شعرية الإدهاش بالمجاز :قراءة في ( عمره الماء ) لعارف الساعدي

يحلل النص مجموعة «عمره الماء» لعارف الساعدي، مركزا على الإدهاش بمجازات التصوير، وثنائية الشاعر والنهر، وتحول الأشياء والكلمات، ودور الإيقاع والصور الحسية في المعنى الشعري.

شعرية الإدهاش بالمجاز  :قراءة في ( عمره الماء ) لعارف الساعدي
شعرية الإدهاش بالمجاز :قراءة في ( عمره الماء ) لعارف الساعدي

أ.د. رحمن غركَان
ناقد أكاديميّ

أ.د. رحمن غركَان

ناقد أكاديميّ

 

نقد الشعر إنسان عاقل ، أما الشعر نفسه ؛ فإنسان آخر صيغ من ثمالة الخيال ومن تعب الألسنة ؛ إنه شيء قُدّ من عجل ، نقد الشعر : ذلك الإنسان يمشي باحثاً عن المعنى الشعري ؛ على قدمين عجيبتين ؛ يمناهما  المنهج النقدي ويسراهما المصطلح ، هما اثنان في القراءة ، ولكنهما واحد في الاستقبال والقصد .

واليوم يتعدد إنسان النقد معتاشاً على تكاثر ناس الشعر ؛ على نحو لافت للإنتباه ، فهناك ناس عموديون ينتسبون لما قبل امريءالقيس تضرب أخيلتهم في جذور تراب الذاكرة الجمعية طويلا ، وهناك ناس التفعيلة المنتسبون لوعي النهضة الشعرية ذي المعطيات الجمالية ، والإدهاش الباعث على التأويل ، وهناك ناس الأداء النثري أصحاب النص المفتوح العابر للأجناس ، ابناء اللحظة الحرجة ، الموغلة في التعب المدهش ، وهناك ناس القصيدة التفاعلية الرقمية المنتسبون للتكنلوجيا المعلوماتية ، صدوراً عن ( عالم الإنفوميديا ) وهناك ناس قصيدة شعر المنتسبون للشعر المقيد بكثير من تجليات التراث والمتحرر بالإنفتاح على ؛ لا نهائية طاقة الروح في بثها الشعري ، وطاقة التصوير في أساليب الأداء …… واذن نحن الآن بين يدي خمسة ابناء لإنسان الشعر العربي المهووس براهنه هم : العمود والتفعيلة والنثر والرقمية وشعر . وللمناهج ومصطلحاتها مع كل واحد من هؤلاء الخمسة قصة لا تنتهي . وكل واحد يضمر إشكاليات ويعلن أخرى ، بحسب التجارب الاستثنائية الفردية القليلة في أفق كل واحد . ومما يعني إنسان النقد بين يدي تجربة شعرية معينة هو ؛ ما العناصر التي يشتغل عليها أداؤها ؟ وما الاستثنائي الذي يميزّها من سواها ، وإن بشكل نسبي ؟ والى أي حدّ ينتصر التميز لذى المتلقي انتصاراً خاصاً في صالح التجربة المقصودة بالقراءة ، وعاما في صالح الاتجاه الواحد الذي تقع ضمنه من بين الاتجاهات الخمسة السابقة ؟

 

وهنا سأقرأ في مجموعة عارف الساعدي المحتفلة بعنوان ارتجالي تشبيهي هو ( عمره الماء ) إيحاء بأن صلة المجاورة التشبيهية بين العمر والماء / عمره الماء ، تفصح عن معنى التوق للخلود ، للبقاء ، للازدهار ؛ توق للتعارض مع كل أشكال الغناء . وهي لغة يومية ولكنها فنية في البناء والقصد . تنتسب هذه المجموعة للاتجاه الخامس وهو ( اتجاه قصيدة شعر ) الذي اجتهدت عائلته الشعرية في تبنيه والدعوة له ، وأخص من ابنائها : بسام صالح مهدي وعارف الساعدي ومحمد البغدادي ومضر الآلوسي ومحمد البياتي وحسين القاصد وفائز الشرع ونجاح العرسان وآخرين غير قليلين ذوي تجارب شعرية ذات ثراء خاص .

 

لعارف الساعدي قبل ( عمره الماء ) مجموعة أولى عنوانها ( رحلة بلا لون ) صدرت عام 1999 وقد اشتغل في هذه الأخيرة على عناصر الأداء الشعري ذاتها التي  صدر عنها في ( رحلة بلا لون ) ولكنه هنا أقرب إلى تمثيلها ؛ فنياً والصدور عنها جمالياً ، أقرب إلى ما يوحي باجتهاد في الخلق الشعري مستثمراً أدواته الأولى ذاتها ، فاللون في الأداء والإيحاء بالجمال هو ما تصاعد هنا أكثر من التجريب بآليات جديدة . والسؤال هنا : ما تلك العناصر ؟ أو ما بعضها ؟ لعل أبرز العناصر ؛ الإدهاش الذاتي بمجازات التصوير . أعني اجتهاده الذاتي في الصدور عن نبض العاطفة وفيوضات الاحساس بالأشياء عبر التصوير بالكلمة ، بما يجهله مشتركاً مع غيره في المادة منفرداً منه في الأداء ، وبما يوحي بأن الروح عنده هي الباعث الشعري ، وأن العاطفة محفز ومن ثمة تجيء الغنائية التصويرية سمة لافتة في نصه الشعري ، غير أن عمق التخييل فيها وفاعلية التصوير تسحب وقع الغناء إلى مساحة التأمل بسبب من ثراء الصورة وابتعادها عن الشيوع أو النزوع التقليدي ، هنا يشترك مع ( شعر التفعيلة الاستثنائي ) في حيوية الإدهاش الباعث على التأويل ، ومع ( شعر النثر غير التقليدي ) في الارتفاع باليومي أو الآني إلى أفق الرؤيا ، إلى انفعال المعنى الشعري بعمق الأشياء انطلاقاً بث صورها المباشرة شعريا ….

 

ومن اليومي المنفعل بمجاز الصورة الباعث على التأويل :

 

  • 1- عذبٌ هو القلبُ لو سوّرْته شجركْ

 

  • 2- مرّ الزمانُ وعاف الناس وانتظركْ

 

  • 3- لم يبْتكر للجراح البيض أغنيةً

 

  • 4- لكنّ جرحاً أراد الماء فابتكركْ

 

  • 5- مولاي ضحكتك الغيم الشقي …. فهل

 

  • 6- ألْبسْت صيفَ الحكايا والرؤى مطركْ

 

في هذه القطعة ست جمل شعرية ، تشترك كلها في أفق من معنى شعري واحد ، هو التوق إلى بناء شيء عصي على الغياب ، والماء هنا هو مثال ذلك الشيء ، أما الأشياء الأخرى في هذه القطعة فتكتسب حيويتها من تمثّل صورة الماء ؛ وهكذا تقرأ في الجملة الأولى ؛ أن الشاعر يرسم القلب في صورة الماء بدلالة العذوبة منه ، موحياًبان حدود الحياة إثر ذلك سور من شجر ، وإذ يكون كذلك فهو انتظار دائم تمر الناس عليه وتتعاقب الأزمنة ، الماء انتظار ، والقلب حين يكون ماءً فهو انتظار أيضاً ، كأن يمنح منتظريه الحياة  دائماً من دون مقابل ، إنه انتظار ، لا يبتكر للألم أغنيات مهدئة ، غير أن الجراح أرادت العافية فابتكرت قلوباً من ماء . في الجملتين : الثالثة والرابعة إيحاء بالتقابل بين القلب حين لا يبتكر للجراح إلاّ الشفاء وبينه ابتكاراً تصطفيه الجروح . ليختم الشاعر القطعة بالجملتين الخامسة والسادسة مخاطبا القلب بوصفه مولى سيدا ، بوصفه إنسانا ، معنى الفرح عنده غيم ، غيم شقي ، يخاطبه متسائلا عن الصورة التي بدا مطر القلب فيها أردية من غيم نكسو بها حكايا الواقع المؤلم كالصيف ونكسو بها صيف الرؤى علّه يبرد قليلاً ؛ حين يلبس صيف الرؤى شيئا من مطر القلب ، أو حين يلبس صيف الحكايا شيئا منه أيضا ، فإن المعاني إثر ذلك تتجه إلى الازدهار ، لأنها عند ذلك تطرح شيئا من ثمرها . ثنائية ( القلب / الماء ) هنا هي ما تبدع المعنى الشعري ، هي مادته ، ورؤاه ، وقراءتها بعين العقل النقدي لا تثمر معنى ذا بال ، ولذا يلزمها الكشف بلغة المجاز ، بوصفها أدعية تتقرب بها لغة النقد من نوال المعنى الشعري ، لتضع المتلقي على ضفافه ، لانها ان وضعته فيه بإيقاعه الموضوعي المباشر فستذبل زهرته اليانعة ….!!!

 

تلتقي قصيدة شعر كما عند عارف هنا مع العمود التقليدي في الشكل الظاهر ولكنها تتميز منه في الشكل المضمر كونه كلام الأداء الشعري الذي تفصح عنه كل تجربة على انفرادها ، الشكل الظاهر حدّ في مسافة ومعيار للقاء ، والشكل المضمر وعي بالأداء وكيفية في التميّز ، وهذا ما أجتهد فيه شعراء ( قصيدة شعر ) منهم عارف في ( عمره الماء ) .

 

ومن خصائص التميّز في أدائه الشعري قدرته الفنية على تصوير التميّز بوصفه اختلافا إيجابياً بلغة تؤنسن الأشياء وتتصل بها في شيء من صميمية ، من ذلك مطلع قصيدة ( عمره الماء ) التي استعارها عنوانا للمجموعة كلها ، اذ يقول مطلعها :

 

  • 1- عندما مرّ عمره في الأغاني

 

  • 2- نبت الفجر في ضفاف اللسان

 

  • 3- واشتهى الطين أن يغني خجولا

 

  • 4- والفتى مرّ من عيون الزمان

 

  • 5- غازلاً قمحنا البريء نشيدا

 

  • 6- وشباكا تصيد طير الأماني

 

  • 7- أيقظ النهر والنعاس على الماء

 

  • 8- تدلّى فلملمته اليدان

 

  • 9- ومشى كان خلفه النهر يمشي

 

10 – والخطى تزرع الضفاف الغواني

 

تنكسر حدود الشكل العمودي هنا لتفتح آفاقاً من حدود تصويرية أخرى ، الفاعل فيه توق الوجدان للتحقق عبر صور شعرية تتحول فيها الأشياء إلى كلمات شعرية والكلمات إلى أشياء ، لأن الوقائع والكلمات تتبادلان الأدوار ، هنا كما في سائر شعره ، ثلاثة أشياء رئيسة ، الذات بوصفها وجدانا ، والكلام بوصفه إيجادا ، والتوق إلى التميّز كونه جزءاً من المعنى الشعري .

 

( عمره الماء ) في هذه القصيدة وعلى أنها عنوان للمجموعة تذهب ذات الشاعر بكلامها إلى معنى صرّح به المتنبي سيّده بتعال ، وألمح هو إليه هنا بوعد عبر ضمير الغائب ؛ فالمتنبي بضمير الأنا المتعالية عنده قال :

 

أنام ملء جفوني عن شواردها

ويسهر الخلق جرّاها ويختصمُ

 

توق المتنبي للخلود منفعل بـ ( الأنا المتعالية ) وتوق الشاعر المعاصر هنا بـ ( عمره الماء ) أعني بثراء اللغة في الإيجاد ، ولهذا جاءت الذات هنا موصوفة بـ ( ضمير الغائب/ عندما مرّ عمره في الأغاني) والكلام بالإيجاد عبر انزياحات غير تقليدية ؛ والمعنى بالإيحاء أو الحدس أو التأويل وليس بالموضوع والتحدي الصارخ ( يسهر الخلق جراها ويختصم ) .

