تعرّف على اللُبان العُماني، ودوره في ربط العلاقات الحضارية

الباحث/ محمود محمد صادق- محافظة المنيا بجمهورية مصر العربية

اكتسبت محافظة ظفار الواقعة أقصى جنوب السلطنة أهمية كبيرة بين محافظات ومناطق سلطنة عُمان، ليس لأنها تمثل حلقة اتصال منذ القدم مع شبه الجزيرة العربية والوطن العربي كرائدة في تصدير اللبان والبخور والخيول، فضلا عن ثرائها التراثي والأثري الذي يعود إلى فترة ما قبل الميلاد، بل أيضا لأن محافظة ظفار تتميز بخصائص جغرافية يأتي في مقدمتها الموقع الجغرافي الممتاز الذي لعب دورا أساسيا في زيادة عمق العلاقات التجارية والحضارية بين ظفار ومناطق شبه الجزيرة العربية والحضارات الأخرى، حيث أسهمت تجارة اللبان والخيول والتمور بدور حيوي في زيادة عمق هذه العلاقات، فقد اتصلت ظفار ببلاد الشام منذ القرن العاشر قبل الميلاد، ومع مصر في العهد الفرعوني، حيث شكل اللبان والبخور والمر الذي كانت تنتجه ظفار منذ عهود غابرة رواجا اقتصاديا مهما، وذلك لاستخدامه في إقامة الشعائر الدينية والطقوس الجنائزية في المعابد القديمة والأديرة حتى وقت قريب مضى.

ويعرف اللُبان بأنه مادة لزجة، تأتي عن طريق سكب الشجرة أو قشط قشرتها الخارجية ليظهر سائل لازج وعندما يتعرض إلى الهواء فإنه يجف في شكل صمغ بلوري يعرف باسم اللبان.

الموقع والتسمية

تقع محافظة ظفار أقصى جنوب سلطنة عُمان وهي تمتد بين خطي الطول (10 52 ، 5600) شرقا وبين دائرتي العرض (50 16، 50 19) شمالا، وتتصل المحافظة من الشرق بمحافظة الوسطى (تلال الجازر) ومن الجنوب الغربي بحدود السلطنة مع الجمهورية اليمنية (هضبة حضرموت) ومن الجنوب ببحر العرب، ومن الشمال والشمال الغربي بصحراء الربع الخالي
يرجع تسمية ظفار بهذا الاسم نسبة إلى ظفار بن حام بن النبي “نوح عليه السلام” كما سميت أيضا باسم ” سفار” وبار” و”دفار” و”أفير” و” بلاد بونت” و” أرم” كما ذكر ذلك في سفر التكوين وأدبيات سكان فلسطين وبلاد الشام والرافدين ومصر، الذين كانت تربطهم علاقات تجارية بها منذ القدم في استيراد تجارة اللبان والبخور.

ومن أسماء ظفار التي عرفت بها لدى سكانها وسكان المناطق المجاورة لها في “حضرموت” و”المهرة” وغيرها هي أرض “الأحقاف” وهو الاسم الذي ورد في القرآن الكريم ( وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، كما عرفت ظفار بأرض “ريدان” حيث كان الحميريون يطلقون على أنفسهم ملوك سبأ ويمنت وحضرموت وذو ريدان، وقد تم العثور على حصن قديم يحمل اسم “ريدان” في مدينة “تريم” بشمال اليمن حيث يرجح أن اسم الحصن والمدينة مشتق من اسم “ريدان” التي هي ظفار حاليا.

التواصل الحضاري والتجاري بين ظفار وحــضـــارات العـــالم القـــديم

لعبت تجارة اللبان والخيول وغيرها من المنتجات الأخرى التي اشتهرت بها ظفار خلال الحقب التاريخية المتعاقبة دورًا أساسيا في توثيق العلاقات والصلات الحضارية والإنسانية، حيث اكتسبت ظفار أهميتها في العالم القديم وعصور الحضارات المزدهرة، كالحضارة السومرية والفرعونية والبابلية والرومانية وغيرها لوجود “اللبان” تلك الشجرة التاريخية المهمة التي ورد ذكرها في اللوحات القديمة والكتابات والرسوم نظرًا لمكانة اللبان دينيًا واقتصاديًا، حيث عثر في منطقتي ظفار والربع الخالي على عدد من ” اللوحات السومرية ” مكتوب عليها “بخور” ذلك الذي يستخرج من أشجار اللبان لكونه مطلوبًا للحكام والقساوسة، حيث كان يخلط مع الزيت والشحوم لاستخدامه لأغراض الطقوس الدينية وكعلاج وبخور عطري.

ويُعرف عن اللبان أنه ذو رائحة زكية تبقى طويلا عالقة في الإناء الذي توضع فيه، وذكر كهنة اليهود وأحبار النصارى أن اللبان ذو قيمة روحية وفعلية كبيرة، ولذلك استخدموه في الكنائس لإقامة الشعائر الدينية والكنائسية، فيما استخدم اللبان في المناسبات الروحية والسياسية، فيقال بأنه بخر به عرش النبي سليمان عليه السلام، كما ذكر في أنشودة سليمان عليه السلام، وإنجيل متى، كما قدم المر والذهب واللبان كهدية للنبي عيسى بن مريم عليه السلام، وقد اعتاد الأباطرة القدماء على أداء طقوس الولاء عقب توليتهم مقاليد الحكم على ضوء نيران اللبان وهي تشتعل.
ولقد اعتمدت ظفار منذ فجر التاريخ على تجارة اللبان واحتكر أبناؤها تجارة هذه المادة الثمينة التي شكلت دعامة أساسية في تكوين اقتصادهم الوطني، ولذلك احتلت تجارة البخور مكانة الصدارة في التجارة العالمية في تلك الحقبة التاريخية بمنطقة جنوب شبه الجزيرة العربية، ولقد عرف شعب هذه المنطقة بأنه أغنى عنصر بشري عرف عبر التاريخ وحتى القرن الأخير قبل الميلاد، والقرن الأول الميلادي، باعتبار أن اللبان ثروة لها قيمة حيوية تضاهي في عصرنا الحالي الذهب أو النفط، إذ لم يكن يشتريه قبيل هذه الفترة لغلائه إلا رجال الدين والملوك الأثرياء لاستعماله في الشعائر الدينية والروحانية والمناسبات الدينية وفي الاجتماعات الخاصة بهم، وقد كانت ظفار هي المصدر الأساسي في إنتاج اللبان بمنطقة شبه الجزيرة العربية ولذلك وصفت من كثرة ثرائها بالمنطقة العربية السعيدة.

وقد لعبت تجارة اللُبان دورًا بارزًا في زيادة الصلات التجارية مع الحضارات القديمة مثل السومرية والبابلية والآشورية في بلاد العراق القديم، حيث زاد الطلب على العطور والبخور القادمة من شرقي شبه الجزيرة العربية ومناطق الربع الخالي وظفار، كما كانت مزدهرة أيضا مع الحضارة الفرعونية القديمة في مصر، فقد أشارت أدلة أثرية كثيرة إلى وجود علاقات مزدهرة بين الفراعنة في مصر وبين حضارة ظفار وأن أقدم ما ورد مسطرًا على الآثار المصرية، فقد عادت البعثة التي أمر بإرسالها الملك ساحورع من الأسرة الخامسة في منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد من تلك البلاد، كما جاء ذكرها مرة ثانية على حجر بالرمو وفيها تفصيل لما عادت به الحملة من خيرات ظفار مثل الحيوانات وبعض الأحجار نصف الكريمة إلى جانب السلع الرئيسية من الرحلة وهي اللبان والبخور، وزادت صلة الفراعنة ببلاد ظفار في عهد الأسرة السادسة إلى حد كبير اذ إن الملك منتوحتب أرسل مدير خزائنه لإحضار البخور من ظفار، على أن أشهر رحلات الفراعنة إلى ظفار تلك الرحلة التي أمرت بها الملكة (حتشبسوت) منذ بداية الألف الثانية قبل الميلاد، ونقشت مناظرها على جدران معبد الدير البحري في طيبة والتي عادت من عُمان محملة بخيرات من ظفار من بخور وعطور وحيوانات وأخشاب.


وقد أثبتت الاكتشافات الأثرية أن الصلات التجارية بين مصر ومنطقة شبه الجزيرة العربية تعود إلى حوالي 1500 قبل الميلاد، وفي الألف الأول قبل الميلاد ازداد الطلب على اللبان نتيجة الاستهلاك المتزايد في كل من بلاد ما بين النهرين وسوريا واليونان وروما حيث ارتفع الطلب إلى قمته في القرون الأولى الميلادية وكان يتم تصدير اللبان من بلاد العرب إلى الغرب وكذلك بلاد السند والصين.

وقد نشأت علاقات تجارية مع الصين حيث أصبحت موانئ ظفار والشحر والمهرة مشهورة بتصدير اللبان بكثرة إلى الصين، حيث أطلق المؤرخون على هذا الشاطئ من جزيرة العرب شاطي البخور، كما كان الطريق البحري من جنوب الجزيرة العربية الي جنوب الصين “طريق البخور” وهو يماثل “طريق الحرير” في الموصلات البرية بين الشرق والغرب في عهد أسرة “هان” الصينية.

وقد نمت العلاقات السياسية بين ظفار والصين نتيجة ازدهار ونمو العلاقات التجارية بين البلدين، وهذا بدوره عزز العلاقات الشخصية بين حاكم ظفار وإمبراطور الصين خلال فترة القرن الخامس عشر الميلادي حيث أسفرت العلاقات بينهما على تبادل الود والهدايا بين حكام البلدين.

المصادر:
• وزارة الإعلام (1995). عُمان في التاريخ، وزارة التراث القومي والثقافة، دار اميل للنشر، مسقط، سلطنة عمان
• عز الدين، حامد محمود (1980). عُمان في فجر الحضارات، مسقط، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة.
• الحتروشي، سالم بن مبارك (1997). الخصائص الجغرافية لمحافظة ظفار، بحث مشارك به ضمن حصاد الندوة التي أقامها المنتدى الأدبي في صلالة في الفترة ما بين 17ـــــ19 جماد الآخر 1418ه 19ــــــ21 أكتوبر 1997م، الطبعة الثانية، سلطنة عمان
• الجرو، اسمهان سعيد (2009). تاريخ عمان ودراسات في الحضارة الإسلامية، منشورات جامعة السلطان قابوس، الطبعة الثانية، سلطنة عمان، مسقط.
• المريخ، سعيد بن مسعود (1997). شذرات من تاريخ ظفار، بحث مشارك به ضمن حصاد الندوة التي أقامها المنتدى الأدبي في صلالة، الطبعة الثانية، 2007م، سلطنة عمان.
• صادق، محمود محمد (2018). التراث العمراني في محافظة ظفار بسلطنة عُمان. بحث منشور بمجلة كلية الآداب-جامعة المنيا-عدد ديسمبر 2018م.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock