أثير – تاريخ عمان
إعداد: نصر البوسعيدي
تاريخ العمانيات المجيدات تاريخ ناصع تسطره صفحات التاريخ بكل فخر واعتزاز، فالأم والزوجة والابنة العمانية يملكن من الشأن والرفعة في هذا الوطن العزيز ما يجعلنا جميعنا نحن معشر الرجال نفخر بهن في كل محفل فالمجتمع المتحضر لا يتقدم خطوة إلا باحترام مكانة المرأة واجتهادها.
ويذكر التاريخ بأن العمانية أصبحت بمكانتها فقيهة وسياسية ومربية ومؤثرة في مجتمعها، كالشيخة عائشة الريامية مثلا من كانت في أيام الدولة اليعربية فقيهة زمانها يرجع لها الناس في الفتوى لدرجة أن طارد البرتغاليين الحاكم الإمام قيد الأرض سيف بن سلطان اليعربي كان يستمع لمشورتها ويحترم رأيها حتى حينما عارضت في البداية توليه للإمامة وألزمته بالمكوث في بيته حتى يستقيم الأمر.
وكذلك لا ننسى السيدة موزة البوسعيدية ابنة الإمام أحمد بن سعيد السياسية المناضلة التي حكمت عمان مؤقتا وحاربت الطامعين بعد اغتيال السيد سلطان بن أحمد حتى تؤمن الحكم للسيد سعيد بن سلطان الذي أصبح فيما بعد أهم سلاطين عمان الذين كونوا امبراطورية عمانية شاسعة ستبقى أمجادها مسطرة في التاريخ للأبد.
وهنا سنكمل سردنا عن العمانيات المجيدات لنتحدث عن تلميذة الأديب المصري الكبير طه حسين التي أصبحت فيما بعد أول خليجية تحصل على شهادة الدكتوراه بكل تفوق في زمانها. إنها الدكتورة العمانية فاطمة بنت سالم بن سيف المعمرية، ووالدتها خديجة بنت عبدالله بن حمد البوسعيدية.
كان جدها الثري سيف بن سعيد صاحب (البيت الكبير) من الذين يجتهدون كثيرا في طلب العلم بكل حرص لتنشئة أطفاله في أفضل المدارس المتاحة، لذلك قرر السفر من إبراء تحديدا إلى زنجبار درة العمانيين التي كانت أندلس أفريقيا بحق زمن حكم سلاطين عمان، فكانت الملاذ والخيار الأفضل للوالدين بحكم تطور زنجبار كثيرا وانفتاحها على الثقافات الأخرى بشكل أكبر.
فنشأ أولاده هناك ومنهم والد فاطمة التي ولدت في زنجبار سنة 1911م.
قرر والدها السفر إلى مصر التي كانت مقصد كل العرب لتفوقها في المجال العلمي وهي الدولة التي كانت تقدم الفرص الأكبر في مجال التعليم، لذا ففاطمة وأخوتها نالوا نصيبهم من التعليم في مصر حيث حرص والداها على تعليمهم في مدارس مختلفة لعدة لغات وهي العربية والإنجليزية والفرنسية، وكان نصيب فاطمة أن درست مرحلة الابتدائية في مدرسة السنية في حي السيدة زينب، وقد حصلت في مدرستها على تقدير الكفاءة والتميز في سنة 1927م، وفي ذات السنة التحقت بكلية الآداب في الجامعة المصرية أو جامعة القاهرة وتتلمذت على يد الأديب المصري المعروف طه حسين الذي كان على صلة كبيرة بعائلتها ووجهها في الجامعة لدراسة تخصص الدراسات الأوروبية القديمة، وتخرجت في عام 1933م بحصولها على شهادة البكالوريوس من قسم الدراسات القديمة، لذا تعد فاطمة من أوائل بنات العرب من حصلن على البكالوريوس في الجامعة المصرية.
وفي عام 1936م أكملت فاطمة دراستها بمعهد التربية للبنات ولتتخرج في عام 1937م وتحصل على دبلوم التربية الصادر من وزارة المعارف المصرية.
وفي سنة 1942م منحت فاطمة المعمرية درجة الماجستير برتبة الشرف الثانية من كلية الآداب قسم الدراسات القديمة.
ونشير هنا إلى أن فاطمة بعد حصولها على الماجستير طالبت إدارة الجامعة بتوظيفها لكنها اعترضت على طبيعة التعاقد معها ولأنها عمانية فالجامعة كانت توظف غير المصريين بعقود مؤقتة، مما جعلها تستاء لأنها بذلك لن تكسب حق مواصلتها للتعليم في الخارج ولا راتبا للتقاعد، وهنا تدخل أستاذها الأديب المصري المعروف طه حسين الذي كان يرأس جامعة الإسكندرية آنذاك واعترض بشدة لهذا القانون الذي لم يستثنِ العمانية فاطمة، لذللك قدم طه حسين لمجلس الوزراء المصري توصية لمنحها الجنسية المصرية لتنال حقها الكامل بالتوظيف.
وبالفعل منح مجلس الوزراء المصري في 15 ديسمبر سنة 1942م الجنسية المصرية للعمانية فاطمة المعمرية، وفي العام التالي تم توظيفها كمدرسة في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول، لذلك استطاعت أن تحصل في بداية الخمسينات على فرصة الابتعاث إلى جامعة لندن لدراسة الدكتوراه على نفقة الحكومة المصرية وحصلت على الدكتواره في مجال اللغة اللاتينية وتحديدا في عام 1955م، لتصبح المعمرية أول امرأة على مستوى الخليج تحصل على الدكتوراه فلم يسبقها أحد في ذلك من الجنسين بالمنطقة، وقبل ذلك كانت من أوائل الرائدات في منطقة الشرق الأوسط بمستواها الأكاديمي فهي تعد من الدفعة الثانية لأوائل العربيات اللاتي حصلن على شهادة الدكتواره.
وقد تقلدت الدكتورة فاطمة في مصر الكثير من الوظائف في الصروح الأكاديمية وكذلك عادت إلى السلطنة موطنها في عام 1974م لتعمل في مطلع الثمانينات أستاذة اللغة الإنجليزية في وزارة الدفاع وقوات السلطان المسلحة.
ولا ننسى أن نذكر هنا الأوسمة والتكريمات التي حصلت عليها فقد كرمها الرئيس المصري الراحل أنور السادات بميدالية ذهبية تذكارية في عام 1978م، احتفاءً بدورها الريادي في مسيرة التعليم بمصر في القرن العشرين.
وكذلك كرمتها جامعة الإسكندرية والعديد من الجهات المصرية، وفي السلطنة كذلك تم تكريمها في عام 1982م، كأول امرأة عمانية تخرجت من الجامعة وحصلت على الدكتوراه.
وها نحن هنا نحاول جميعنا أن نسلط الضوء على سيرتها العطرة لنحكي لأجيالنا تاريخا ناصعا من تاريخ المجيدات العمانيات من أبهرت الأديب المصري طه حسين باجتهادها وطموحها.



المرجع : الرائدة أ.د فاطمة سالم سيف المعمري(1911-2002م) – دراسة تاريخية وثائقية أكاديمية، د. آسية البوعلي،الطبعة الثانية2014م،بيت الغشام للنشر والترجمة مؤسسة التكوين للخدمات التعليمية والتطوير – سلطنة عمان.