 

في الجملة الأولى يتبدّى العمر في صورة مسافر يمر بالاغانيرحيلا  وتعلة من سفر ، وفي الجملة الثانية الفجر نبتة خضراء واللسان نهر ، ومن ثمة فإن المضمر في الجملتين ثلاثة أشياء : السفر والإنبات والنهر ، وختام كل شيء منها معنى من أمل . وفي الجملتين الثالثة والرابعة ، يتبدى الطين في صورة إنسان نمر عبر عيونه الى رحينا . والمضمر في الجملتين المغني الخجول الذي يمرق من عيون الزمان ، والانسان في كل ما سبق هو الشاعر نفسه ، والمغني أوضح معانيه . وفي الجملتين ؛ الخامسة والسادسة تتبدى الحياة / القمح ؛ نسيجاً من أناشيد ، نسيجا من شباك ، نسيجا من طيور وأمان ، والمضمر في كل ذلك هو الرؤى ، ولهذا يتبدّى في الجملتين ؛ السابعة والثامنة النهرُ في صورة إنسان ، كما كان اللسان في الجملة الثانية نهرا . والنعاس يتبدى في صوره شيء يتدلى في الغياب فتجمعه الحواس ، والفاعل في كل ذلك صورة الشاعر ، ذاته ، تجليات أناه ، وهكذا يأتي للجملتين التاسعة والعاشرة فيتبدّى النهر في صورة إنسان ، وخطى الشاعر في صورة فلاح ، خطاه تزرع الضفاف تلك التي تبدو نساءً غوانيا …!!! الشاعر والنهر يتبادلان الأدوار في تعبير المعاني الشعرية وفي التعبير عنها ، ولغة الماء هاجس في الأداء ، والحقول الدلالية لألفاظ الماء مهيمنة على نبض الحياة في المجموعة كلها . ولهذا تأتي الجملتان ؛ الحادية عشرة والثانية عشرة لتوحيا بذلك وتشيرا إليه بوضوح :

 

11 – كان يمشي فتنبت الأرض ماءً

 

12 – وحقولاً كأنهنّ أوانِ

 

قصيدة شعر – كما عند عارف – تنأى عن المواضعة على الرغم من أن المواضعات تحيط بعناصر شكلها الظاهر ، وتزخر بكثافة الانزياح الشعري ، في منافسة قصيدتي : التفعيلة والنثر ، وترتفع عليهما قليلاً في ذائقة التلقي الغنائي ولا سيما ذاك الذي يؤثر فيه صدور الشعر عن الروح في طفولة معانيه ، وعن كثير من الأداء الحسي ؛ عبر إيقاع النغم سماعاً ، وإيقاع الصور السمعية والبصرية والذوقية واللمسية والشمية ، مما تزخر به الصور الشعرية في القصيدة الحديثة في تجاربها الاستثنائية .

 

إذا كان الشاعر واعيا لاختياره ( عمره الماء ) عنوانا لهذه المجْموعة فهو وعي منه بتجربة ما يكتب ، وإن لم يكن واعيا بذلك فإن ثنائية ( الشاعر – النهر ) نسغ عضوي يجري في كل قصائد هذه المجموعة ، بما يكشف – على أية حال – عن استجابة لعنصر غني – تعبيري جار في جسد المجموعة كلها .

 

الإدهاش بالمجاز في القصيدة الحديثة شأن عام ، وثراء المعنى الشعري بلغة الانزياء وعي فني ، غير أنه في الشعر المقيد بضفتي العمود التقليدي ، لا يحقق تأثيرا فنيا إلاّ إذا فاض المعنى الشعري فيه انطلاقاً من الكلام وليس من اللغة ، وصدوراً عن الروح وليس عن العقل الشعري ، وتأسيسا على تناسب الأشياء كلها في إبداع الشعر على نحو من حرية فنية توجد ولا تقيد وتشرع ولا تقف ، ليكون المعنى إثره إيجادا ، ومنهج قراءته وعي بالايجاد وكيفيته ، وآليات القراءة ومصطلحاتها استجابة لفاعلية الأداء الشعري اللاحق أكثر منها للعقل الشعري السابق .

 

* عمره  الماء ، مجموعة شعرية ، عارف الساعدي ، سلسلة نخيل عراقي ، منشورات الاجتهاد ، ط1 ، بغداد ، 2008 .

شارك هذا الخبر