مذبحة الأبرياء في مسقط والرد المفحم للإمام سيف بن سلطان على القائد البرتغالي المجرم

أثير -تاريخ عمان

إعداد -نصر البوسعيدي

مما لا شكّ فيه، فإنّ التاريخ يدوّن الكثير من الجرائم البشعة التي تعرّض لها كلّ الذين وقعوا ضحية الغطرسة البرتغالية، ابان استعمارهم للكثير من المساحات الجغرافية في أفريقيا، وعمان، والهند، فقد كانت معاملة البرتغاليين للعرب خاصة في كل المناطق التي وقعت تحت قبضتهم تثير التقزز للجرائم الوحشية التي ارتكبوها بحق الضحايا الأبرياء أطفالا، ونساء، ومنهم أهل عمان الذين عانوا كثيرا من وحشيتهم.

بدأ البرتغاليون بكل وحشية بقيادة دالميدا قتل العمانيين الذين قاوموهم في شرقي أفريقيا، وخاصة بمدينة كلوا التي كانت أشبه بالمركز التجاري العماني الذي أصبح كـ ” شعلة من الحضارة في ليل الهمجية “.

وبعد أفريقيا، اتجه البرتغاليون إلى عمان، فكانت الكارثة التي حلّت بالوطن، فالبلاد في تلك الفترة، كانت مشتّتة نتيجة الفتن، والحروب الأهلية والقبلية، والصراعات السياسية التي راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء.

وتشير المصادر التاريخية أن البرتغاليين بدأوا الهجوم على مسقط عام 1507م، بعدما دمّروا قريّات، وقتلوا أهلها الذين استبسلوا للمقاومة التي قضى عليها البرتغاليون بكل وحشية نتيجة القصف المدفعي الحديث الذي كانوا يملكونه مقابل تلك الأسلحة التقليدية، والمدافع البسيطة التي كان يملكها أهل قريات حالهم من حال كل الساكنين بسلام في مدن السواحل العمانية المفجوعة لهمجية الاستعمار البرتغالي الغاشم الذي تبين وحشيته أكثر، وأكثر حينما توجه إلى مسقط ، وهناك حدثت البشاعة عندما ارتكبوا مذبحة ضد النساء، والأطفال، وكل الرجال العمانيين الذين قاوموا بكل بسالة هذا العدو الغاصب الذي زاد من وحشيته كثيرا نتيجة مقاومة وشجاعة الأهالي الذين تمّ ذبحهم وعائلاتهم بدم بارد، هذه المقاومة العمانية للغزو البرتغالي التي تنكّر لها للأسف بعض من يحسب خليجيا بأنه يملك من الأمانة العلمية التاريخية ما يجعله في مكانة لا تليق به، وبكل جهوده الرامية لتدوين التاريخ التنكر بفداحة جهلا، أو عمدا لكلّ الضحايا الأبرياء، والشهداء العمانيين أهل المقاومة من حاولوا جاهدين رغم بساطتهم صد وحشية البرتغاليين التي دوّن بعض تفاصيلها المروعة الابن الغير الشرعي للمجرم البو كيرك قائد تلك الحملة المشؤومة بدليل صارخ لا يقبل المغالطات إلا من أهمل بصيرته، حيث يقول هذا الابن المسمى ببرزاد البوكيرك واصفا المقاومة العمانية في مسقط، ووحشية البرتغاليين في المذبحة التي ارتكبوها بحق الأهالي:

“أنشأ المسلمون العمانيون أمام البلدة سورا من الأخشاب اتساعه عشر نخلات، وارتفاعه عشرون، وملأوه بالتراب، فكان قويّا جدا، ويتصل من كل جانب بسلسلتين من الجبال الشاهقة الارتفاع التي تمتدّ إلى البحر، وقد شنّ البوكيرك هجوما بالغ الشدّة، والعنف على السور الدفاعي، وكان المد مرتفعا في الوقت نفسه، وعلى رجالنا أن ينزلوا عند أسفل السور، وبدأ المسلمون في إطلاق السهام، وقذف الأحجار من أعلى حتى واجه رجالنا صعوبة بالغة في إكمال طريقهم.

ثم تجمع الكل في كتيبة واحدة، وزحفوا للهجوم، ولما كانت الشوارع ضيقة جدا، والرماح التي يحملونها طويلة، فقد أخذ الارتباك يسودهم، وهم يتلهفون للمرور أمام بعضهم حتى أصاب المسلمون كثيرين منهم بسهامهم، وبعد ذلك طارد إنطونيو دو كابور جمعا من النساء كن يتراجعن صوب التلال، فقتل كثيرات منهن، بينما قتل جواد دانوفا أيضا كثيرا من النساء، والأطفال، فلم يترك منهم أحدا، وأوقع خسائر فادحة بينهم، وفي النهاية كان الفونسو دي البوكيرك قد قتل العمانيين، ونساءهم، وأطفالهم الذي وجدوا في البيوت بالسيف فلم يترك منهم أحدا ..”.

بعد هذه المذبحة الأليمة بحق أهالي مسقط، قام البوكيرك بحرق السفن العمانية، وتدمير المساجد، والمنازل، إضافة إلى قيامه بقطع آذان وأنوف من تبقى من الأحياء بكل عنجهية حفرت في صفحات تاريخهم القاتم بالدموية، والغدر، والوحشية.

وقد عانى العمانيون خاصة في مسقط المدمرة من ويلات الحكم البرتغالي وتذكر بعض المصادر التاريخية أن الحاميات العثمانية التي انطلقت من مصر حاولت جاهدة استعادة مسقط من البرتغاليين في معارك الكرّ، والفر بداية من سنة 1550م حينما قام بيري ريس باشا الذي يعتبر من أبرز القادة العثمانيين بقيادة حملة عسكرية من مصر إلى مسقط، واستطاع في البدايات من قصف تحصينات البرتغاليين في مطرح، فقتل الكثير منهم وطردهم منها، وظل هذا الحال لعام واحد فقط حيث قامت الدولة العثمانية بقطع رأس بيري باشا نتيجة مخالفته بعض التعليمات، ومنها استطاع البرتغاليون مرة أخرى السيطرة على المنطقة بقيادة ميجور دي ميجو وبعد عدة معارك استطاع البرتغاليون حسمها والبقاء بكل عنجهية وإجرام في مسقط، بالإضافة إلى إجرامهم بحقّ العمانيين في شرقي افريقيا الذي أصبحت أغلب سواحله المهمة تحت قبضتهم.

لقد كان عام 1620م عاما فاصلا في تاريخ عمان المجيد ومسيرة، التحرير والمقاومة العمانية من هذا الاستعمار القاسي بعدما توحّدت عمان لانتخاب الإمام ناصر بن مرشد اليعربي الذي استطاع أن يطرد البرتغاليين من كل السواحل العمانية، ما عدا مسقط والتي بقي فيها القليل من البرتغاليين، بعدما قضى عليهم المجاهدون عن بكرة أبيهم في حروب التحرير، والجهاد من أجل عمان وكل أهلها، فكان الموت، والقتل هو الذي ينتظر هؤلاء المجرمين.

وفي عهد الإمام سلطان بن سيف الذي تولّى الحكم بعد وفاة ابن عمه الإمام ناصر ابن مرشد استطاع أن يحطّم آخر معاقل البرتغاليين في مسقط، وينهي وجودهم فيها للأبد حوالي سنة 1649م، لينتهي بذلك أخر فصول أقسى عهود الاستبداد فجورا في تاريخ العالم التي عانى منها أهل عمان لسنوات طويلة، قتل فيها العدو البرتغالي آلاف الأبرياء من الأطفال، والنساء دون أيّ رحمة.

بعد ذلك تفرغ الإمام سلطان بن سيف لملاحقة وطرد البرتغاليين من شرقي أفريقيا، والمحيط الهندي، وقد بدأ بشرق أفريقيا نتيجة نداءات أهلها لكي يخلصهم من هذا الاستعمار، وبالفعل توجّه الأسطول العماني عام 1652م إلى زنجبار، وقصفوا البرتغاليين، وقتلوا عددا منهم ، وتم طردهم من الجزيرة التي كانت في عهد ملكتها، وابنها أوتو ندوى الذين نقلوا ولاءهم للجانب العماني الذي أنقذهم من بطش البرتغاليين الذي قال عنهم ديفيد ليفنجستون:

“إن الأمر الوحيد الذي اكتسبته الأمم الأفريقية من معرفتها للبرتغاليين لمدة 400 عام، هو طريقة تقطير الخمور من فوهة مدفع، والعقيدة الوحيدة الدائمة التي يدينون بها لهم هي عقيدة أن الإنسان يمكن أن يبيع أخاه الإنسان”.

وبعد وفاة الإمام سلطان بن سيف عام 1680م، تم انتخاب الإمام سيف بن سلطان الأول بعد صراعه على الحكم مع شقيقه بلعرب الذي توفاه الله لتنتقل الإمامة له ويحكم عمان التي ازدهرت في عهده كثيرا وكيف لا وهو من يعرف ” بقيد الأرض” ويصبح من أعظم حكام أسرة اليعاربة في قوته، وكفاحه الكبير ضد البرتغاليين في السواحل الهندية، وشرقي أفريقيا طوال فترة حكمه، فقد هاجم بجنوده البرتغاليين كثيرا للقضاء عليهم، وعلى جرائمهم في الساحل الهندي، وتم له الكثير من الانتصارات، ورغم كل جرائم البرتغاليين في أهل عمان إلا أن العمانيون تعاملوا في حروبهم معهم بأخلاق سنة نبيهم الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يسرفوا في القتل، ولم يعتدوا على الأبرياء، وكانوا يعاملون أسراهم من البرتغاليين بكل إنسانية واحترام حيث وصف هاملتون أخلاق العمانيين في حروبهم تلك كالآتي:

“إن العمانيين لم يقتلوا أي رجل عمدا، وكانوا يستخدمون الأسرى بأدب “.

وفي الجانب الأفريقي، فقد كان جهاد العمانيين ضد المستعمر البرتغالي لا يقل قوة بعهد هذا الإمام، فقد استغاث أهل ممباسا به ليخلصهم من الطغيان البرتغالي، فأرسل الإمام الأساطيل العمانية لتحريرها مكونة مثلما تشير بعض المصادر التاريخية من 7 سفن و3000 جندي ، وبالفعل حاصر المجاهدين قلعة يسوع التي كان يتحصن فيها البرتغاليين بممباسا لمدة 33 شهرا من 13 مارس 1696م ، وحتى 12 أو 13 ديسمبر 1698م، إذ انهارت قوى البرتغاليين، وقتل منهم الكثير، ولم يبق حيا من بينهم إلا ثمانية جنود، وبالتالي سقطت آخر معاقلهم المحصنة في شرقي أفريقيا بسقوط قلعة يسوع بممباسا وتلاها سقوط بمبا، وكلوا وبقية السواحل الأفريقية بيد العمانيين الذي رفعوا رايات النصر، والتحرير في تلك الأنحاء.

وفي خضمّ معارك العمانيين وإمامهم قيد الأرض ضد البرتغاليين، أرسل أحد القادة البرتغاليين رسالة تهديد إلى الإمام سيف بن سلطان جاء فيها:

“من ربان البرتغال إلى الإمام سيف بن سلطان الأول اليعربي، أنتم يا من تحكمون بين رعاياكم في خلافاتهم تعلمون أننا نحن جيش الله، وقد خلقنا لنكون أداة لعقابه الإلهي، ووهبنا السيطرة على الذين يحل بهم سخطه … إننا لا نرحم من يشكو أو نشفق على من يبكي فقد نزع الله الرحمة من قلوبنا حقا، والويل كل الويل لأولئك الذين لا يمتثلون لأوامرنا، فقد دمرنا مدنا وقضينا على أهلها فإذا قبلتم شروطنا فسيكون هذا من مصلحتكم أنتم لا مصلحتنا نحن، أما إذا رفضتموها، وثابرتم على ظلمكم فلن تمنعكم حصونكم منا … ولن تحميكم جيوشكم فقد أكلتم ثمار الشر، وأضعتم أنفسكم تماما.

تمتّع اليوم فيما يساورك من قلق، فإنك إنما تدفع عقوبة طفيفة لما فعلت وإذا كانت كلماتنا غير مقبولة منكم، فيبدو لنا بالتأكيد أنك ظالم، ولتعلم أن قلوبنا قدت من حجارة وأعدادنا كحبات الرمل، ونحن نعتبر أن أعدادكم الوفيرة قليلة، وقوّتكم خسيسة… إننا نحكم الدنيا بالتأكيد من مشرق الشمس إلى مغربها، وقد بعثنا لكم هذه الرسالة، فأجيبوا عليها بسرعة قبل أن تتمزق جباهكم، ولا يبقى منكم شيء …”.

وقد رد الإمام على غطرسة هذا المجرم برسالة جاء فيها:

“قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير …لقد طالعنا هذا الخطاب الذي يقول: إن الله انتزع الرحمة من قلوبكم، وتلك واحدة من أقبح أخطائكم بل أسوأها، وأبشعها وأنت تلومنا وتقول أنتم الظالمون، ألا لعنة الله على الكافرين فالذي بيده البذور لا تهمه الفروع … إننا نحن المؤمنون حقا، ولن يعصمك الهرب منا، ولن يعترينا أي شك أو تردد، فلقد أنزل علينا القرآن وكان الله دائما رحيما بنا …

ولتعلم إن خيولنا، وأساطيلنا ممتازة برّا، وبحرا، وعزائمنا سامية رفيعة، ومن ثم، فإننا إذا صرعناك، فسيكون هذا عملا صالحا، وإذا قتلتنا، فلن يكون بيننا، وبين الجنة إلا لحظة ” ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله”.

وأنت تقول إنّ قلوبكم كالجبال، وأعدادكم كالرمال، والجزار لا يهمه العدد الكبير من الخراف، والماعز، وإن الله مع الصابرين، وهكذا، فإن لدينا القوة التي تسمو على الرغبة، فإذا حيينا، فسنحيا سعداء، وإذا متنا فسنموت شهداء ” ألا إن حزب الله هم الغالبون” ، لقد بلغتم أمرا تكاد السموات تتفطر منه، وتنشق الأرض، وتتهاوى الجبال، وتتحطم ، فقل لسادتك إنه حتى إذا رصعوا رسالتهم بالجواهر، وأقاموا موضوعه بعناية فإنها لدينا ليست سوى كصرير باب أو طنين ذباب “سنكتب ما يقولون وسنطيل عذابهم”، وليس لدينا بعد ذلك ما نقول إلا أن الجبال سوف تمطركم وابلا والنار تكشف العار، والسيوف تشحذ على الأعناق، والسلام على من اتبع الهدى، وخشي عذاب الجحيم، وأطاع الله مالك الملك، وفضل الآخرة على الدنيا، والصلاة، والسلام على خير الخلق محمد صلى الله عليه وسلم.

لقد استطاع هذا الإمام بقوته وعزمه من دحر كل البرتغاليين وتطهير المنطقة من جرائمهم فلم يكتفي بتطهير الخليج العربي فقط بل طهر سواحل المحيط الهندي وشرقي أفريقيا وخلص الأهالي من أبشع مجرمي تاريخ الاستعمار الحديث.

img_1107

*المرجع: تاريخ عمان – وندل فيلبس – ترجمة محمد أمين عبد الله – الطبعة الخامسة 2003م – وزارة التراث والثقافة -سلطنة عمان

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock