“قصة نجاح” رائد الأعمال العُماني الذي “أنقذه” الفشل وأوصله للنجاح

أثير- سيف المعولي

استوقفني منظرُه على أحد الطرق في “عزّ النهار”؛ شابٌ عُماني يُوزِّع الماء على مجموعة عُمّال ويتحدث معهم و”كأنه منهم”، فقادني “شيءٌ ما” إلى التوقف، والحديث معه. ظننت في البداية بأنه يعمل في تلك الشركة التي يقوم عمّالها بـ “السفلته”، لكنه فاجأني بحديثٍ “ملؤه الفخر”: أنا صاحب الشركة.

سألته “مازحًا”: لِمَ تُتعب نفسك وتقف هنا على الطريق وأنت “البوس”، فأجاب: “صهرتني الحياةُ صهرًا، وعلى مثل هذا الطريق كانت بدايتي”. فعرفتُ حينها أن “الشيء ما” الذي استوقفني بدأت تتكشف ملامحه.

تبادلنا أطراف الحديث فتراءت لي حكايته؛ شاب كانت نسبته في الثانوية العامة عام 2003م 20%، لكنّ شركته تجاوزت نسبة “أرباحها” في 2018م الـ 200%، وما بين هذين العامين مشوارٌ طويلٌ لم يسلم من “مطبات” و”تحويلات” و”تشققات” حاول “سفلتتها” بعزيمة وإصرار وقبلهما اليقين بأنه “كله خير”.

لم يُسعفنا الوقت لاستكمال حكايته ونحن على الطريق، فطلبت منه لقاءً آخر في مكتبه، لننشر قصته في “أثير”، فلم يتردد في الموافقة، بل قال بلسان الواثقين: أنا فخورٌ بنفسي وعملي، وفشلي “أنقذني” وأوصلني إلى ما أنا عليه اليوم.

بـ “الفشل” الذي سمّاه “المُنقذ” بدأ خلفان بن سالم بن خلفان البلوشي – المعني بالحروف أعلاه- سرد حكاية مشواره الطويل؛ لتكون أولى محطاته بيت أحد أقربائه في السيب الذي التجأ إليه “للتستر” على “فشيلة النسبة”، ليكون المشهد اليومي أمامه “مؤنّبًا للضمير” و”محفّزًا على التغيير”؛ كيف لا! وكل أقرانه يذهبون يوميًا إلى أعمالهم ويبقى هو “لا شغل ولا مشغله”!

وجّه له أحد الموجودين في المنزل ذات يوم البوصلة، وحدد له “الإحداثيات” قائلًا له: اذهب إلى أخيك الأكبر لتعمل معه في مكتبه العقاري حتى في “تقديم الشاي”، فانطلق “مشيًا” وبعدها بـ “تاكسي” إلى محطة أخرى من حياته بدأت بـ 100 ريال شهريًا.

لم يكتفِ البلوشي بالعمل في المكتب مع أخيه، بل أراد أن يتعلّم صنعةً ما تجعله جديرًا بالحصول على وظيفة، بالإضافة لتعلّم اللغة الإنجليزية، فدخل المعهد الوطني للضيافة بالوادي الكبير، وتقاسم مع أربعة أشخاص غرفة صغيرة ، وعاش معهم “المعاناة”؛ فإن تغدوا في يوم فإنهم لا يضمنون العشاء إلا بـ “خبزة وجبنة” أحيانًا.

البلوشي وهو يتحدث لـ “أثير” عن حكايته

تخرّج خلفان من المعهد وعُيِّن في أحد المنتجعات المشهورة في مسقط بوظيفة “نادل طعام”؛ إلا أن قانونًا أنزله مدير الموارد البشرية هناك “من رأسه” جعل حلم الوظيفة الفندقية يتوقف لديه؛ حيث اشترط عليه “حلق الشنب”، وعندما رفض ذلك، تحدّاه وقال له بالحرف “اذهب وبتموت جوع”، ليكون ذهابه هذه المرة بداية “لحياة رغيدة”.

لازمته كلمة مدير الموارد البشرية، ورجع إلى مكتب أخيه الذي عرض عليه راتبًا 180 ريالا و40% من نسبة البيع، فبدأ التحوّل يظهر لديه، وفاق دخله الشهري الـ 2000 ريال، ومن “تاكسي” كان يتنقل به إلى “سيارات” يحرّكها كيفما يشاء، لكنه لم يتوقع أن “المطبّة” التي سيصطدم بها سترجعه إلى البدايات مرة أخرى كما كان في “السيب” و”الوادي الكبير”.

كسد العقار، وهبطت حركة البيع والشراء، فـ “انكسر مركب” خلفان، وعاد إلى ما كان عليه؛ لا وظيفة، لا سيارة، لا مصروف لديه، حتى قرر العودة إلى قريات حيث منزل العائلة والتفكير في بداية مشوار جديد، فكان له ما أراد عبر تأسيس شركة تختص بمقاولات الاتصالات والبنية التحتية.

بمساعدة من عائلته اشترى “بيك أب”، وأصبح ينطلق الساعة الثالثة فجر كل يوم من قريات، ليأخذ عمالًا من بركاء إلى نخل، إلى مسقط، ويضطر أحيانًا إلى المبيت في السيارة، أو في أحد المصليات، لتتحول الـ “بيك أب” بعدها إلى شاحنة ثم اثنتين، ثم زاد أنشطة الشركة لتشمل صيانة الطرق والجسور والحفريات المتعلقة بهما ، لتصبح اليوم شركةً من “الدرجة الممتازة” تحمل اسم ” راية النهضة الدولية”.

 

يقول خلفان البلوشي عن ذلك” لم يكن الأمر سهلًا بالمرة، لكنه كان ماتعًا، والفشل الذي تعلمته في “النسبة” و”تجربة العقار” حصّنني نوعًا ما، وأعطاني القدرة على تجاوز المطبات، كما إنني لم أهمل المعرفة والتعليم، فاشتغلت على نفسي في هذا الجانب، وأكملت الثانوية العامة بنجاح، ثم ذهبت إلى أمريكا، وألمانيا، لأتعلم كل شيء يخص عملي، وأُصبِح اليوم عارفًا بكل ما تقوم به شركتي في الطرق رغم أنني لست مهندسًا ولا أحمل شهادة بذلك، لكنه الشغف والنجاح الذي بدأت بجني ثماره بشكل متعقل، فالأرباح حاليًا لا أصرفها في “اللعب” وإنما أوجهها للاستثمار في الشركة أكثر، وتسديد المديونيات، وشراء المزيد من المعدات والأجهزة.

ويضيف: لا يفوتني هنا شكر كل من وقف معي وأولهم عائلتي، كما أرفع أسمى آيات الشكر والعرفان لمولاي جلالة السلطان المعظم – حفظه الله- على اهتمامه بالشباب العماني، وما 10 % المخصصة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلا نظير توجيهاته السامية؛ الأمر الذي أثمر علاقة طيبة بيني وبين المؤسسات التي طبّقت هذه النسبة ووثقت بي وبعملي وعلى رأسهم “ريادة” وبنك عمان العربي، وشركة مسقط للتمويل، والشركة العمانية للنطاق العريض، والشركة العمانية للألياف البصرية، وشركة المقاولات المصرية.

خلفان بن سالم البلوشي

لم يُنسِ النجاحُ خلفان المعاناة التي مر فيها، بل حفّزه على مساعدة أقرانه من رواد الأعمال بما يستطيع، حيث يختصر عليهم المسافات ويوضح لهم مكامن الأخطاء التي ينبغي عليهم التنبّه لها، وينصحهم بعدم الاستعجال والصبر، كما يؤكد لهم أن “الجانب الإنساني” لأعمالهم له قدرٌ كبيرٌ في نجاحهم، وقصص “العامل والبيزنس كلاس” و”الإيثار بالوظيفة لابن مصيرة” نماذجٌ في حياته، لولا الخوف من “الرياء” لذكرناها بتفاصيلها.

 

واليوم، ينظر البلوشي إلى “مرتفعات المنى” في بوشر ليبني فيها أحلامه، بعد أن رصف طريق حياته بـ “أسفلت صلب” لا يخاف معه من السقوط مرةً أخرى، فقد تعلّم من الدرس، وتخلّص من “المديونيات”، و”تدكّى على جبل”، سيأوي إليه من المطبات الأرضية والهوائية.

 

فماذا عن “الفشل” في حياتك أيها القارئ الكريم؟ هل كان مُنقِذًا لك في يوم ما؟

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock