الحرب الأهلية وسقوط الدولة اليعربية…دروس وعبر

 

أثير – تاريخ عمان

 

بوفاة الإمام سلطان بن سيف الثاني، عانت عمان من صراع عنيف على السلطة بالرغم من ان انتخاب بلعرب بن سلطان (1688-1711م) كان شرعيا، لأنه أعطى نظام الإمامة الطابع الوراثي ، فأحدث  غياب الخليفة المقبول من الجميع فتنة شرسة أدت إلى تفجر الموقف السياسي والقبلي في البلاد .

 

والجدير بالذكر أن الإمام الراحل سلطان بن سيف الثاني ترك عدة أبناء كان أكبرهم سيف الذي يبلغ الثانية عشر من العمر ، وعلى الرغم من كونه قاصرا، فإن مجموعة من القبائل المرتبطة بأسرة اليعاربة اقترحت ترشيحه للإمامة خلفا لأبيه ، ألا أن أهل الحل والعقد اعترضوا على هذا الترشيح لأن الدستور الأباضي ينص صراحة على أن إمامة القاصر غير مقبولة، فكيف لمن لا حساب عليه، ولا عقاب أن يحاسب الناس، ويعاقبهم .

 

وفي ظل هذه الأزمة السياسية، والدستورية ، لم يكن أمام العلماء إلا محاولة حسم هذا الأمر بالإتفاق على مرشح آخر من الأسرة نفسها اقترحه الشيخ عدي بن سليمان الذهلي على الجميع ، وهو مهنا بن سلطان الذي تم انتخابه إماما في قلعة نزوى سنة 1719م .

 

إلا أن هذا الإنتخاب للأسف لم يحظ بإجماع قبلي أو بالأغلبية التي تضمن له النجاح بالإستمرارية والإستقرار ، أيضا ، رغم سرعة الإجراءات التي اتبعها أهل الحل، والعقد الذي أفقدهم بداية من هذا الإنتخاب نفوذهم، وفعاليتهم على المسرح السياسي العماني ليفقدوا في الأخير كامل سلطتهم، وحقّهم بالقرار أمام سلطة القبلية .

 

ولذلك بعد فترة وجيزة من هذا الإنتخاب شنّ يعرب بن بلعرب، وهو قريب الإمام الجديد هجوما على الإمام نفسه قبل انقضاء سنة من حكمه ليرغمه في الرستاق على التخلي عن الإمامة.

 

وقد طلب الإمام مهنا قبل خلعه الأمان ، والحماية من يعرب الذي بدوره  عاهده على الأمن والأمان، ولكن بعد أن استسلم مهنا نكث  يعرب بوعده، وقيّده بالسلاسل ليحكم عليه بالإعدام ، ويتخلّص منه للأبد ، وهذه الجريمة بلا شك أثارت روح العصبية، والأحقاد، وفتحت بابا للفتنة، والصراع بين يعرب وأتباع الإمام المقتول مهنا بن سلطان .

 

وفي سابقة فريدة في التاريخ العماني ، نصّب يعرب نفسه وصيا على الإمام سيف بن سلطان حتى يبلغ الرشد، ويحكم عمان ، ألا أن الوصي يعرب بن بلعرب أغرته السلطة واستطاع استمالة بعض العلماء لإقناعهم بتنصيبه إماما على عمان ، واستطاع فعلا أن يحصل على البيعة عن طريق تزكية القاضي الشيخ عدي بن سليمان نفسه الذي بايع الإمام مهنا، والذي منح  بعد ذلك المبررات والعفو ليعرب على انقلابه وقتله للإمام مهنا.

 

في هذه الأثناء رفض أهل الرستاق إمامة يعرب، وطالبوا بالإبقاء على الإمام الصغير سيف بن سلطان ، وطلبوا من بلعرب بن ناصر خال سيف ، أن يتدخل بقوته ونفوذه لخلع يعرب واستعادة إمامة سيف .

 

وبذلك لجأ بلعرب بن ناصر إلى إعداد العدة ، وتحالف مع قبيلة بني هناه ليشن حربا عنيفة ضد يعرب امتدت سنة كاملة حتى استسلم يعرب، ورضخ، وسلّم الإمامة لسيف بن سلطان الذي نصب إمام سنة 1722م ، وهو لم يبلغ الثامنة عشر من عمره ، فطلب بدوره من خاله المنتصر أن يكون وصيا عليه ولقّبه بالـ(القائم بأعمال الدولة ) ، أما القاضي عدي بن سليمان الذهلي الذي ساند يعرب، فقد تم قتله مع سليمان بن خلفان، وأنصاره في الرستاق ، لتدخل عمان مرحلة حادة من الفوضى، والإنحدار، والقتل .

 

الحرب الأهلية في عمان ( 1718 – 1737م ) :

في ظلّ هذا الصراع الدائر على السلطة ، لم تثمر محاولات الحفاظ على السلام المفقود بالخضوع لسلطة القبائل وتغليب روح المصالحة ، فالنزاع اشتعل بشكل كبير بين الوصي بلعرب بن ناصر من جهة ، و من جهة أخرى القبائل الغافرية التي أنكرت عليه لقب القائم بأعمال الدولة ووصايته على الإمام ابن أخته سيف بن سلطان .

فثارت القبائل وتناحرت بقيادة خلف بن مبارك شيخ بني هناه حلفاء بلعرب ، ضد محمد بن ناصر شيخ بني غافر لينشأ في عمان محور الحرب الأهلية الشرسة المدمرة ( هناوي – غافري ) انضوت تحت لوائه قبائل سائر البلاد لتعود عمان إلى عصر الظلام والفوضى . 

 

ولقد كتب الفرنسي شيفالييه بوديري المقيم في بندر عباس ، إلى الكاردينال دوبوا وزير الخارجية الفرنسية في تاريخ 26 سبتمبر من عام 1723م واصفا ضحايا الحرب الأهلية في عمان كالتالي ” إن حروب مسقط الأهلية لا زالت مستمرة بين الإمامين سيف بن سلطان ويعرب بن بلعرب ، وقد سقط أكثر من أربعين ألف قتيل من الجانبين في السنتين اللتين قضياهما في الحرب “

 

 

ويرىالمؤرّخون أن هذه الحرب قد أفرغت منصب الإمام من محتواه الروحي وأجهزت على نظام الإمامة لتسقط كمؤسسة ، ولذلك التف العمانيّون في حالة هذا الغياب حول قبائلهم ، لتلعب سلطة القبيلة في عمان دورا سياسيا متناميا على حساب الوحدة الإجتماعية، والسلام الداخلي، إذ تحول المنصب إلى غنيمة يجري كسبها بقوة السلاح .

 

في ظل هذه الأزمة ولإحتواء الموقف في عمان ووضع  حد لنزيف الدماء ، اتفق بعض العلماء على ترشيح شخصية من خارج الأسرة اليعربية ، ليتفقوا على مبايعة محمد بن ناصر الغافري إماما سنة 1724م ، ولكن هذا الإنتخاب لم يحقق الأمل والإنقاذ كذلك ، فقامت قبائل حلف بني هناة بقيادة زعيمهم خلف بن مبارك بمقاتلة الإمام الجديد قائد حلف قبائل بني غافر محمد بن ناصر الذي واجههم في معركة صحار التي انتهت بقتل القائدين الذين سقطا ضحية هذا الصراع بسخرية من القدر سنة 1728م.

 

وحينما قتل محمد بن ناصر الغافري بمعركة صحار أعاد أتباعه انتخاب سيف بن سلطان اليعربي في نزوى الذي خلع بعد مدة بسيطة ليتم مبايعة بلعرب بن حمير ، ولكن سيف وحلفاءه لم يقبلوا بهذا القرار، وطلبوا من حاكم دولة فارس نادر شاه المساهمة في الإطاحة بالإمام المنتخب .

 

ولم يتوان نادر شاه من غزو عمان على رأس 30 سفينة بجيش كبير سنة 1739م ، وبدأ باحتلال  أول المدن العمانية خورفكان لتنتشر من بعدها الجيوش الفارسية إلى باقي المدن الساحلية العمانية حتى وصلت إلى نزوى التي عانى أهلها كثيرا من جرائم الجيش الفارسي.

 

ورغم اختلاف العمانيين وصراعاتهم الداخلية تبنوا موقفا صلبا لتوحيد البيت العماني بعد حرب أهلية دامية استمرت 20 عاما لطرد الغزاة من الأراضي العمانية ، وأول هذه الخطوات تم التوصل إلى صلح بين بلعرب بن حمير و سيف بن سلطان الذي ورط عمان بهذا الغزو ، وقد توصّل العلماء في هذا الصلح إلى مبايعة سيف بن سلطان إماما على عمان لتوحيد البلاد ضد الغزاة ، ولكن سيف للأسف أساء السيرة ليتم عزله مرة أخرى من قبل أهل الحل والعقد ليتم تنصيب سلطان بن مرشد اليعربي أماما سنة 1738م ، ليحصل الإمام الجديد ، ولأول مرة منذ اندلاع الحرب الأهلية على اتفاق أغلب القبائل المنضويين تحت حلف الهناوي والغافري .

 

أثار هذا الإجراء الإمام المخلوع سيف بن سلطان ليثير واتباعه الكثير من المشاكل لمقاتلة الإمام الجديد ، ليقوم سيف مرة أخرى بطلب المساعدة من الفرس الذين جهزوا في عام 1740 جيشا يقدّر بـ ستة آلاف جندي بقيادة ميرزا محمد تقي خان الذي بدأ بإحتلال المدن العمانية بداية من جلفار، ونهاية بصحار التي قاومت هناك ببسالة بقيادة الإمام الشهيد سلطان بن مرشد بجانب والي صحار السيد أحمد بن سعيد البوسعيدي، ورغم بسالة وشجاعة الإمام إلا انه مات متأثرا بجراحه في تلك المعارك، والسلاح بيده ، لتطوى صفحة الدولة اليعربية ، وبالأخص بعدما نفر جميع العمانيين من سلطان بن سيف اليعربي الذي جرّ البلاد للمرة الثانية للغزو الفارسي، ومات في الرستاق خائبا سنة 1740 م على أكثر تقدير .

 

وأثناء مقاومة العمانيين للغزاة، قاد السيد أحمد بن سعيد البوسعيدي معارك الإنتصاروتحرير عمان من الغزو الفارسي بعد أن استشهد أكثر من ثلاثة آلاف مقاتل عماني في معارك استمرت لأكثر من 7 شهور  شهدت بطولات وتضحيات العمانيين في سبيل حرية وطنهم ، ليفتح بعدها أهل عمان مع مؤسس دولة البوسعيد  قائد الإنتصارات الإمام احمد بن سعيد صفحة جديدة توحد فيها البيت العماني لتكتب عمان بعدها أزهى عصور الإنفتاح والتوسع من خلال الإمبرراطورية العمانية المجيدة .

 

المرجع : عمان الديمقراطية الإسلامية ، تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث (1500-1970م ) ، د.حسين غباش ، دار الفاربي – بيروت – لبنان ، الطبعة الرابعة 2006م . 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock