دراسة مهمة تؤكد وصول العمانيين إلى حدود جنوب أفريقيا

أثير- تاريخ عمان

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

سجل التاريخ وجودا تاريخيا ودورا حضاريا للعمانيين في ساحل شرق إفريقيا منذ القرن الهجري الأول، ويرجع الفضل في ذلك إلى الملك العماني سليمان بن عباد الجلنداني المعولي الذي آل إليه ملك عمان بالإرث من والده عباد بن عبد، وتزامن حكم سليمان بن عباد لعمان مع عهد الخليفة الأموي العظيم عبد الملك بن مروان (65ه -86ه)، وكانت مملكة عمان في ذلك الوقت تبسط نفوذها على رقعة كبيرة جدا تمتد من اليمن حتى إقليم البحرين المنطقة المعروفة اليوم بالأحساء وما جاورها بالإضافة إلى سيطرتها على أجزاء من بر فارس بحيث كان الخليج العربي بكامله تحت قبضتها، وكانت تأخذ العشور على السفن الداخلة إلى الخليج والخارجة منه بجانب ما تحصله من واردات التجارة إلى صحار عاصمة عمان في ذلك الوقت والتي كانت مركز استيراد وتصدير عالمي خلال القرنين الأول والثاني الهجريين.

وقد امتد الوجود العماني في شرقي أفريقيا لسنواتٍ طويلة منذ هجرة أبناء الجلندي ومن تبعهم بعد ذلك من النباهنة، والحرث، والمزاريع، مرورًا بالوجود اليعربي والبوسعيدي حتى سقوط زنجبار عام 1964، كما امتد هذا الوجود ليشمل مناطق عديدة من الساحل الإفريقي بحيث لم يقتصر على زنجبار وممباسة وما حولها؛ بل امتد حتى سواحل جنوب القارة قريبا من جنوب إفريقيا.

“أثير” تعرض ملخصًا لجانب من دراسة مهمة حول “الوجود التاريخي المبكر للعمانيين في شرق إفريقيا وتأثيرهم الحضاري” للباحث سعيد بن سالم النعماني التي تتناول الوجود العماني في شرق إفريقيا وتأثيراته الحضارية المختلفة، وسنركز في هذا الملخص على الوجود العماني في جنوب القارة في مناطق زيمباوي وموزمبيق وما حولها حتى حدود جنوب أفريقيا، وهي إشاراتٌ تاريخيةٌ مهمة كون أن أكثر الدراسات التي تناولت الوجود العماني في شرق إفريقيا قد ركزت على مناطق شرق ووسط القارة دون وجود إشارات كثيرة إلى مناطق الجنوب منها.

دلائل الوجود العماني في جنوب القارة الإفريقية

 أشارت دراسة النعماني إلى أن هناك دلائل على الوجود العماني قريبا من جنوب إفريقيا، فالأطلال التاريخية القائمة في زمبابوي، وهي أعظم آثار تاريخية في النصف الجنوبي للقارة الإفريقية، مبنية من الحجارة بطريقة هندسية فريدة، ومزينة بنقوش إسلامية، لم تعرفها إفريقيا من قبل، وتعيش بقرب هذا المكان قبيلة (الفارمبا)، وهذه اللفظة تعني بلغة ماتبيلي المحلية (الغرباء)، ويقول الدكتور عبدالرحمن السميط، صاحب كتاب رحلة خير في إفريقيا ص15: “يَدَّعِي الكبار والمسنون من هذه القبيلة أن أصلهم من بلاد العرب، ومن بلد اسمه “أومن” وأظنهم يقصدون (أومان Oman) أي عمان”. ويذكر الدكتور شوقي الجمل بأن الأهالي هناك يتحدثون عن تلك الآثار بشيء من التقديس، ويذكرون أن أجدادهم الأوائل هم الذين شيدوها، ويشير الجمل إلى أبحاث (ثيودور بنت) عالم الآثار الذي كان له دور بارز في الكشف عن بعض تلك الخبايا، فيقول بأن أبحاث (بنت) تؤكد أن هذه الآثار ترتبط بالعاصمة القديمة لهذه البلاد، وقد أسهم فيها عرب شبه الجزيرة العربية بسهم وافر، وفي هذه الفترة لا تذكر كتب التاريخ وجودًا عربيا سوى لعرب عمان الجلندانيين.

رأي الدكتور شوقي ضيف وشهادة السميط

وكان الدكتور شوقي قد نقل عن (بنت) تحليله لاسم زمبابوى، فقال بأنها كلمة بانتوية مركبة من كلمتين، Zim وتعني قرية أو مجموعة قرى، وBabwe وتعني القرية أو المدينة الرئيسية، أي إن كلمة زمبابوى تعني المدينة الأولى في المنطقة، أو ما نعبر عنها في وقتنا هذا بالعاصمة، وهذا التحليل يقدم مزيدا من التأكيد على أن الجلندانيين قد سيطروا على تلك المنطقة، وحكموها، وسيتضح ذلك من الآثار التي اكتشفت فيها، والتي يخبرنا عنها الدكتور عبد الرحمن السميط، صاحب كتاب رحلة خير في إفريقيا؛ حيث يقول: “وجدت في الموقع أساور كتبت عليها كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، وجرة كتبت عليها الآية القرآنية (هذا من فضل ربي)، بالإضافة إلى بعض عملات تحمل كلمات عربية، ويوجد كذلك بقربها قبور من بينها قبر اكتشفه أحد الأوروبيين كتب عليه بالعربية: “هذا قبر سلام بنصالح الذي انتقل من الدار الفانية إلى الدار الباقية عام  خمسة وتسعين من هجرة النبي العربي”.

أهمية المعلومات

إن هذه المعلومات تزيدنا يقينا أن نفوذ الجلندانيين في منطقة الساحل الشرقي لإفريقيا لم ينحصر في ركن بعينه بل شمل مساحات شاسعة، وتدل العبارة الموجودة على شاهد القبر المشار إليه آنفا على بعض من الأمور المهمة في مسألة الهجرة الجلندانية، ونفوذ الجلندانيين، وهي:

  • أولا: أن هذا الرجل عماني؛ فالاسم سلام بن صالح هو من الأسماء الصميمة في البيئة العمانية الإباضية.
  • ثانيا: أن وفاته حدثت سنة (95هـ)، أي بعد وصول الجلندانيين إلى المنطقة بخمس عشرة سنة، ونرجح أنه قائد من أفراد الأسرة الملكية الجلندانية، ربما تم تعيينه واليا على المنطقة بعد فتحها بقرينة الشاهد، إذ لو كان مجرد جندي لربما ما وجد من يؤرخ لوفاته على قبره.
  • أما بالنسبة لتلك المدينة الأثرية ومبانيها الحضارية، فهي المدينة العمانية العربية الإسلامية الأولى تماما كاسمها البانتوي Zimbabwe، ونستطيع أن نقول إن الجلندانيين هم الذين أنشأوها، بعد أن قدموا للسيطرة على الموارد الاقتصادية الرئيسية اللازمة لمملكتهم، لا سيما أن منطقة سفالة (يقصد بها منطقتي موزمبيق وزمبابوي) كانت مركزا لإنتاج وتصدير الذهب والحديد، وفي تقديرنا أن سفالة كانت تضم أرجاء من موزمبيق وزمبابوي الحاليتين، حيث كانت توجد مناجم هذين المعدنين، وهو أمر يفهمه الباحث من خلال حديث مؤرخينا الأوائل عن منطقة سفالة بصفتها موطن الذهب والحديد. وفي هذا السياق نزعم أن الجلندانيين هم من سمى المنطقة سفالة، بقرينة نستدعيها من التنظيمات التاريخية المتداولة في المجتمع العماني، منذ زمن الجلندانيين وما قبله، ففي كل ولاية من ولايات عمان التي تستخدم القنوات المائية المعروفة بالأفلاج، لسقي المزروعات، يتم تقسيم الولاية إلى منطقتين، أما الأولى فهي حيث يكون منبع الفلج فهذه تسمى علاية، وأما الثانية فهي عند المنطقة التي يكون فيها منتهى سقي مياه الفلج، فهذه تسمى سفالة، وعلى هذا فإن موزمبيق وزمبابوي واقعتان تحت هذا التقسيم الطبيعي التاريخي العماني فهما منطقة سفلى في القارة الإفريقية. وبما أننا نجزم بأن سلام بن صالح عماني، فإننا بالتالي نقول إن الجلندانيين هم من سمى منطقة زمبابوي وموزمبيق سفالة أخذا من تقسيمات مجتمعهم لتطابق موقعها من حيث وقوعها إلى الجنوب من لامو. 

يُذكر أن الباحث الأستاذ سعيد بن سالم النعماني حاصل على درجة الماجـسـتـير في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية من جامعة القاهـــــــرة عام 9200م، ويعمل حاليا مستشارا بمكتب وزير العدل، وهو عضو باللجنة العمانية لحقوق الإنسان، كما عمل صحفيا في جريدة عمان لحوالي 24 سنة، تنقل خلالها بين عددٍ من الأقسام الصحفية، وقام بالعديد من الأعمال الصحفية المتنوعة كالملاحق، والحوارات، والتغطيات، والتحقيقات المختلفة، كما تشرف بمرافقة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد في عدد من جولاته السياسية المحلية والخارجية، وحضر العديد من المؤتمرات العربية والدولية الكبيرة التي قام بتغطيتها صحفيا.

وللباحث العديد من الإصدارات الفكرية المتنوعة من بينها: كتاب الهجرات العمانية إلى شرق إفريقيا بين القرنين الهجريين الأول والسابع بدعم من مجلس البحث العلمي، وكتاب “عرفان” الذي يتضمن مجموعة من المقالات السياسية والفكرية والثقافية المنشورة للباحث في جريدة عمان وفي صحف عمانية وعربية أخرى، كما أصدر ديوانه الشعري الأول في مارس 2011، وقام مؤخرا بتحقيق الأعمال الشعرية الكاملة لأمير البيان الشيخ عبدالله بن علي الخليلي وإصدارها في تسعة مجلدات بعنوان: “الموسوعة الشعرية لأمير البيان”، وذلك في نوفمبر 2019م.

 

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock