بشائر العزرية تكتب: مسندم تاريخ حافل وحضارة عريقة
بشائر العزرية
تعد محافظة مسندم واحدة من المعالم البارزة في العالم حيث تفصل الخليج العربي عن بحر عمان، وهي شبه جزيرة متجهة في شكل يشبه رأس الحربة نحو جمهورية إيران الإسلامية الواقعة على مقربة منها.
شاهد صامت على العصر
شهد المعبر البحري الضيق الفاصل بين سلطنة عمان وجمهورية إيران الإسلامية حركة تجارية نشطة منذ عصور الحضارات العتيقة لبلاد ما بين النهرين (أي دجلة والفرات) ومنذ الألفية الثالثة قبل الميلاد أو قد يكون قبل ذلك.
ونظراً لوقوع محافظة مسندم على هذا المنفذ الإستراتيجي الذي يتحكم في طرق التجارة بين عمان والشرق الأوسط وبلاد الشرق وأفريقيا فقد جعل منها شاهد عيان على التحولات التاريخية لأكثر من خمسة آلاف عام، فمن كونها معبراً للقوارب القصبية المحملة بالنحاس من مجان قديمًا إلى بلاد الرافدين، إلى أن أصبحت اليوم ممرًا للناقلات الضخمة المحملة بالوقود الأحفوري من بلدان الخليج العربي إلى أنحاء العالم.
تبدو مسندم شاهدًا صامتًا على مجريات لأحداث في كل تلك الحقب من الزمان، فلم يرد ذكر مسندم سوى القليل من كتابات الرحالة القدماء، وبالرغم من موقعها الاستراتيجي إلا أنه لا يعرف عن تاريخها قبل الإسلام إلا القليل.
أطماع العالم القديم في المنطقة
في عام ٣٢٣ قبل الميلاد أبحر الأسطول البحري العظيم للملك ألسكندر تحت لواء القائد البحري الأدميرال نيركوس من نهر الفرات عبر رأس مسندم إلى بيبلون حيث كان الملك العظيم في انتظاره.
كان ألسكندر يخطط للاستيلاء على المناطق الواقعة على جانبي الخليج العربي وضمها الى أوروبا وآسيا لكي يحقق حلمه في تشكيل إمبراطورية عالمية، لكن، لم يكتب لهذا الطموح الذي لم يسبق له مثيل أن يرى النور بسبب الموت المفاجئ الذي وافى الملك ألكسندر عشية احتفاله بخروج الحملة الاستطلاعية إلى منطقة الخليج، وبهذا انتهى حلم الملك باعتلاء عرش الإمبراطورية العالمية.
أورد ذكر مسندم أيضًا عالم الطبيعة الروماني “بليني” ، الذي أشار إلى صخورها المخيفة في كتابه الشهير “التاريخ الطبيعي في القرن الأول الميلادي” كما ذكرها عالم الجغرافيا “بتوليمي” في كتاباته العلمية حول جغرافية الأقاليم.
ظهور الإسلام
اعتنق أهل عمان الإسلام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وهزمت القبائل العُمانية الساسانيين في معركة بالقرب من دبا في عام ٦٣٣م. ودخل أهل مسندم بعد تلك المعركة الإسلام. ففي القرون اللاحقة كانت الكتابات المعروفة حول مسندم صامتة في حين أشارت بعض المستكشفات الأثرية إلى وجود شواهد على استيطان الساسانيين للمنطقة من القرن الرابع إلى السادس الميلاديين.
شموخ هرمز وسقوطها
من القرن الثالث عشر إلى الخامس عشر الميلاديين صارت هرمز قوة اقتصادية، ومن البديهي أن تكون مسندم قد تقاسمت معها بعض المنافع المادية. وقد شاع ثراء هرمز الفاحش حتى قيل إنه ( لو كان العالم خاتمًا لكانت هرمز الجوهرة التي بداخله). وقد ذكر المغامر ماركو بولو في القرن الثالث عشر الميلادي أن العرب سادوا هرمز في جزيرة أورموس (هرمز) توجد مدينة وسمية وواسعة على ضفاف البحر، وسكانها من العرب الذين يدينون بدين محمد صلى الله عليه وسلم.
وصف أيضًا ماركو بولو الثراء التجاري للمدينة بقوله (كان الميناء يعج بالتجار القادمين من مختلف أنحاء الهند ومعهم التوابل والعقاقير والأحجار الكريمة واللؤلؤ والذهب وأسنان الفيلة وغيرها من البضائع التجارية التي يبيعونها لمجموعة من التجار الذين يقومون بدورهم بالمتاجرة بها في أنحاء العالم).
وكان السقوط، عندما غزا البرتغاليون هرمز في عام ١٥١٥م وأصبحت معقلاً لهم في المنطقة حتى جاء الفرس في عام ١٦٢٢م أي بعد أكثر من قرن بقليل وأجلوهم منها.
محافظة مسندم اليوم
أصبحت مسندم اليوم جزءًا لا يتجزأ من سلطنة عمان، وذلك بفضل البنية الأساسية الحديثة والربط الجوي والبحري الذي تنعم به في الوقت الراهن. وتحظى كذلك بفرص متساوية في الانتفاع بالاقتصاد الحديث، بالإضافة إلى احتضانها لتراث فريد صنعه أناس مميزون.





