د.سالم بن سلمان الشكيلي يكتب: هل بقيت للعرب من سيادة ؟!

      

أثير- د.سالم بن سلمان الشكيلي

يبدو أن العالم بات يعيش مرحلة مختلفة تماما عن سابقاتها ، التي كان يظهر لنا فيها بوجهين ، وجه ظاهر حسن النضارة ، ووجه خفيّ قبيح بالغ الحقارة ، حيث المؤامرات والصفقات تظل طي الكتمان على الأقل فترة من الزمن ، ريثما يزول القناع ؛ فيبين ذلك القبح المشين القذر .

عاش العالم العربي بعد أن ضيّع وحدته ، وهانت عليه أمته ، في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين ، حالة من الاستعمار السياسي والعسكري والاقتصادي ، من قبل دول الاستعمار ، فعلى مستوى الاستعمار السياسي كانت سيادة الدول المستعمَرة منتهَكة انتهاكا صارخا ، فالقرارات السيادية تتخذ إمّا في لندن أو باريس أو روما بحسب الدولة المستعمِرة الجاثمة ، أمّا فيما يتعلق بالاستعمار العسكري ، فكانت قوات الدول المُستعمِرة تسرح وتمرح في شوارع الدول المستعمَرة ، وكان الحاكم العسكري هو الأمر الناهي ، بينما كانت مهمّة الاستعمار الاقتصادي نهب وسلب ثروات البلدان التي ترزح تحت وطأته ، في الوقت الذي تعيش فيه شعوب هذه الدول في ظل فقر مدقع ، ومرض مزمن ، وجهل مظلم ، وتنمية منعدمة .

ونالت الدول العربية استقلالها ، وتخلّصت من الاستعمار وظنّ أهلها أنهم أصبحوا قادرين على اتخاذ قراراتهم بواسطة أنظمة الحكم ، كان ذلك يبدو صحيحا في الظاهر ، لكن في الخفاء فإنّ الوضع على خلاف الظاهر ، إذ ظهر استعمار من نوع جديد ، وبأسلوب آخر أكثر خطورة ، كانت المؤامرات والصفقات تحاك في الغرف السوداء ، فظهرت أنظمة الحكم هشة ضعيفة ، تتجاذبها الرياح العاصفة الآتية من الغرب ، فلم تعُد تقوى على حماية نفسها ، فكيف بها على حماية دُوَلها وشعوبها .

أوهمت هذه الأنظمة شعوبها بحُرّيتها وقدرتها على اتخاذ قراراتها السياسية المصيرية ، ولأنهم يعلمون أنهم لا يملكون من أمرهم شيئا إلا باتصال أو مبعوث يأتيهم من واشنطن أو لندن أو باريس أو موسكو ، أشبعوا شعوبهم – صباحَ مساءَ –  ألحان الطرب في السيادة والاستقلال ، وهم في حال مزرية من الخذلان والضعف والهوان ، وكأن حالهم يقول ” نحن مغلوب على أمرنا فلا تصدقوا كلامنا ” . 

 لقد تناثرت أوراق شجرة التوت ، وانكشفت سوءاتهم ، وبان كذبهم وخداعهم في البر والبحر ، وكشفت وسائل الإعلام المختلفة ما ظهر منها وما بطن ، وبدأ انتهاك سيادة الدول على المكشوف ، وبشكل فاضح ، والغريب في الأمر أنّ هذا التدخل لم يعُد مقصورا على دول الشرّ الكبرى ، بل دخلت حلبة الصراع والصراخ والضجيج دول أو دويلات مغمورة ، خُيل لحكامها الصّبية قدرتها على حكم العالم ، ليس بقدراتها الذاتية ، وملياراتها المادية ، وإنما بتواطؤ وحماية ورعاية أمريكية أوروبية ، لسبين :

* الأول : تحقيق مصالحها وأهدافها في إثارة الفتن وتمزيق الدول  بالوكالة ، من خلال صبْية مغرورين ، وجدَت فيهم تلك الدول خير من يقوم بهذا الدور القذر . 

* الثاني : كسب مليارات الدولارات ، فالخزائن الأمريكية بالذات مفتوحة وهي تقول لهم : هل من مزيد حتى تحققوا أحلامكم وأوهامكم إلى حين . 

حالة العالم العربي الأن أشدّ بؤسا ، وأحْلَك ظلمةً من ذي قبل ، فهذا نظام حكم يعيش تحت حماية أمريكية أوروبية ،  فإذا ارتفعت هذه الحماية سقط النظام لأنه لا يستند إلى قاعدته الشعبية ، حتى تكون له درعا وسندا ، واعتمد على نخر حلفائه لنظامه ؛ حتى غدا مثل قطعة إسفنج طَفَت على سطح بحر ، تتقاذفها الأمواج العاتية ، وهذه دولة أخرى تتصارع فيها القوى السياسية، كل فريق يتوسل إلى واشنطن أن تسانده وتدعمه للوصول أو الاستمرار في السلطة ، وهذه القوى غير آبهة بشعبها ، وتظهر مالا تبطن من حيث تآمرها مع الخارج ، وأمريكا لهم خادعة ، تضرب هذا بذاك ، وأينما وجدت مصلحتها مالت إليها ولو على جثث القتلى ودماء الأبرياء ، وذاك رئيس نظام ، يظهر في حشد من المطبلين والمهللين له ، ليتحدث عن السيادة والنصر ، أي سيادة ؟! وأرض بلاده محتلة من قوات غربية وشرقية وهو لا يقوى على مغادرة قصره دون حماية تنتشر أرضا وجوا ، وخمسة عشر مليونا من شعبه مهجّر ، ومع كل ذلك تضج القاعة له بالتصفيق والقيام والقعود ، وكأنهم قد عدموا عقلا وضميرا وبصرا وبصيرة  . وتلك دولة رابعة تنام وتصحو على عشرات الصواريخ والقنابل ، وعشرات القتلى ومئات الجرحى غير الدمار الهائل ، ورئيسها لا حول له ولا قوة غير الاستكانة وتنفيذ ما يُطلب منه ، حتى ولو كان ذلك على حساب دمار بلده واستباحة دم شعبه ، والحجّة كما يسوّقها المكان الذي يقيم فيه ، لا يستطيع مخالفته ولا مبارحته . وتلك دولة خامسة تثور فيها الاحتجاجات فيُملى على النظام ، بقمعها وعدم الاكتراث بها ، وما يخلفه قمعه من قتل وتعذيب ، وذلك نظير حفنة من الدولارات تدفع له من حليف لواشنطن ، فتنصاع للأمر بعدما سال لعاب من على سدة حكمها ، فأرعد وزمجر ، وأمام الدولارات هوى وانكسر . 

    

 ‏من فضلكم لا تتحدثوا عن السيادة ، وقد فرّطتم فيها بأيديكم وأفعالكم ، فقد باتت أفعالكم مكشوفة وأطماعكم في السلطة كالشمس شارقة ، ومبادئكم ليست إلا كفراش تهاوى على نار موقَدة حارقة . لا تتحدثوا عن مصالح الأوطان ، فقد قدمتم مصالحكم الشخصية على مصالح أوطانكم وشعوبكم ، أغوَتكم شياطين الإنس والجن فاشتريتم الثانية بالأولى وقد اؤتمنتم عليها ، وها قد بانت خطاياكم وخطيئاتكم ، وانكشفت سوءاتكم وخياناتكم . 

 لا تزعموا أنكم أحرار ، وقد صرتم عبيدا للكرسي والدرهم والدينار ، لا تحاضروا في السيادة والاستقلال ووطنية اتخاذ القرار ، فقد انتهى وقت الدروس ، راجعوا أنفسكم ، وتذكروا مصالح أوطانكم وتصالحوا مع شعوبكم ، فذلك أبقى وأنفع لكم ، استذكروا خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وكيف خضع له الجبابرة وساد بلاد الإسلام والمسلمين العدل والطمأنينة والسلام .

 

            

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock