العُماني الذي قاد المهاجرين والأنصار في حرب الغساسنة

أثير – تاريخ عمان:
إعداد: نصر البوسعيدي

حينما انتقل حبيبنا المصطفى خاتم الأنبياء، والمرسلين إلى الرفيق الأعلى، وفد الكثير إلى خليفة المسلمين “أبو بكر الصديق” لتقديم واجب العزاء، ومبايعته على مواصلة مسيرة شعاع الإسلام التي رسّخها رسول المحبة في النفوس التي أحبّته، وبالأخص أهل عمان من أسلموا طوعا دون أيّ قتال، حينما وفد إليهم عمرو بن العاص حاملا معه رسالة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأهل عمان، مما جعل هذا الإسلام، وهذا الحب ينعكس فرحا على سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – الذي قال لأحد أصحابه ” لو أنّ أهل عمان أتيت لما سبوك، ولا ضربوك ” إشارة منه- عليه الصلاة والسلام -إلى كرم أهل عمان، وحبّهم، وسلامهم .

تشكّل الوفد العماني المعزّي، والمبايع من الأمير عبد بن الجلندى، ومعه مجموعة من أعيان أهل عمان كجعفر بن جشم العتكي، وأبي صفرة سارف بن ظالم، وغيرهم من كبار القوم في البلاد، وبرفقته عمرو بن العاص موفد رسول الله -صلى الله عليه وسلم -حتى وصلوا إلى أبي بكر الصديق، فدخل عمرو بن العاص، ومعه الوفد العماني، فقام منهم سارف بن ظالم خطيبا قائلا: ” يا خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-ويا معاشر قريش، هذه أمانة كانت في أيدينا وفي ذمتنا وديعة لرسول الله عليه الصلاة والسلام فقد برئنا منها إليك”

فقال أبو بكر: ” معاشر أهل عمان إنكم أسلمتم طوعا، لم يطأ رسول الله ساحتكم بخفّ، ولا حافر، وجشمتموه ما جشمه غيركم من العرب، ولم ترموا بفرقة، ولا تشتّت شمل ، فجمع الله على الخير شملكم، ثم بعث إليكم عمرو بن العاص بلا جيش، ولا سلاح، فأجبتموه، إذ دعاكم على بعد داركم، وأطعتموه إذا أمركم على كثرة عددكم، وعدّتكم ، فأيّ فضل أبرّ من فضلكم، وأيّ فعل أشرف من فعلكم ، كفاكم قول رسول الله -عليه الصلاة والسلام – إلى يوم الميعاد ، ثم أقام فيكم عمرو ما أقام مكرّما، ورحل عنكم إذ رحل مسلما، وقد منّ الله عليكم بإسلام عبد وجيفر ابني الجلندى، وأعزّكم الله بهم، وأعزّه بكم، وكنتم على خير حال، حتى أتتكم وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم – فأظهرتم ما يضاعف فضلكم، وقمتم مقاما حمدناكم فيه، ومحضتم بالنصيحة، وشاركتم بالنفس، والمال، فيثبّت الله ألسنتكم، ويهدي قلوبكم، وللناس جولة ، ولست أخاف عليكم أن تغلبوا على بلادكم، ولا أن ترجعوا عن دينكم، فجزاكم الله خيرا “.

أبو بكر يأمر العماني عبد بن الجلندى لقيادة المهاجرين، والأنصار لحرب آل جفنة:

لقد سرّ أبو بكر بلقاء الوفد العماني بقيادة الأمير عبد بن الجلندى، ومن معه من أبطال أزد عمان، وشكرهم شكرا لا يخفى على أهل العقول الصحيحة، ولما رأى فضلهم، وسمع عنهم الكثير من خلال شهادة عمرو بن العاص لهم، عوّل الصديق عليهم لقيادة حرب أل جفنة (الغساسنة)، وهم من أزد الشام، فأراد أن يدقّ الصخر بمثله، فطلب من عبد بن الجلندى ملك عمان أن يتولى قيادة الجيش الذي يضمّ مجموعة من المهاجرين والأنصار لمهاجمة الغساسنة الذين ارتدوا عن الإسلام بعد وفاة نبينا الكريم.

ولم يتوان العمانيّون بقيادة الجيش الإسلامي وقيادة أميرهم عبد بن الجلندى، ومن معه من المهاجرين، والأنصار، ومنهم الشاعر الأنصاري حسان بن ثابت، وغيرهم من الصحابة، وفعلا كتب الله النصر لعبد بن الجلندى، وأخضع برفقة جيشه الغساسنة، وكسر شوكتهم، وبعد هذا الانتصار الذي سرّ به أبو بكر الصديق، قال حسان لخليفة المسلمين مشيرا بالمديح إلى قائدهم عبد بن الجلندى:

” قد شهر مقام عبد في الجاهلية والإسلام فلم أرى رجلا أحزم، ولا أحسن رأيا وتدبيرا من عبد بن الجلندى، فهو والله ممن وهب نفسه لله في يوم غارت صباحه وأظلم صباحه “.

فقال الصديق مهللا فرحا: ” هو يا أبو الوليد كما ذكرت، والقول يقصر عن وصفه والوصف يقصر عن فضله”.

فلما بلغ ذلك عبد بن الجلندى بعث إلى حسان بن ثابت بمال عظيم قائلا له: ” إن مالي يعجز مكافأتك، فأعذر فيما قصر، وأقبل ما تيسّر “.

وعندما عزم عبد، ومن معه من العمانيين الرجوع إلى الوطن زوّدهم أبو بكر -رضي الله عنه -كتابا إلى أهل عمان كافة يشكرهم فيه، ويثني عليهم، كما أقرّ عبد وجيفر على حكم عمان، وأيّدهم، وشد عضدهم، وأعرب عن مناهج مصالحهم، فازدادوا شرفا على شرفهم، وعزّا يؤيد عزّهم، ورجعوا إلى عمان معزّزين مكرّمين منتصرين بحب خليفة المسلمين والصحابة أجمعين.

المرجع: عمان عبر التاريخ، للشيخ سالم بن حمود بن شامس السيابي، الطبعة الخامسة 2014م، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ارجع الى سيرة خالد بن الوليد..ومعاركهم مع الروم لفتح الشام..متوفر في يوتيوب من١٣جزءا ..ل الشيخ طارق السويدان..

    وفقكم الله لما يحبه ويرضاه

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock