أثير- سيف المعولي
من اخضرار أرض ظفار نبتت “جينات” العطاء معه، ومن شموخ جبال مسندم اكتسب الإرادة والتحدي، ومن السواحل الممتدة من شمال عُمان إلى جنوبها ظلت أمواجُه تتواصل بالعزيمة والإصرار على تغيير المسار؛ ليكون كما يريد ويحلم.
حمل “عُمان” معه أينما ذهب؛ فكانت هي الحافز. وجعل العطاء العماني المتواصل أمام ناظر عينيه؛ فأحسّ بـعظم المسؤولية. والتفت حوله فرأى أنه جزءٌ من منظومة العطاء؛ فبذل الوقت والجهد ليكون “ضمن الركب”، وليستحق بعدها ارتقاء سلم النجاح.
قال بأن لكل فرد من البشر قصة، وإنه “شغوفٌ” بقراءتها في عيونهم، لكنّ قصته مع الكفاح والطموح خلال مسيرته المهنية التي تمتد لثلاثة وثلاثين عامًا من الصعب جدًا أن نختزلها في أسطر؛ فالساعة والنصف التي قضيتها في الحوار معه مرّت كـ “لمح البصر”، وعرفتُ بعدها بأنني أمام تحدٍ كبيرٍ مع اللغة لسبك الحروف وانتقاء الكلمات؛ لـ “تليق” بهذه السيرة التي اعتمدت -بعد الإيمان بالله- على “العزيمة والإرادة ” وغيرها من عناصر النجاح والكفاح.
إنه الشيخ خالد بن عبدالله بن محمد المسن الرئيس التنفيذي للمؤسسة التنموية للشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال، الذي سرد المشاهد لـ “أثير” منذ البدايات حتى وصوله إلى منصب الرئيس التنفيذي لهذه المؤسسة الرائدة التي تعدّى صيتها حدود الوطن ليصل إلى منظمات ومنصات عالمية كجامعة الدول العربية وقبلها منظمة التجارة العالمية وأخيرًا الاتحاد الدولي للغاز .

الشيخ خالد أثناء حديثه لـ “أثير”
البدايات: في أم الدنيا
نشأ خالد المسن في عائلة ذات حظوة اجتماعية ودينية بارزة؛ فجده عالمٌ فقيه وإمام مسجد، لكنها عايشت شظف العيش، شأنها شأن أغلب الأسر العمانية في تلك الفترة قبل مجيء النهضة المباركة تحت ظل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم-حفظه الله ورعاه-، الأمر الذي حدا بجده ووالده للسفر بحثًا عن الرزق خارج حدود الوطن، فاستقروا في دولة الكويت الشقيقة، وبعدها سافر والده إلى القاهرة عاصمة مصر “أم الدنيا”، ليرزقه الله هناك مولودًا هو الأول من الذكور، فسمّاه “خالد”.
التعليم والانضباط
بدأ المسن دراسته الابتدائية في الكويت، وعند انتقال عائلته إلى السلطنة استقروا في العاصمة مسقط، فكانت مدرسة جابر بن زيد في الوطية هي الحاضنة لدراسته الثانوية، وكان مديرها أبو حاتم بـ “عصاه” عنوانًا للانضباط وهي السمة التي لازمت البيئة المنزلية التي نشأ فيها. وهنا يؤكد خالد النهج الكريم الذي غرسه فيه والده الذي كان المثل الأعلى والحافز الأكبر الذي أهّله ليصل لما هو عليه اليوم.
الفرصة لتصحيح المسار
بعد انتهاء رحلة الثانوية العامة، اتجه خالد المسن لأولى محطات النجاح، حيث التحق بإحدى فرص التدريب الفنية بشركة تنمية نفط عمان وهي عبارة عن دورة للحام والنجارة، متسلحًا برغبةٍ ملحةٍ لتصحيح هذا المسار، خصوصًا وأنه يرى بعض أقرانه قد أصبحوا “أفضل” منه بمعيار تلك السنوات، فقرر تحدي نفسه للانطلاق من تلك المنصة إلى آفاق أرحب.
علِم بأن هناك “فرصة” في هذه الدورة، من يحصل عليها سينتقل إلى العاصمة مسقط فانتهزها، واستحقها بجدارة؛ وبدأ مسارًا جديدًا للحصول على دبلوم في المحاسبة والاقتصاد، لكن هذا المسار الجديد لم يلبِ طموحه أيضًا؛ فسقف تطلعاته أصبح يطاول النجوم.
وُضِع المشارِكون في الدورة أمام تحدٍ جديد هو: من يحصل على المركز الأول يتم ابتعاثه إلى المملكة المتحدة لاستكمال دراسته الجامعية، فكان “خالد المسن” بما يملكه من إرادة وطموح ورغبة هو الظافر بهذه الفرصة التي بلا شك غيّرت حياته إلى الأبد.
الانطلاق في المسؤولية
يُقال بأن لكل قصة عقدة، وعندما يأتي الحل تنطلق الشخصية إلى مسارها الذي تحبه، وهذا ما حدث لخالد، فما إن استطاع تغيير “ما لم يكن يرغب فيه”، حتى واصل مسيرته المهنية وتدرجاته الوظيفية في شركة تنمية نفط عمان، حتى تم اختياره ضمن برنامج أفضل 100 شخص في برنامج تطوير الكوادر العمانية لتدريبهم وتأهيلهم وصقل مهاراتهم، ثم جاءته الفرصة للانتداب في شركة شل العالمية ليتقلد فيها إحدى الوظائف المشرفة على أعمال الشركة في الخليج والشرق الأوسط وجمهورية روسيا الاتحادية. يتحدث عن هذه المرحلة فيقول: في الحقيقة لا أنكر أبدًا الجهود الكبيرة لشركة تنمية نفط عمان في الاهتمام بالكوادر الوطنية العمانية، وابتعاثها والتأكيد على تدريبها وصقل مهاراتها، وأقول بكل فخر بأن ما وصلت إليه اليوم كان بجهد ومساندة رؤسائي السابقين لا سيما العُمانيين منهم”
اختيار مستحق
قال الإمام علي بن أبي طالب -كرّم الله وجهه-: “الرجال صناديق مغلقة مفاتيحها الكلام”. بهذه العبارة نستهل القصة التي حدثت لخالد المسن في دبي والتي غيرت مساره الوظيفي هذه المرة.
يقول المسن إنه في يوم ما زار مكتب شركة شل العالمية بدبي مسؤول عماني رفيع لمناقشة بعض الموضوعات المشتركة وهناك تفاجأ بوجود شاب يرتدي الزي العماني الرسمي ويترأس الموظفين الأجانب الذين حضروا الاجتماع ويتحدث ويحاور بكل جدارة وثقة واقتدار مما لفت انتباه المسؤول العماني، وحدا به إلى أن يتعرف عن كثب على هذا الشاب. وبعد ذلك، عرض عليه فرصة العودة إلى العاصمة مسقط للعمل ضمن الطاقم المؤسس لشركة وطنية جديدة أنشئت بتوجيهات سامية من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – وهي شركة قلهات للغاز الطبيعي المسال التي أصبحت فيما بعد محطة نجاح يشار إليها بالبنان.
تحدٍ جديد
رغم أن الانتقال من شركة تنمية نفط عمان إلى شركة قلهات للغاز الطبيعي المسال سيكون بالمستوى نفسه (بمسمّى مدير) إلا أن خالد المسن رأى فيه إسهامًا وطنيًا فاعلًا وفرصة مواتية لمستقبل مشرق.
تقبل الشيخ خالد المسن هذا التحدي الكبير رغم ما يكتنفه من تحديات ومسؤوليات كبيرة مستمدا ثقته في النجاح من حسه الوطني وما لمسه من المشرفين على المشروع من شغف وطموح، حتى حظي بثقة مجلس إدارة الشركة وتم تعيينه رئيسًا تنفيذيًا لمؤسستها التنموية التي أصبحت اليوم رائدة في مجال العطاء.

يتسلّم جائزة السلطان قابوس للعمل التطوعي
مؤسسة مرموقة بأداء عالمي
انطلقت المؤسسة التنموية للشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال أعمالها في العام 2015م، بأهداف وطنية، يقول عن ذلك المسن: إنشاء المؤسسة كان مهمًا للدفع ببرامج المسؤولية الاجتماعية للشركات وتكوين قاعدة قوية ومستدامة لهذه البرامج وتطويرها، وتعزيز القيمة المضافة، ورد الجميل للمجتمع العُماني، وكذلك تحفيز بقية الشركات والمؤسسات على انتهاج المسؤولية الاجتماعية والتنافس فيما بينها ليكون الرابح الأول هو المجتمع وسكّانه.
واليوم بعد مرور نحو ثلاث سنوات فقط استطاعت هذه المؤسسة أن ترسّخ اسمها كرائدة في مجال المسؤولية الاجتماعية داخل السلطنة وخارجها، بأكثر من 6000 مشروع ومبادرة، بعدما خصصت الشركة 1.5% من عوائدها لهذا القطاع، بل إنها خصصت جزءًا منه للاستثمار ليدر عوائد مستقبلية تضمن استمرار المشاريع وعدم تأثرها بتقلبات أسعار النفط والغاز، لتستحق شرف نيل جائزة السلطان قابوس للعمل التطوعي كأفضل شركة داعمة للعمل التطوعي لعام 2017، وجائزة أفضل شركة في المسؤولية الاجتماعية في الوطن العربي ضمن جوائز أفضل العرب لعام 2017.
ليس هذا فحسب، بل أصبحت المؤسسة نموذجًا يُشار إليه بالبنان في المحافل الإقليمية والدولية، وليس أصدق من ذلك سوى الدعوات التي تتلقاها المؤسسة التنموية باستمرار لعرض أعمالها ومنهجها في المسؤولية الاجتماعية وقصة نجاحها أمام كبريات الشركات وكبار المسؤولين في كبرى المؤتمرات والمعارض الدولية المختلفة كمنظمة التجارة العالمية، وكذلك في جامعة الدول العربية ومؤخرًا في الاتحاد الدولي للغاز. يتحدث المسن عن هذا الموضوع بفخر فيقول: في الحقيقة هم يُذهلون عندما يستمعون لتجربة السلطنة الرائدة في المسؤولية الاجتماعية، حتى إن مسؤولي كبريات الشركات في قطاع النفط والغاز أبدوا شغفهم واهتمامهم لزيارة السلطنة والوقوف على مشاريعنا التي قمنا بها والاستفادة منها.
روح الفريق الواحد
اليوم استطاعت المؤسسة بفضل تظافر الجهود والخبرات التي تعمل بها أن يصل عائدها الاجتماعي في بعض المشاريع إلى 8 أضعاف المبلغ المستثمر في هذه البرامج نظير كل ريال عماني يتم إنفاقه، وهو أمرٌ ليس بغريب خصوصًا إذا ما علمنا أن “ربّانها” استثمر في نفسه حتى جنى أضعاف ما بذله من وقت وجهد ومثابرة واختير ضمن أفضل ١٠٠ رئيس تنفيذي في الوطن العربي، لكنه عارضني في هذه الفكرة بشدة، مؤكدًا بأن ما وصلت إليه المؤسسة لا يعود الفضل فيه له وحده وإنما لجهود الفريق الواحد الذين يحاول أن يغرس فيهم ما وجده في نفسه وآمن به.

أثناء تكريمه ضمن أفضل ١٠٠ رئيس تنفيذي في الوطن العربي
لا حدود للطموح
لم تكن الوظيفة الفنية التي انطلق بها الشيخ خالد المسن في فهود إلا شمعة أنارت له الدرب، ولم تكن التربية الفاضلة في المنزل إلا وسيلة تجاوز بها تحديات الحياة، ولم تكن الطباعة على “الكربون” في البدايات إلا مفتاحًا لمراسلاته لكبريات الشركات في العالم اليوم، ولم يكن “الانضباط البيتي” الذي عوّده عليه والده الكريم إلا نظامًا حياتيًا استمر عليه حتى الآن؛ ليكون التميز والالتزام والطموح والشغف في خدمة الفرد والوطن عنوانه وهاجسه.




