محمد الجهوري يكتب: ما الفرق بين حقوق الإنسان وحدود حريته ؟

محمد بن عبدالله الجهوري- باحث دكتوراه في القانون العام

الحديث عن حقوق الإنسان وحرياته لا نستطيع أن نوفي حقه؛ فسنتناوله بالقدر اليسير الموجز، كون اللافت للنظر الخلط من البعض بين مسألة الحق والحرية، وقد تكون الحرية في نظرهم مطلقة.

توصف هذه الحقوق والحريات بأنها ملازمة للشخصية أو لصيقة بها ذلك أن محلها من المقومات الأساسية مادية ومعنوية لذات الإنسان والتي يستحيل وجوده بدونها ومن أمثلة هذه الحقوق الحق في الحياة والحق في سلامة البدن والحرية الشخصية والأهلية. ومن ثم فلا يجوز لأي فرد التنازل عن أي حق أو حرية من هذه الحقوق والحريات.

ووفقًا للنصوص الدستورية يمكن تقسيم الحقوق الإنسانية، وهي تلك الحقوق اللصيقة بشخص الإنسان إلى عدة حقوق كالحق في الحياة، والحق في السلامة الجسدية والحق في سرية المراسلات وغيرها، كما أن الحريات يمكن تفريدها إلى حريات دينية، كحرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية، وأخرى فكرية، كحرية الرأي والتعبير والصحافة.
إن الاعتراف بحقوق الإنسان وحرياته يتعين بحسب الأصل أن يكون مطلقًا وعامًا وأن تقييد هذه الحقوق لا يتم إلا في أحوال استثنائية لها ما يبررها، ورغم التسليم بعمومية حقوق الإنسان وإطلاقيتها إلا أن ممارسة أيّ من هذه الحقوق أو الحريات لا يجوز أن تتم على نحو يؤدي إلى التضحية بغيرها من الحقوق والحريات، فالمبادئ القانونية العامة تقضي بأن ثمة واجبات معينة تقع على كل فرد تجاه السلطة العامة في المجتمع وتجاه غيره من الأفراد سواء بسواء، كما أن إيراد قيود معينة استثناء على ممارسة الحقوق والحريات الأساسية لا يتعارض مع ما لحقوق الإنسان من احترام ومن ثم لا تشكل خروجًا على هذه الحقوق، وهذا ثابت سواء على مستوى التشريعات الوطنية أم على مستوى التشريعات الدولية.
أما على مستوى التشريع الوطني؛ فقد جرت عادة المشرع في العديد من الدول على النص صراحة على عدم إطلاق حق الأفراد في مباشرة حقوق معينة، إما بصورة دائمة أو بصورة مؤقتة، وذلك لاعتبارات خاصة خاضعة للسلطة التقديرية للمشرع في تنظيم الحقوق والحريات.
أما على مستوى التشريعات الدولية فقد نصت المادة 29/2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على: “يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط، لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها، ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام، والمصلحة العامة، والأخلاق في مجتمع ديمقراطي”.
وغنيٌ عن البيان أن هناك تكاملًا بين حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وذلك من حيث التنظيم الدستوري والتشريعي، على الرغم من أن الفقه لم يتفق حول أبعاد هذا التكامل، بل هناك من أقر تطابقًا بين حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وغيرهم خالف هذا الاتجاه، وآخر أيد استغراق حقوق الإنسان لحرياته الأساسية.

وفي الحقيقة أن للحرية مدلولًا نسبيا وليس مطلقا وإنها مقيدة بالأعراف والتقاليد والنظام العام والآداب لذا فهي ذات معنى اجتماعي تتمثل في سيادة الإنسان على نفسه أو الاعتداء على حقوق الآخرين وحرياتهم وهذا المدلول للحرية هو جوهر ما ذهب إليه الإسلام من الحرية، وهي التحرر من الشهوات، لأن في ذلك سعيًا نحو الكمال الإنساني إذ يُمارس الإنسان حريته مع الحفاظ على حريات الآخرين ( الدكتور / ادريس محمد حسن الجبوري، الحرية الدينية في الشريعة الإسلامية ).

كما إن الحرية لا تملك وجودا لذاتها، بل لابد أن تكون محلا لاعتراف قانوني بها، يحدد مضمونها وينظم ممارستها ضمن نطاق ضرورات الحياة الاجتماعية
ومن مميزات الحرية أنها ليست مطلقة، لأنها هنا تعني الفوضى والإباحية والتسيب والفساد، على حد قول المفكر بارك ادمون: “الحرية لا العبودية في علاج الفوضى”. على أساس أن الحرية هي التحرر من القيود والضغوط الاجتماعية
ومن هنا فإن الحرية إنما يقصد بها الحرية النسبية التي تتناسب مع قدرات الفرد وإمكاناته وليس المطلقة، لأنه لا وجود للحرية المطلقة، لأنها تسبب الفوضى والتسيب والارتباك والتفكك والانهيار في المجتمعات، ولابد من ضبطها بضوابط واقعية وفي ظل نظام ومرتكزات ترتكز على الأخلاق والآداب العامة وفي حدود ما يأمر به القانون، حتى يتم تقليص تأثيراتها السلبية لصالح التأثيرات الإيجابية على الفرد ثم على المجتمعات. حتى أن حرية الإنسان على جسده ليست مطلقة، وإنما نسبية ومنظمة بحيث لا يستطيع أن يتصرف بجسده بمطلق حريته، أو إتلافه كسائر الأموال التي يمتلكها، فجسد الإنسان تسكنه الروح، وهذه الروح لا يقدر أن يتصرف بها إلا من خلقها ووهبها له
وأخيرًا، تُعدّ الحرية هي القدرة على التصرف ضمن مجتمع منظم وفقًا للتحديد الذاتي ولكن ضمن القيود والقواعد القانونية الموجودة والسارية في ذلك المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock