونفسيا، حيث الحروب والحصار القاتل والعزلة عن العالم وصايا سيدوري وأذابها في نسيجه الفكري،لاسيما ان الواقع الخائب هو ما جعله يختبر بنفسه العبث واللاجدوى ،فقد تحول الانسان الى بسطال في حرب خاسرة،وظل الناس جمهوراً في عربة تنحدر من الأعالي الى الهاوية،فاتجه الشاعر الى الغنوصية والصوفية نحو غموض العبارة وشطط التأويل،وتجريد العلاقات الإنسانية،ومن ثم أُفْرِغ الشعرُ من محتواه الإنساني كما في نماذج كثيرة من تجربة قصيدة النثر العراقية([9])،ولكن الشعر يبقى ضرباً من ضروب المعرفة الإنسانية لاختبار الوجدان ومجالات الخيال الخصيب،قد تخبو جمرته في عصر ما،ولكنه سرعان ما يشتعل في الموقد مرة أخرى،وإذا كان للشعر من وظيفة اجتماعية ما فإنه يزود التربية الجمالية بخبرة الحياة وتعقدها،ويضع الانسان بمواجهة فذة أمام بؤس العالم و مخاوف الطبيعة ومن ثم مقاومة اضطهاد الآلة الميكانيكية،فمن الانسان الرعوي عبوراً نحو الانسان السوبرمان ووقوفاً عند الوجه الأكثر قساوة لهذا الكائن الحي ،وأعني به الانسان السيبرنطيقي ظل الشعر يقدم جوهر الروح الإنساني وخلاصة المصير والمستقبل في الرؤيا الاستشرافية لحياة مابعد الآلة، وما بعد المقابر الجماعية والحروب الأهلية والافتتان الطائفي .

([9])

 

إنَّ طقوس العودة والاتكاء على الراحة واحدة من سبل وصايا سيدوري،وهنا يكمن مفتتح قصيدة محمود درويش ( مأساة النرجس ملهاة الفضة ) التي تعد من أهم القصائد العربية لما بعد المرحلة البيروتية وهي  تدلل على هذه الموضوعة الجوهرية المرتبطة بطقوس العودة على نحو خفي:

(عادوا…

من آخر النفَق الطويل إلى مراياهم.. وعادوا

حين استعادوا مِلْحَ إِخواتهمْ , فرادى أَو جماعاتٍ , وعادوا

من أَساطيرِ الدفاع عن القلاع إِلى البسيط من الكلامْ

لن يرفعوا  من بعدُ  أَيديَهُمْ ولا راياتِهمْ للمعجزات إِذا أَرادوا

عادوا ليحتفلوا بماء وجودهم ، ويُرتِّبوا هذا الهواءْ

ويزوِّجوا أَبناءهم لبناتهم ، ويرقِّصوا جَسَداً توارى في الرخامْ

ويُعَلِّقوا بسُقُوفهمْ بَصَلاً  وباميةً  وثوماً للشتاءْ

وليحلبوا أَثداء مَاعِزِهمْ  وغيماً سالَ من ريش الحمامْ

عادوا على أَطراف هاجسهم إلى جُغرافيا السحرِ الإِلهي

وإلى بساط الموز في أَرض التضاريس القديمةْ ) ([10])    

([10])    

 

يصور الاستهلال البعد البانورامي للعودة إلى خفة العيش وبساطتها بعد سنوات من الهجرة والمنافي،ولكن القصيدة تقوم على بناء هارموني تصاعدي،تنبثق فيها اللحظات بين الهبوط والصعود بتآلف كثيف بسبب من تكوينها الملحمي،و بنيتها في حشد العناصر المتضادة معاً؛لخلق التوتر الدرامي في قصة شعب عاش الأزمة الوجودية ببعديها التاريخي المثيولوجي معاً .

 

لا يمكن أن نقرأ تمثلات حانة سيدوري في شعرية سركون بولص بعيدا عن جيلالبيتنكس ولاسيما إلَن غينسبيرغ الذي قدمه الى العربية مبكراً في قصيدته ( عواء ) ،وهو جىل الغضب والتمرد والنزوة الزائلة،إذ( سيأخذ التمرد لديهم شكل تيهٍ جغرافي،وأيضا شكلَ ثورة تركيبية  نحوية ،وأخلاقية، وروحية، وجنسية)([11])

(
)

 

ومن هنا تجئ رحلة البحث عن الحانة تعبيراً عن اللحظة العراقية العدمية،مقرونة بتجربته التي تمثلت الإرث الرافديني في ملحمة الطوفان ورحلة كلكامش؛ولهذا تبدو مدارات المعنى الشعري ومرجعياته موزعة بين العناء المثيولوجي والحكمة الدينية،وهي تكشف -على الرغم من سعة المسافات وتبدل الأمكنة-تآزر الأضداد على نحو خلاّق،وهذا الاجتماع والتآلف مقترن بـاستحضار الماضي وجعله حاضراً في الأبد ،فيجيء هذا التآزر مرة بلحظة صوفية اشراقية كما في ( حانة الكلب ) التي يضع لها مقتبساً  من مقولة جلال الدين الرومي ( إذا كنت نائماً في مركب نوح وأنت سكران ما همكَ لو جاء الطوفان )([12]) أو في الرجوع إلى رحلة كلكامش مرة أخرى كما في مجموعته ( الأول والتالي ) (  إلى ارض الأحياء تاق السيد إلى السفر )([13])   وتمثل نهاية ( كرسي القصب ) الحركة الأخيرة للرحلة :

([13])  

 

( يا لها من رحلة

الميّت والحي ضيوف في حانة سيدوري

من يحتاج إلى الآلهة؟ )([14])  وهى تستبطن القصيدة الأولى في المجموعة الشعرية الموسومة بــ(الكرسي) : ( كرسي جدي ما زال يهتز

([14])

على أسوار أورورك

تحته يعبر النهر ، يتقلب فيه

الأحياء والموتى ) ([15])

 

وتنطوي مرجعيات الفكرة الشعرية عند سركون بولص على مأزق صراع حضارية بين الشرق والغرب،بين مركب نوح ورحلة كلكامش من جهة،وبين حانة سيدوري وحانة الكلب من جهة أخرى،لا تنفصم بعلاقة ثأرية شعوراً بعقدة النقص الحضاري،أو تتحول إلى غواية ايروتيكية،بل تستغور البعد الروحي للفرد وأزمته الوجودية،ففي الملاحظات الختامية التي وضعها في نهاية مجموعته ( إذا كنت نائما فى مركب نوح)  نراه يقول :

 

( كان هذا العنوان قد خطر ذات يوم وأنا أسوق سيارتي في شارع ال كامينو ريال أي الطريق الملوكية وهو أطول شارع في كاليفورنيا.. يرمز إلى الطريق التي سلكها كهنة المكسيك.. لاحظت بالمصادفة يافطة على باب بار استرعت انتباهي في الحال وتوقفت عندها كأنني وجدت سر أميركا أخيراً: حانة الكلب حرفيا على طريق الملوك.. ملوك الروح.. ذلك المعنى المتأرجح بين الكلبية والقداسة، بين حضارتين متصادمتين، عالمين بينهما فروقات شنيعة.. كتلك التي بين أميركا الشمالية والجنوبية، أو بين الغرب والشرق. هكذا عدت إلى الكتابة ثانية. وكانت حانة الكلب ) ([16])

 

( الشرقُ يدندنُ على العود في آبار الجهة الغربيّة ) 

وتبدو صورة الحانة عند سعدي يوسف مقترنة بالمدن البحرية، فهي مرة تجئ حلماً ، أو تجئ عبر ذاكرة لأيام عراقية ،وفى الصورة الحُلمية يكون قد شاخ حاله والبلاد،وهو على رصيف الانتظار و الخيبة علّ عربة تقله إلى البصرة كما في قصيدته (ذبذبة ) التي يفتتح بها مجموعته ( صلاة الوثني )

 

(لستُ مَـعْـنـيّـاً بما قد كنتُ أعني …

أنا في الـحُــلمِ :

فتاتي أمسكتْ بي من يدي ؛ قالت :

لماذا أنتَ حتى الآن في هذا الرصيفِ ؟

العرباتُ ابتعدتْ منذُ ســنينَ …

انتبهِ ، الساعةَ ، ولْـنُـسرِعْ إلى حانة سِــيدُورِي )([17])

 

وأما في صورة إحياء الذاكرة،فيكون الماضي ماثلاً في وجدانه وهو يشاهد خيبة الحاضر وظلامه ممسكاً بتلابيب الزمن المنفلت البعيد الحاضر في الوقت ذاته ؛فتوقظ ذاكرته الشجيّة على واقع متفسخ العلاقات على مستوى الاستبداد السلطويّ والظلم الاجتماعيّ ،وتتشكل القصيدة من التداعي الذهني والمنولوج والحوار الدرامي والقطع والحشو في سبيل بناء زمنين بناء مركبا ومعقداً،فتختلط الأزمنة حاضراً وماضيا، وتتلاشى فيها الذات في استذكار الأماكن الأولى ، ففي قصيدته التي كتبها في وهران – الجزائر ونشرت في ( نهايات الشمال الافريقي ) يكون الدخول إلى الحانة التي تطل على البحر المتوسط عبوراً نحو باب المعظم ( حانة على البحر المتوسط ) ([18])

فيضع مشهداً للدخول موزعاً القصيدة على مبدأ التقطيع السينمائي في الارتداد بين زمنين ، زمن الماضي بأمكنته وزمن الحاضر

( أعتمَ البحرُ، ‏

كان يُعتم، شيئاً، فشيئاً، وكان بريق الثياب القصيرةْ ‏

يختفي في العيونْ ‏

أعتم النهرُ، ‏

منذ الظهيرةْ ‏

كان يُعتم، شيئاً، فشيئاً، وكان نخيل الجزيرةْ ‏

يختفي في سماء من القطن مبتلّة ‏

‏- هل تريدين شيئاً من الثّلج؟ ‏

‏- لا ‏

فندقٌ قرب بابِ المعظّمْ

غرفةٌ قرب باب المعظمْ

ليلةٌ قرب باب المعظمْ )([19])

 

ومن هنا تتشكل صورة الحانة في تجربة سعدي يوسف على شرائط الذاكرة،ويصبح  الماضي صورة لاستحضار التجربة بعد ان تعرضت إلى هزات عنيفة وبدت مثل ‏أوشال بئر قديم،وهي تجربة تستعاد وقد محت الذاكرة جزءا كبيرا من شواهدها الا عبر ‏استثمار مدونات السيرة بوقائعها الأليفة،والمفكرة اليوميّة بوصفها تكنيكا سردياً يعمل على توثيق ‏العلاقة بالواقع والمنظور،لتكشف عن معالم قصيدة الشخصيّة بأطوارها وأبعاد غربتها السيكولوجية والروحية ‏.

 

وتمثل قصيدة (الطواف فى المقاهي الثلاث) فى مجموعته (شرفة المنزل الفقير) تعبيرا عن الرحلة والتطواف فى البلدان، ولم يعد فيها المقاهي محطات عابرة، بل عودة إلى ينابيع الزمن الأولى عبر استدعاء الذاكرة التي تعمل ‏على قطع جريان الأحداث وتعليقها ومن ثم استئنافها مرة أخرى،و اللعب على ‏تكنيك مبادئ الحذف والقطع بهدف كسر التسلسل الزمني للبناء الشعري،إذ قد تكون ‏قصيدة قصيرة ومضة،أو تكون معرضة للاسترسال الملحمي عبر المطولات الشعرية ‏الحداثية وبحسب مقتضيات التذكر والاسترجاع بما يؤكد القيم الدلاليّة وقواعد الكتابة ‏الشعرية التي تتشكل على وفق معالجة فكريّة في بعدها العميق الذي تتوارى فيه الأفكار ‏لصالح البناء الفنيّ وجماليات التعبير ، والقصيدة تبنى على تطواف مكاني زماني بين ( مقهى على باب الزبير) و( مقهى شط العرب) وأخيرا (مقهى سيدوري)  

 

( أين سيدوري ؟

وسيدوري تهيء  منذ  أزمان  , موائدها , وتمشط  شعرها ،

وتحاو ر  المرآة…

سيدوري , ستجلس  , في المساء  , الكون

سوف تكون  ربته

وساقية  تجالس  أهله , البحارة  الحكماء

سوف تقول  سيدوري نبوءتها

وتعلن  صوتها

أعلى من الصفصافة  الأولى

وأعلى من سلالم  ذلك  الأفق  البعيد…

وسوف يجلس  حولها البحارة  الحكماء

في أسمالهم

وعلى جدائلهم بروق  البحر , والملح…

…………….

…………….

السفائن سوف تقلع مرة اخرى… ) ([20] )

([20] )

 

وعند التقابل بين صور المقاهي ببعدها الواقعي والأسطوري ،أو ببعد الاستذكار وبعد الرؤيا ، تتكشف أن البحث عن سيدوري بحثٌ عن البصرة المفقودة  بشاطئها وبواباتها الشاخصة في أطلال الذكرى .

وإذا كان( البحث عن سيدوري) عند سعدي يوسف يمثل استذكاراً لماضي شخصي ، وتوزيعا على إيقاع قصيدة السيرة،فإنها عند سركون بولص تمثل بعداً لشقاء الفرد العائش في صدمة الحضارة ، وتعبيرا عن يوتوبيا العدم في عقد لقاء بين روحانية الشرق ومادية الغرب الصناعي .

 

ولكننا قد نلمس شكلاً آخر من صور البحث عن سيدوري الممكن والمستحيل ، يتجلى ذلك بنحو من خفاء الإشارة ولمح الأصل في يوميات ( حمدان المالكي) في مجموعتيه ( مجرد شجرة ) و( مثل ناي ) وهى قصائد تعبر عن انسان مابعد الحرب ، الخارج منهزماً من معاركه الكبرى،وهو يقتطف من شجرة اليقين حكمته ، ويجوب مع نايه مثل راع أضل طريقه .

 

يفتتح المالكي مجموعته ( مثل ناي ) بنصوصه النثرية الفجائعية القصيرة :

(أقصى  ما يمكنني حملته

ظهري ليس سفينة نوح .. )

مشيراً إلى نقض دلالة الطوفان،ورجوعا الى العناية بالتفاصيل الصغيرة من شؤون الأصدقاء المعذبين،وترتيبا للبيت الذي ازدحمت به صور الشهداء من منزل العائلة ، ولكن لحمدان مهمة مستحيلة وهو يكابد هذا العناء :

( كمن يحمل مقبرة على رأسه

أسيرُ لا تستوقفني الوجوهُ

لا يضرني من دمعت عيناه

أو من ضحك

عليّ أن أوصل المقبرةَ

قبل أن تحلّ الهاوية ) [21]

ومن هنا نخلص إلى أنّ إحياء الماضي فى رحلة البحث عن حانة سيدوري قد تمخضت عن وعى حاد بالأمكنة المفتقدة ‏وعن حساسية امتزجت بمؤثرات الوجوديّة وتيار الوعيّ  ومجرى اللاشعور وتدفقه ؛ لتضئ زوايا معتمة من الولع النستولوجي ‏الذي مزق روح الشاعر وهو يجوب المدن الغريبة بعيدا عن السماء الأولى !

 

…………………………………………………………………………………………………………………

 

[1]– ملحمة كلكامش وقصص أخرى عن كلكامش والطوفان ، ترجمة : طه باقر ، دار الشؤون الثقافىة العامة ، بغداد ، 2002 : 138 – 141 .

[2] – ديوان امرئ القيس –تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم – دار المعارف ، القاهرة :

[3]

[4] -الأعمال الشعرية، محمد الماغوط ،دار المدى ، دمشق، ط2 ، 2006   : 215 .

[5] – ينبغي هنا ان نذكر سلفا ان الرؤية مصطلح يشير لشبكة معقدة من علاقات المحيط الخارجي واقعاً وحاضراً وآفاق منظور بالمستوى الداخلي  للشخصيّة ومدارها الاجتماعي وموقعها الطبقي التي تفرز منظورا فكرياً للعالم ينظر في التوسع لهذا المفهوم الذي عملنا على استجماعه من مصادر متعددة منها : الاله الخفي لوسيان غولدمان في ما طرحه في رؤى العالم وهو يبحث الرؤية عند باسكال وراسين ، ترجمة : زبيدة القاضي ، وزارة الثقافة ، الهيئة العامة السوريّة للكتاب ، دمشق ، 2010 ، ورؤية دوستويفسكي للعالم ، نيقولا برديائيف ، ت : فؤاد كامل ، وزارة الثقافة والاعلام ، العراق – بغداد ، ط1 / 1986 ، تطور الشعر العربي الحديث في العراق اتجاهات الرؤية وجماليات النسيج ،د. علي عبّاس علوان ، والرؤية المقيدة ، شكري محمد عيّاد ، ورؤى العالم عن تأسيس الحداثة العربية في الشعر ، جابر عصفور ، المركز الثقافي العربيّ ط1 ، 2008 .

[6] -الخيال الرومانسيّ، س.موريس بورا ، في “الخيال ، الأسلوب ، الحداثة “، ت : جابر عصفور ، المركز القوميّ للترجمة ، ط2 2009 : 74   ، وينظر أيضاً موازنة اليوت  بين ورد زورث وكولردج في : فائدة الشعر وفائدة النقد ، ت.س .اليوت ، ت : يوسف نور عوض ، مر: جعفر هادي حسن ، دار القلم ، بيروت ، ط1 ، 1982 : 70 -71 وما بعدهما . وللوقوف على أثر بليك ومفهومه الشعريّ  لا سيما في تمثلاته التوراتية والإنجيلية ونظرته الى العالم والإنسان بلغة شاعرية ترتبط بمدار الوعي الصوفي دون ان تغرق بالتجريد الميتافيزيقي ينظر : وليم بليك ،  د.ج .كلم ، ت : عبد الواحد لؤلؤة ، منشورات وزارة الثقافة العراقيّة ، 1982  .وينظر أيضا: الخيال الرمزيّ كولريدج والتقليد الرومانسيّ ، ج . روبرت بارت اليسوعي ، ت: عيسى علي العاكوب ،مر: خليفة عيسى العزابيّ ،

[7] -ت .س .اليوت وأثره في الشعر العربيّ – السياب ،صلاح عبد الصبور، محمود درويش – دراسة مقارنة-د.محمد شاهين ، آفاق للنشر ط1 ، 2007 : 115

[8] – الأعمال الشعرية الكاملة ، أمل دنقل، مكتبة مدبولى ، القاهرة ، ط3 ، 1987  :  121 . 

[9] – تحولت القصيدة  على يد بعض الشعراء إلى ممارسة كتابيّة بفعل ما أشاعته قصيدة النثر من ‏غوايات اللعبة الشكليّة التي ترى أنَّ الحداثة الشعريّة في أصولها حداثة شكل وهندسة ‏ومعمار !،وأن القيمة الجمالية تكمن في هدم اشتراطات النوع الأدبي ،وكسر قواعد التجنيس،واهتمام بما يعرف بــ( فضاء ‏النص وعتباته ) ،ولم يدركوا أن التحذلق في لعبة الكتابة ليست هي وحدها من تمنح قيمة ‏شعريّة ، لاسيما عند خزعل الماجدي في (يقظة دلمون) ،ومن بعد في نصوصه المفتوحة ( ‏حية ودرج )، ورعد عبد القادر في (جوائز السنة الكبيسة) ومخطوطاته التراثية،وتاليا عند ‏عبد الزهرة زكى الذي ظل متأرجحاً بين القصيدة الإشراقية في ( طغراء النور والماء ) ومن ‏قبلها ( اليد تكتشف ) والانهماك بالتفاصيل اليومية في ( شريط صامت )من دون ان تتكون ‏قصيدة أداء يومي،بل جاءت النصوص متابعات تسجيلية لمشاهد القتل في الأيام البغدادية .

[10] – الديوان-الأعمال الأولى ، محمود درويش ، ج 3 ،  رياض الريس للكتب والنشر، بىروت ، ط1 ، 2005 : 221 .

[11] -جِيل البِيتْنِكْس..أو صَخَبُ العَيْش ، تيري بايل، ت : مصطفى الرادِقي ، ثقافات ، 2013/03/24

 

[12] -اذا كنت نائما في مركب نوح ، سركون بولص ، منشورات الجمل ، 1998 : 105 .

[13] -الأول والتالي ، سركون بولص ، منشورات الجمل ، 1992

[14] – عظمة أخرى لكلب القبيلة ، سركون بولص ، منشورات الجمل : 221 .

[15] – المصدر نفسه : 9

[16] – إذا كنت نائما فى مركب نوح : 152

[17]– الأعمال الشعرية ، سعدي يوسف ، منشورات الجمل ، مج 5  : 53

[18]–  المصدر نفسه  ، مج 1 : 200

[19] – الأعمال الشعرية ، سعدي يوسف ، منشورات الجمل ،   مج1: 200

[20]– المصدر نفسه ،    مج 4 : 426

[21]– مجرد شجرة ، حمدان المالكي ، دار ميزوبوتاميا ، بغداد : 92 .

شارك هذا الخبر