حقائق مهمّة عن عمان دوّنها رحّالة بريطاني في عام 1835م

أثير – تاريخ عمان

 

يعتبر ويلستد من أبرز الرحالة الأوربيين الذين جعلوا من عمان هدفا لرحلاتهم، وله عدة أعمال نشرها عن رحلاته، الأول بعنوان ” سرد لرحلة في عمان الداخل عام 1835م”، والثاني ” رحلات في الجزيرة العربية 1837م”، والعمل الثالث ” رحلات في مدينة الخلفاء 1837″.

ويعتبر المستشرقون بأن ويستلد هو أول أوروبي يسافر إلى ربوع الداخل، وكان سببا في معرفة الأوربيين بعمان أكثر، وأن رسمه لتضاريس السلطنة، وحدودها تعتبر أول خريطة يعتد بها الرحالة، والمستشرقون في العصر الحديث.

كانت بداية معرفة ويلستد بعمان حينما عين ملازما ثانيا على سفينة ” بالينورس” التابعة لشركة الهند الشرقية التي شاركت في مسح شامل لخليج العقبة، والجزء الشمالي من بحر الشمال، والساحل الجنوبي من الجزيرة العربية، ولذلك فقد توقّف في مسقط ماكثا فيها شهرا بالكامل عام 1833م.

لقد جاب ويستلد داخل عمان للتمعن في عادات البدو الأقحاح، وتقاليدهم، وكذلك لجمع الكثير من التفاصيل، والمعلومات الاستخباراتية ليتهيأ له رسم، وتحليل طبيعة البلاد، ومدنها الرئيسة لصالح شركة الهند الشرقية(بريطانيا) التي كانت تهدف من وراء ذلك حماية الطريق البحري على سواحل الجزيرة العربية الجنوبية والحصول على مواقع مناسبة لإنشاء مخازن للفحم الذي كان وقودا ضروريا للسفن البخارية آنذاك، ولذلك فقد كانت الدوافع الرئيسة لرحلات ويستلد في المنطقة سياسية، وعسكرية من الدرجة الأولى.

لقد أتى ويستلد إلى عمان في عهد السيد سعيد بن سلطان الذي هيأ له كل ما يحتاجه في رحلاته، فأهدى إليه مثلا فرسا نجديا أصيلا، ومنحه كلاب صيد، وسيفا مرصعا بالذهب، وجمالا، ومرشدين، ورسائل إلى شيوخ القبائل في أرجاء عمان يأمرهم فيها باستقباله، وإكرامه، ولذلك، فقد امتدح ويستلد في أول زيارة له لمسقط السيد سعيد على سخائه، وتسامحه، ودماثة خلقه قائلا: ” لم أر قط حاكما كان أقرب منه إلى النموذج الخيّر للأمير الشرقيّ، إذ كان دائما يبدي من العناية أدفأها، ومن الكرم أوفره ، إن أهم ما تتسم به حكومة هذا الأمير هو بعدها عن ضروب القمع، والعقاب العشوائي، وسعة صدرها لكل المعتقدات، وتسامحها معها، وإبداؤها الكرم، واللطف الكبير لتجار أيّ بلد يفدون إلى مسقط ، ويقيمون بها “.

 

ويقول ويستلد، وهو ينتقد الحكومة البريطانية التي قصرت بحق السيد سعيد بن سلطان “إمام مسقط ” لمساهمته الفعالة في محاربة الرق، مقابل ما لقيته إسبانيا المسيحية من بريطانيا: ” إن إمام مسقط لم ينل ما يمكن أن يكون قريبا مما نالته اسبانيا، أهذا من الكرم في شيء؟ أهذا عدل؟ إن الحكومة الاسبانية المسيحية قدّمنا لها 200,000جنيه على تنازلها عن تجارة الرقيق، وألغينا بعض الملايين من ديونها، هذا الأمير أعطيناه من المكافأة ما هو أقلها، وأبخسها، فقد قدمنا له الشكر فقط ! هذا إن فعلنا أصلا، ولكني أتمنى إنّا فعلناها حقا”.

 

وفي كتاب ويستلد ” رحلات في الجزيرة العربية ” وبعد مشاهدته لرمال المنطقة الشرقية عبر عنها كالتالي:

” مع إنها تكتسحها هذه المساحات البور المترامية الأطراف المعزولة، ومع أنه لا أثر فيها للشجر، والنبت، والجبل، والماء، أو أي شيء آخر يتوافر في مناطق أكثر رقة، إلا أن هناك شيئا ما في ملامحها البالغة الغاية في البساطة، وفي عريها، واتساعها يذكّرني بالمحيط غير المطروق، ويهب الروح شعورا بالرفعة، والسمو”.

 

 

أما بالنسبة لمدينة منح فقط ذهل ويستلد بمنظر طبيعي مختلف تماما عما رآه في مسقط، والصحراء لدرجة أنه وصف شعوره، وكأنه في الفردوس العربي حينما قال: ” ونحن نمر عبر أشجار اللوز، والأترج، والبرتقال التي فاح منها أريج طيب زكي تعطرنا به، أتت أفواهنا هتافات الدهشة، والإعجاب، فكان لسان حالنا يقول: أهذه هي البلاد العربية؟ أهذه هي البلاد التي كنا نعدها صحاري ليس إلا؟ لقد بلغ بي الأعجاب أن بدأتُ أتخيّل أنا وصلنا أخيرا إلى البلاد العربية السعيدة، والمنعم عليها، البلاد التي لا طالما ظننت أنها توجد في خيال شعرائنا “.

 

أما بالنسبة لوصفه لنساء عمان مثلما رأى، ووصفهن بأنهن لا يغطين وجوههن إلا في مسقط ، إذ يلبسن خمارا فريدا من نوعه مزركشا بحافّات مذهّبة”.

ويضيف “إنّ نساء عمان كنّ طوال القامة، ممتلئات الجسد، ولكن ليس إلى حدّ البدانة، أما بشرتهن، فلم تكن أكثر اسمرارا من اسمرار المرأة الإسبانية.

وبالنسبة لجمال ملامح البدويات العمانيات، فقد قال: ” إن ملامحهن تبعث في النفس السرور، والحبور، عيون نجل لامعة، أنوف معقوفة بعض الشيء، أفواه متناسقة أسنان يملن إلى البياض اللؤلؤي، ولا ريب أنهن يفقن غيرهن جمالا، وأنهن أكثر شدا للنظر ممن رأيتهن ببلاد العرب”.

كما يتحدث ويستلد عن عادات النساء العمانيات، ودورهن في المجتمع، والحرية المتاحة لهن:

” لا شك أن النساء المسلمات في عمان يتمتعن بحرية أكثر من غيرهن في البلاد الشرقية الأخرى، ويبدي لهن في الوقت ذاته احتراما أكثر مما يبدي لنظائرهن في تلك البلاد، وغالبا ما يشاركن في الشؤون العامة إذا ما اضطربت أحوال المجتمع ويظهرن في بعض الأوقات من البطولة أقصى درجاتها”.

وكان ويستلد يقسّم سكان عمان إلى نوعين من العرب: البدو، والحضر، فيعلّق مثلا على مظهر البدو، وعاداتهم، وأعرافهم بالتالي:

” إن شعرهم المسترسل في ضفائر، والبالغ الطول حتى الخصر يهبهم هيبة آسرة وسمة الجندي المقدام حين يمتطون جمالهم حاملين السيف، والترس”

ويقول أن البدو بسبب الصراعات القبلية كانوا في نومهم يحفرون حفرة يكدسون فيها ملابسهم، وكل ما يملكونه في حين كانت البندقية السيف، والترس موضوعة جنبهم، ومهيأة للاستعمال إذا ما طرأ طارئ ، وكانوا في صبرهم يمشون في كثير من الأحيان تحت الشمس اللافحة من دون أن تسمع من شفاهم همسا ينمّ عن الشكاة، أو نفاذ الصبر، وفي حالات الألم، والمرض تجدهم يظهرون الروح الأصيلة في القناعة، والشجاعة، فيقول ويستلد في هذه الجزئية : ” كان معنا رجل طاعن في السن يعاني أشد المعاناة من جراء مشكلة باطنية، وكان كلّما ألم به الألم نزل من على جمله، وتلوّي في الرمال من شدة الألم، إلا انه إذا انتهى مما كان به لم ينبس شاكيا ببنت شفة ، وهم مضيافون شجعان كرماء، ولكنهم في الوقت ذاته سريعو الغضب، ميالون إلى الانتقام ذو حساسية بلغت من الإفراط منتهاه”.

 

ولقد انتقد ويستلد حالة الكسل، والجهل، وعدم التطور في المجتمعات البدوية بالتالي:

” في غياب ضروب التسلية، والفنون، والآداب، وفي ظل الحجر الذي تفرضه العادات، والحكومة على الإرتقاء الذهني ليس عجبا أن البلادة الذهنية التي عصفت بأوروبا قبل قرون هي نفسها التي تسود بلاد العرب اليوم؟”.

 

وبالنسبة لحضر عمان فقط وصفهم ويستلد بالرزانة، والسلوك الحسن حتى لدى الأطفال ، ففي سمد الشأن يقول ” استمتعت أيّما استمتاع بمنظر حشد كبير من الناس قام بضبط أمورهم فتى صغير ذو اثنى عشر ربيعا قتل البدو أباه قبل بضع سنين ، وهو يحمل سيفا أطول منه، واستطاع هذا الفتى الصغير أن يحكم سيطرته المطلقة على الخيمة، فلم يسمح لأحد بالدخول إليها إلا بإذنه، وتعجبت أيّما تعجب من وقاره، وافتخاره بنفسه، كما كان ملما بعدد القبائل المحلية، وأصولها، وتوزعها الجغرافي .

ويضيف ويستلد قائلا:

” يمكن القول إن شبان العرب بشكل عام، والبدو بشكل خاص يرتادون مجالس الرجال، ويحوزون ثقتهم في سن مبكرة جدا، وقد رأيت شبّانهم يمارسون غير مرة تأثيرهم بطريقة قد نجدها منافية للعقل، إلا أنهم دأبوا في معاملة أولادهم معاملة الرجال في وقت مبكرا جدا، فلا جرم أنه يكتسبون سكينة الرجال، وسلوكهم الحسن في سن لا يزال فيها شبان يسعون وراء ما لا قيمة له، ويعلمون بالعصا دروسا في الاحتشام، واللباقة لتقويم سلوكهم”.

أما بالنسبة للحريات وتعدد الثقافات في مسقط، فقد رأى ويستلد أن مسقط تعيش فيها مجموعات بشرية مختلفة من عرب، وفرس، وهنود وأكراد، وافغان، وبلوش، كل يمارس شعائره الدينية في جو تسوده الحرية، والاحترام، فالمسلمون واليهود والبانيان كلهم كانت لهم مساجدهم ومعابدهم، ويقول إن هذا الخليط من الأجناس كان يجذبه تسامح الحكومة، وأن هذه الأجناس استقرت في مسقط، إما للتجارة ،وإما للفرار من استبداد الحكومات المجاورة.

ويضيف ويستلد في هذا الصدد أنه في عام 1828م استقبل السيد سعيد بن سلطان بكل مودة، وتسامح عددا من اليهود الذين هربوا من استبداد داود باشا في العراق.

ويقول واصفا التعددية في مسقط أن الأفغان اتخذها بعضهم موطنا دائما لهم، ولم يعملوا كثيرا في التجارة ، وكانوا قليل الاختلاط بالبقية.

وأما البلوش، فيقول عنهم ويستلد ” كان أهم ما يميزهم هو التواصل مع الجميع، وإن عددا كبيرا منهم التحقوا بجيش السيد سعيد، وكان العرب، والبلوش يتزاوجون، فلم تكن هناك حساسية مفرطة اتجاه ذلك نتيجة سكن البلوش في مسقط على نحو دائم”.

وأما عن الفرس فقد قال بأنهم “كانوا في مسقط تجار شاي، وماء ورد، وأقمشة، وأن بعضا منهم كان يصنع السيوف، والبنادق، ولم يكن هناك تزاوج بينهم، وبين العمانيين، فذلك كان نادرا”

وأما عن البانيان فقال “إن عددهم في مسقط كان أكثر من أيّ بلد عربي آخر في الجزيرة العربية، وكان لهم ” معبد صغير، وسمح لهم بأن يتملكوا عددا محددا من الأبقار، وأن يحرقوا موتاهم، وأن يتبعوا بحرية مبادئ دينهم، وشعائره دون أن يضطروا إلى ارتداء نوع من اللباس يميزهم من البقية، كما كان الحال في مدن اليمن”.

 

وبالنسبة لليهود المهاجرين إلى مسقط فقد قال ويستلد: “إذ لم يحملوا على أن يسمو أنفسهم بإشارة، أو علامة، كما كانت الحال في مصر وسوريا، أو أن يسكنوا الأجزاء القصية من المدينة، والمفصولة عنها، كما كان الحال في مدن اليمن وبلداتها، كما لم يكن عليهم أن يمروا بيسار المسلمين إذا ما لقوهم في الشوارع، كما في بلاد فارس، وكان العديد منهم يشتغلون بصياغة الحلي من الفضة، وآخرون يعملون صيارفة، وقلة قليلة منهم كانت تتخذ من بيع المشروبات الكحولية مهنة لها”.

 

ونختم هنا بما قاله ويستلد في كتابه (ترحال في الجزيرة العربية):

” إن القيام بواجبات كرم الضيافة أمر يحرص عليه جميع العمانيين حرصا شديدا دأبهم في ذلك دأب سكان الجزيرة العربية في سائر أجزائها، فالغريب في عمان أينما حلّ استقبل بحفاوة، واحترام، وقد تطرقت إلى دينهم في موضع آخر، لذا أكتفي هنا بأن أؤكد أن سكان عمان يبدون تسامحا أكثر بكثير مما يبديه بقية المسلمين”.

 

المرجع: عمان في عيون الرحالة البريطانيين، قراءة جديدة للاستشراق، د. هلال الحجري، ترجمة د. خالد البلوشي ، النادي الثقافي سلطنة عمان، دار الانتشار العربي (بيروت) ، الطبعة الأولى 2013م.

 

 

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock