في جعلان: “حارة السندة”.. تاريخ أثري عريق من القرن الثامن عشر

 أثير – تاريخ عمان
إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

“تزخر سلطنة عمان بتراث معماري عريق، عراقة تاريخها، ويشكل هذا التراث المعماري، ثروة وطنية وإرثاً حضارياً. وتعتبر الحارات العمانية القديمة -بما تضمه من بيوت قديمة وحصون وقلاع ومساجد- نماذج للمعمار العماني التقليدي، الذي أظهر براعة الإنسان العماني”.

وتعد الحارات القديمة مفتاحاً أثرياً يكشف العديد من السياقات الاجتماعية التي كانت تدثّر الحياة العمرانية في الماضي، حيث تحتضن عدداً من القلاع والحصون والبيوت والمساجد التي ظلت شاهداً على براعة الإنسان العماني في البناء المعماري، حارات قديمة لملمت بين جنباتها عدداً من المعالم مثل الأسواق القديمة المترفة بروح الماضي، لتغدو ذاكرة حية وشاهداً على حقب ماضية.

وتعد “حارة السندة” أو “حيرة السندة” بولاية جعلان بني بو علي من الحارات العمانية العريقة التي تعد شاهداً على تاريخٍ عريق عاشته السلطنة بشكلٍ عام، وولاية جعلان بني بو علي بشكلٍ خاص، ويمكن عدّها نموذجاً يعبّر عن حياة المجتمع في السابق أسوةً بحاراتٍ أخرى لا تقل أهميةً وعراقة كحارة العقر بولاية نزوى، وحارة البلاد بولاية منح، وحارتي اليَمَن والنزار بولاية إزكي، وحارة فنجاء بولاية بدبد، وحارة السليف بولاية عبري، وغيرها من الحارات التي تميز بقية الولايات والمدن العمانية كشواهد على تاريخٍ عريق من التفاعل الحضاري والمجتمعي بها.

“أثير” زارت الحارة، وتجولت فيما تبقى من معالمها، وسألت عن تاريخها، فكان هذا التقرير.

تاريخ التأسيس

لا يوجد تاريخ محدّد يمكن الاستناد إليه لمعرفة الفترة التي تأسست فيها الحارة، ولكن وبحسب الروايات الشعبية المنقولة عن كبار السن يمكن الاستنتاج إنها تأسست في القرن الثامن عشر من قبل بيوت قبيلة السندة الأربعة بعد نزوحهم من (حيرة مسعودين) التي تقع على بعد خمسة كيلو مترات إلى الجنوب، فأقاموا بيوتهم من الطين والجص والبعض من السعف على حسب قدرة كل أسرة، ثم شرعوا في بناء السور ليحيط بالحارة من الجهة الشمالية والشرقية وجعلوا له بوابات (دراويز) تُفتح في الصباح وتُغلق في وقت المساء.

حدود الحارة وتحصيناتها

كان للحارة سورٌ يحيط بها للحماية، ويتم الدخول إليها من خلال دروازتين (بوابتين)؛ إحداهما تسمى دروازة البلوش وتقع في الجهة الشرقية، والأخرى دروازة المزلّق وتقع في الجهة الشمالية الغربية بالقرب من مسجد (الكفي)، كما بنى الأهالي ثلاثة أبراج في أركان هذا السور من الجهة الغربية الشمالية، والجهة الشرقية الشمالية، والجهة الشرقية الجنوبية لتحمي ساكني الحارة من الأخطار المختلفة وقتها، ويحدّ الحارة من الجهة الغربية مسار خمسة أفلاج وهي فلج الجديد وفلج الظاهر وفلج السيح وفلج حمد وفلج زويد، أما من جهة الشمال فيحدها مسار فلج بلحيس، ومن الشرق منطقة سيح قريحه، ومن الجنوب منطقة الظاهر حيث تقع قلعة آل حموده رمز الولاية وشعارها، ومقر حكم شيوخها، ومركز صناعة القرار السياسي المحلي وقتها.

مساجد عديدة

يوجد بالحارة العديد من الجوامع والمساجد التي تدل على مدى اهتمام أهلها بالجانب الديني في جوانبه الفرائضية أو التعليمية، ومن بين هذه الجوامع والمساجد: جامع خميس بن ربيّع، ومسجد أولاد غابش بجوار السوق، و مسجد الكفي القريب من دروازة المزلّق، وهو من المساجد الأثرية القديمة في الولاية، وغير بعيد عن أطراف الحارة يقع مسجد(العود) الذي بناه مسعود بن علي السنيدي بالقرب من موقع المناداة على بادّة الأفلاج.

سوق تقليدي

كعادة الحارات العمانية التقليدية، يوجد بالحارة سوق تقليدي يسمى (سوق السندة)، ويقع في غرب الحارة، وكان يعد أحد أهم سوقين في مركز الولاية، وبه العديد من المحلات المختلفة التي تدل على نشاط تجاري مزدهر مثل محلات بيع المواد الغذائية، ومحلات صناعة الحلوى، وورش النسيج والحدادة، كما كانت تتم به العديد من العمليات التجارية مثل المناداة على السلع المختلفة، وتعرض به السلع الموسمية، والسلع التي يتم استيرادها من خارج البلاد.

بيوت أثرية

يوجد بالحارة العديد من البيوت التاريخية التي شهدت أحداثاً سياسيةٍ واجتماعيةٍ عديدة؛ كبيت خميس بن سعيد السنيدي الذي كان يعد من الشخصيات السياسية البارزة التي أنجبتها الولاية واشتهر بالحنكة السياسية، ويوسف بن علي السنيدي الذي ارتبط اسمه بعدد من الأحداث التاريخية.

ومن البيوت الكبيرة التي لا زالت قائمة حتى الآن: بيت محمد بن خميس السنيدي، وبيت صالح بن محمد السنيدي، وبيت راشد بن خلفان بن حمد السنيدي، وبيت أولاد خميس بن ربيّع السنيدي، وهي بيوت تشي بفخامةٍ ويسار ومستوى اقتصادي واجتماعي، بدليل كبر حجمها، وطوابقها المتعددة، وقوة تحملها.

المراجع:
1- الفاضل أحمد بن خميس بن محمد السنيدي. معلومات عن حارة السندة، مكالمة هاتفية، 27 فبراير 2019
2- النوفلية، أمل. الحارات القديمة.. ذاكرة المجتمعات، مجلة الصحوة الإلكترونية، 30 نوفمبر 2018
3- جريدة الوطن. الحارات العمانية القديمة.. ثروة وطنية وإرث حضاري عماني عريق، 7 يونيو 2015
• الصور من تصوير معد التقرير، ومن صفحة “جعلان بني بو علي” في تويتر.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock