عزة الكميانية تكتب: إلى وزارة التربية والتعليم، مطالب أولياء الأمور بين التجاهل والتنفيذ (1-7)

عزة بنت محمد الكميانية- روائية عمانية

انتشر قبل أشهر مقطع تسجيلي لرجل عماني انتقد فيه المشاريع الكثيرة التي يُطلب من الطلاب تنفيذها في البيت، الرجل الذي تحدث في المقطع التسجيلي قال بأنه يعمل سائق، وكان يتساءل من أين لي بالنقود لكل تلك المشاريع التي لا تنتهي؟! وانتقد كذلك الواجبات المنزلية التي تقتطع جزءًا كبيرا من وقت الأم مما يؤدي إلى إهمال شؤون بيتها.

وقد لاقى ذلك المقطع التسجيلي تفاعلا كبيرا من كل فئات المجتمع، الذين اتفقوا مع كل ما ذكره ذلك الرجل، وطالبوا وزارة التربية والتعليم بإلغاء الواجبات المنزلية والمشاريع أيضاً، وإن كان لابد منها فيجب أن يقوم بها الطالب في المدرسة بعدما تُوفَّر له المواد المطلوبة، وكل مجموعة من الطلاب يقومون بعمل المشروع المطلوب منهم، بذلك يكون الطالب هو من قام بالمشروع فعلا وليس أمه أو أحد أقاربه، فما ذنبهم أن يقوموا بتلك المشاريع باستمرار، وهم لا علاقة لهم بالموضوع، فغالبا يكون المشروع فوق مستوى الطالب، فلا يستطيع إنجازه دون مساعدة أحد من أهله، غير الأغراض التي يجب شراؤها لإنجاز المشروع، أو تكليف المكتبة بإنجاز المشروع أو طباعته خاصة البحوث مما يؤدي لصرف المزيد من النقود، ثم بعد ذلك يكون نهاية المشروع سلة المهملات، وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها مناقشة أمور مدرسية ترهق الطلاب وأولاء الأمور، ولكن ربما كانت المرة الأولى التي يتم مناقشتها على نطاق واسع، شمل كل منصات التواصل الاجتماعي، ففي أحد الحسابات الإخبارية التي نشر فيها المقطع كان هناك أكثر من ألف تعليق على الموضوع، قرأت الكثير منها وكانت كلها مؤيدة لمنع الواجبات المنزلية، والمشاريع التي ترهق الأسرة ماديا ومعنويا، فإلى متى ستظل وزارة التربية والتعليم غير مكترثة لكل تلك الشكاوى، ربما حتى يحدث انفجار هائل لا يحمد عقباه، فلم لا يتم معالجة الأمور قبل أن تستفحل.
وربما ذلك المقطع وصل لوزارة التربية والتعليم، ولذلك انتظرنا الرد من الوزارة، ولكن للأسف لم يأتِ الرد!!
أم أن وزارة التربية والتعليم سوف ترد أنها ليست المسؤولة عن فرض تلك القيود التي تقيد بها الطلاب وأولياء الأمور طوال الأسبوع، وحتى في الإجازات، إذاً سيكون هناك خلل كبير إذا كانت وزارة التربية والتعليم غير قادرة على تنفيذ مطالب الطلاب وأولياء الأمور، ولا تستطيع تغيير شيء فيما يختص بالواجبات المنزلية والمشاريع وكذلك طول اليوم الدراسي الذي أنهك الطلاب والمعلمين، فكلما ازدادت الشكاوى في المدارس من أولياء الأمور، قال المعلمون: لا دخل لنا في كل القوانين المفروضة، وليس بيدنا تنفيذ المطالب، كل ذلك اختصاص الوزارة، والمعلم يلتزم بالخطة التي تفرضها وزارة التربية والتعليم عليه، ولا يمكنه الحياد عنها.
وقبل أشهر أجرى الشيخ عبدالله العيسري استطلاعا في حسابه على تويتر عن تأييد الواجبات المدرسية أو منعها، فكانت النتيجة أن أغلبية المصوتين الذين بلغ عددهم سبعمائة شخص أيَّدوا منع الواجبات المنزلية، ثم تحدث الشيخ عبدالله العيسري أن ابنته البكر درست سنواتها الأولى في بريطانيا (إن لم تخن الذاكرة) وأنه لم يكن يُفرض عليها كتابة واجبات منزلية ولا حمل حقيبة مدرسية، وهذا حدث قبل أكثر من اثني عشر عاماً لأن ابنته تدرس اليوم في كلية الطب، وفي بلدنا لليوم لا تزال وزارة التربية والتعليم تصر على فرض الواجبات المنزلية على الطلاب كعقابٍ يومي.
والشيخ عبدالله العيسري ليس الشخص الوحيد الذي سرد تجربته في تعليم أبنائه خارج السلطنة، إنما هناك كثيرون يتحدثون كل يوم عن هذا الأمر، ومنهم صديقتي التي أقامت مع زوجها في أستراليا أربع سنوات، ثم عادت للوطن وظلت فيه أشهرا قليلة ثم سافرت لبريطانيا مع زوجها ليكمل دراسته ويحصل على شهادة الماجستير، وعندما عادت من هناك، كان الشيء الوحيد المزعج من العودة هو تجليد الكتب والواجبات المنزلية والحقيبة التي كسرت ظهر أطفالها كما كسرت ظهور الآلاف من الطلاب في السلطنة بحملها كل يوم، وأولاد صديقتي بدأوا دراستهم منذ الروضة في استراليا ثم بريطانيا، وهي لا تتحسر سوى على الفرق بين مستوى الدراسة في بلدها وفي الدول التي أقامت فيها، فلا أحد يفضل الغربة عوضا عن العيش في وطنه، ولكن صديقتي من حديثها تشعر أنها تفضل العيش في الغرب، لأن هناك المسؤوليات والأعباء التي تقع على كاهل الأم أقل، فكانت تقول مع بدء العام الدراسي: ” رجعنا للمذاكرة وكتابة الواجبات والحقائب الثقيلة، هناك كان أولادي لا يحملون أي حقائب ولا واجبات ولا مسؤوليات، وإن حدث وحملوا شيئا فهو قصة قصيرة يقرؤونها في الصف “.
ثم جاء الفرج ببعثة دراسية لزوجها لدراسة الدكتوراه لمدة ثلاث سنوات، وبالرغم من حزنها على مفارقة الوطن إلا أنها كانت سعيدة لأنها لن تتحمل مسؤولية المذاكرة والإشراف على أداء الواجبات لطفلين لا يزالان في مرحلة التعليم الأساسي وهي لديها غيرهما طفلان صغيران.
ولكن ما هربت منه لابد أنها سترجع له بعد ثلاث سنوات، ما دام وزارة التربية والتعليم لا تزال مصرة على حمل الحقائب الثقيلة وأداء الواجبات المنزلية كل يوم.
وقد تحدثنا قبل أيام، وسألتها عن عدد الحصص الدراسية التي يدرسونها كل يوم؟ أجابت: أن ابنها الذي في الصف السابع يدرس خمس حصص في اليوم، وأنه مرتاح للدراسة هناك ويطالب أباه بأن يبقى هناك حتى يكمل دراسته، وأخته التي تصغره ترجو والدها أيضا بأن لا تعود للدراسة في عمان، وقد أرسلت لي صورة للحقيبة البلاستيكية الصغيرة التي يحملون فيها القصة التي يقرؤونها في الصف، وهي مجرد ملف صغير مثل الملفات التي يضع الطلاب فيها أوراقهم الدراسية.
وكذلك صديقتي الأخرى التي كانت تقيم مع زوجها في إحدى الدول الآسيوية أخبرتني قبل سنوات أنه بعدما سجلت ابنتها في إحدى المدارس الحكومية هناك للالتحاق بالصف الأول ذهبت للسوق واشترت لها حقيبة وأقلاما ودفاتر، وفي اليوم الأول للدراسة شعرت بإحراج شديد، فبعد أن اصطحبت ابنتها في يومها الأول إلى المدرسة تفاجأت بالمعلمة تسألها: لم الحقيبة؟!
ثم سمعت محاضرة طويلة عن أهمية أسلوب التعليم في هذه السن، قالت لها: لا يجب أن يحمل الطفل حقيبة ولا أقلاما، نحن هنا نعلمهم بالأقلام الضوئية، وبالكتابة بأصابعهم على الرمل، فمسك القلم والضغط عليه يعد شيئاً خطيرا في هذا العمر.
تقول صديقتي: بعدما سمعت تلك المحاضرة القيِّمة من المعلمة شعرت بالإحراج الشديد لأنني كنت الأم الوحيدة التي حملت الحقيبة لابنتها، وأحسست كأنني جئت من زمنٍ سحيق!!
وكان لديها طفلان يذهبان للمدرسة، ابنتها التي في الصف الأول وأخوها الذي يكبرها بأعوام، تقول صديقتي: “ما إن يصلوا للبيت حتى يظلوا يفكرون بالمدرسة ويسألونني متى سنذهب مرة أخرى، ويعدون الساعات حتى يحين اليوم التالي ويأتي موعد ذهابهم للمدرسة”.
فقد أصبح أولادها شغوفين بالدراسة جدا، ويتمنون لو يباتون في المدرسة من شدة الشغف، فكل التعليم في السنوات الأولى هناك يعتمد على اللعب والمرح والمساعدة على الإبداع والابتكار، دون أن يتحمل الطالب عناء حمل حقيبة مدرسية ثقيلة، أو أداء واجبات منزلية مملة.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock