ما ملامح التحولات الرقمية في المجتمع العُماني؟

ما ملامح التحولات الرقمية في المجتمع العُماني؟
ما ملامح التحولات الرقمية في المجتمع العُماني؟

مسقط-أثير
إعداد: ثريا العذالية


أسهمت التكنولوجيا الحديثة وبروز الوسائل التقنية بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي في إحداث نقلة فارقة في توجهات الأفراد وقناعاتهم بالمجتمعات، فأثرت بحكم حداثتها وتقانتها التي سهلت الحياة العامة في جذب الأفراد وتمسكهم بها، مما أدى بدوره إلى إيجاد ثقافة وأسلوب حياة مختلفين بعض الشيء عما كانا عليه سابقًا.

في هذا الصدد أوضح مبارك الحمداني – باحث اجتماعي – الخلط الحادث بين عدة مصطلحات، قائلا: هناك من يتحدث عن “مجتمعات رقمية”، و”مجتمعات إلكترونية”، و”مجتمعات افتراضية” و”مجتمع المعلومات” ومصطلحات مشابهة تفتقد لمحاولات البحث العميق والرجوع بها إلى الأصل الفلسفي والمحاكمة من الناحية التأصيلية .

وأضاف: مصطلح “المجتمع الإلكتروني” الذي عرفته بعض الأدبيات على أنه “الحواسيب”، “الاتصالات”، ” شبكات الوسائط المتعدّدة ” هو مجموعة من الخدمات وأشكال النشاط الإنساني التي تحوّلت من الفضاء الواقعي إلى الفضاء الإلكتروني، وهي موجهة لمجموعة من الأفراد ليس بالضرورة أن يكونوا ناشطين في الفضاء الإلكتروني أو يكونوا مجتمعات إلكترونية، أو تربطهم روابط إلكترونية. وبالنسبة للمصطلح الآخر”المجتمع الافتراضي” فقد وصفه ورد رينغولد بأنه “تجمّعات اجتماعيّة، تنشأ من الشبكة، حين يستمرّ أناسٌ بعددٍ كافٍ، في مُناقشاتهم عَلَنيّا، لوقتٍ كافٍ من الزمن، بمشاعر إنسانية كافية لتشكيل شبكات من العلاقات الشخصيّة في الفضاء السيبراني”.

وتناول الحمداني بعض ملامح “المجتمع الإلكتروني” التي بدت واضحة في المجتمع العماني موضحًا: لا يمكن القول بأن هناك تشكلا كامل المعالم ” للمجتمع العماني الافتراضي” فالواضح في المشهد العماني أن غالبية العلاقات في المجتمعات الافتراضية تكون مبنية على علاقات شخصية في الواقع أو من خلال التواصل والتفاعل مع “النخب المجتمعية”، “القيادات”، “المؤثرين”، ومن شروط انطباع مفهوم “المجتمعات الافتراضية” اتسام هذا المجتمع الافتراضي بالديمومة و الاستمرار و التضامن الذي من النادر تشكله.

وذكر أيضًا: تحول الظاهرة الاجتماعية الواقعية إلى ظاهرة تداول عام في الفضاء الافتراضي الذي يتبعه تحول أنماط القوى التقليدية نفسها، أنماط السلطة الاجتماعية نفسها، وأشكال الخطاب والتأثير الموجهة للظاهرة الواقعية نفسه إلى فضائها الافتراضي وهو ما يمكن القول بأنه انتقال افتراضي للظاهرة الاجتماعية، وليس تخلقا جديدا للظاهرة الرقمية.

وأشار الحمداني كذلك إلى “إشكال الهوية”، بقوله: إن كان لهذه التحولات الافتراضية دورٌ في دحض بعض الظواهر ودفعها كظاهرة الحسابات المجهولة أو الحسابات الوهمية، أو الحسابات المتجردة من الشخصية الواقعية إلا أن أنماط الممارسات والتفاعلات والنشاط والتواصل هي في حقيقتها غالبا مستمدة من نمط الشخصية الواقعية ومحدداتها وموجهاتها فما أحدثته المواقع الافتراضية أنها كشفت المكنون الجوهري والحقيقي سواء الطبيعي أو المتناقض للشخصية الواقعية.

وذكر أن التأثيرات التي ألحقتها هذه التطبيقات وبرامج المجتمعات الافتراضية على المجتمع العماني تمثلت في تصاعد نسق الحريات والتعبير عن الرأي، وتصعيد بعض القضايا الاجتماعية، وظهور أنماط نخب مجتمعية جديدة متمثلة في فاعلين افتراضيين شعبيين وليسوا بمفهوم النخب التقليدية سواء الثقافية أو العلمية أو السياسية، وبروز ظاهرة الصراع الافتراضي للأجيال وهو في غالبه صراع أفكار وآراء وقيم ونسق في الرؤية للوقائع والتحولات والمستجدات، كما فعلت مواقع التواصل الاجتماعي، ورقابة المجتمع على السلطة والسياسات العامة والأداء المؤسسي، وأنتجت نوعا من النقد الذاتي في المجتمع، إضافة إلى بروز عدد من الظواهر التي قد لا تتوافق مع ما تتمثله المعايير الاجتماعية ويراه المجتمع كالتنمر، والتشهير، وإساءة استخدام الأطفال، وحب الشهرة، وتبدل القيم والمكانة الاجتماعية لبعض الفئات، والتساؤل حول قيم مثل الاحترام وحدود التعامل وغيرها، مؤكدًا أن دخول هذه الظواهر يشكل أمرًا طبيعيًا عندما تتحول الظاهرة الاجتماعية والأفراد عمومًا من فضاء واقعي إلى فضاء افتراضي حيث إن حب التجربة والاستكشاف والرغبة في تجربة بعض المعطيات الجديدة واقتحام الحدود الاجتماعية التقليدية كلها حوافز وبواعث تسير الفرد في وجوده الافتراضي.

وأشار الحمداني إلى أن في دراسته “تمثلات الذات في الفضاءات الافتراضية في المجتمع العماني” نتائج توضح ضعف توجه أفراد العينة لمناقشة القضايا الدينية والسياسية، حيث يشدد أفراد العينة من المبحوثين العُمانيين على فكرة التسامح والانسجام الديني في السلطنة، ومحاولة إبرازها للآخر عبر الفضاءات الافتراضية. مضيفًا: فيما يخص التأثير القيمي لمواقع التواصل الاجتماعي فإن نسبة 67.3% من العينة ترى أن هذه المواقع قد غيّرت في منظومة القيم الاجتماعية، وأهمها على الترتيب هي: (الحرية، احترام الآخر، التواصل بين الأجيال).

واختتم حديثه مشيرًا إلى عدم إمكانية الحكم على نضوج تجربة المجتمعات الافتراضية في السلطنة؛ فهذا النضج لا يقتصر على الأفراد وحدهم بل يمتد ليشمل الأفراد والمؤسسات سواء كانت مؤسسات دولة أو غيرها من أشكال المؤسسات إضافة إلى الفاعلين المؤثرين والثقافة وبنية الخطاب، و من وجهة نظر علم الاجتماع لا يمكن بحال الحكم على ظواهر بعينها على أنها سلبية و أخرى إيجابية في مواقع التواصل الاجتماعي فما ينظر إليه اليوم على أنه أمر سلبي قد يخضع لدائرة القبول خلال فترة لاحقة، وما يُعدّ ظاهرة شائعة قد يراها المجتمع مستقبلًا على أنها أمر غير مستساغ اجتماعيًا .

شارك هذا الخبر