الكاتب العربي الكبير “أدونيس” يكتب لـ”أثير” : تساؤلات حول الحياة العربية لا أجد لها جواباً، فماذا يرى القارئ ؟

أدونيس

-1-

أهناك بداية للنهاية ؟ كيف نحدد، على سبيل المثال، بداية الإنحدار « الأوروبي » المعاصر، أو الإنحدار « العربي » المعاصر، من حيث أنَّ الإنحدار يمثّل نوعاً من النهاية ؟ ما الظواهر التي نستند إليها لكي ندلّ على هذا الإنحدار، ولكي نحدّده ؟ أهي سياسية، أم ثقافية، أم إقتصادية ؟ أهي « داخلية »، أم « خارجية » ؟ أهي هذه جميعاً، وكيف، ولماذا ؟

وإذا كانت هناك بدايةٌ للنهاية، فهل يعني ذلك أنّ نهاية البداية ظاهرةٌ حتميّة ولا مفرّ منها؟ لكن هل يمكن « تجديد » البداية؟ ولماذا نُحيي « بدايةً تموت »، بدلاً من أن نبدأَ بدايةً أخرى مختلفة؟ أو بعبارة ثانية: لماذا نجدّد ما أصبحَ عتيقاً؟

-2-

كيف حدثَ أن يكون التاريخ الذي كتبه المؤرخون العرب مجرّد سردٍ أو نقلٍ للحدث؟ لا تحليل، بل إنحيازٌ شبه أعمى، غالباً. كيف حدث أن يتحول هذا التاريخ إلى هيكلٍ مقدسٍ لمختلف أنواع الخرافات؟ ولماذا انحصر في التأريخ للخلافة و « أمجادها »؟ لماذا لم يتحدّث عن البشر في حياتهم اليومية، خصوصاً في جوانبها العمليّة – الصناعية، على الأخصّ عن « عبقرية اليد » زخرفةً، ونقشاً، ونحتاً، ورسماً؟ هل يعني ذلك أنّ « المؤرّخ » لم تكن له « ذاتية »؟ وما يكون إنسانٌ لا ذاتيةٌ له؟ أيكون هو أيضاً كمثل الشيء: مجرّد حدثٍ أو خبرٍ للنقلِ والسَّرد؟ أو على مستوىً آخر، مجرّد إناء محشو بأخبارٍ وتعليماتٍ لا يُرادُ منه أن يعرف كُنهَها، بل أن يحتويَها ويطبّقها كما تُنقلُ إليه. وأن ينظرَ إلى الآخر بوصفه عدوَّ الحقيقة والحريّة والإنسان، إذا لم يكن مثلَه تماماً محشواً بالأشياء نفسها.

وهكذا باسم التأريخيّة السرديّة الإعلامية تتأسس العبوديّة، اليوم بأساليب بأساليب ووسائل متنوعة، وبأشكال وصيَغٍ متنوعة هي أيضاً، ويتأسّسُ الجهل بالواقع وحقائقه.

-3-

لكل لغةٍ مُشكلاتها، وفقاً لماضيها وتراثها وحاضرها. ما يهمّنا هنا، في العالم العربي، هو لغتنا العربيّة. وعلينا، إذاً أن نسأل: هل تزداد لغتنا العربية، في هذا العالم الحديث غِنىً، أم تزداد على العكس، فقراً؟ وهو سؤالٌ يُضيء الجوابَ عنه سؤالٌ ينبغي أن يتقدّمَه، وهو:
ما المعرفة التي تُنتجها، اليوم، لغتُنا العربية، في مختلف الميادين العلميّة والفلسفية والأدبيّة؟ هل هي جديدة، وما هذه الجِدّة التي تُضيفها إلى ما أنتجته سابقاً، في مختلف هذه الميادين؟

وهو سؤالٌ تفرضه المقولة، أو المُسلَّمة الدينيّة: « الإسلام يَجُبُّ ما قبلَه » أي يُبطِله ويُلغيه. فما هذا الذي أبطَلَه سابقاً؟ وما هذا الذي يُبطِله الآن؟ لكن ما « يَجُبُّ ما قبلَه »، ألا يجبُّ بالضّرورة « ما بعده »؟ وماذا يَجبُّ؟ وكيف؟
ماذا يعني ذلك على صعيد الممارسة الكتابيّة والثقافيّة؟

هل يعني أنّ الإنسانَ في هذا العالم الحديث لا يتكلّم لغتَه ولا يكتبها، وإنّما هي التي تتكلّمه وهي التي تكتبه، وهي التي تُفصِح عنه باسم تراثِه؟ فالوجود، كما يعلّم هذا التراث، ومشكلات الوجود والإنسان قيلَت جميعُها مرّةً واحدةً وإلى الأبد، خصوصاً على المستوى الدينيّ. كأن الإنسان لا يتعلّم الحياةَ والأشياءَ من الحياة ذاتها، وإنما يتعلّمُها من اللغة التي قالَها في ماضيه وتراثه، وعليه، إذاً، أن يستعيدها كما هي. أو بتعبيرٍ آخر، لا يقدر الإنسان أن يعرف حاضرَه بهذا الحاضر نفسه، وإنما عليه أن يعرفه باللغة التي قالَتهُ مُسَبَّقاً، لغةُ الماضي والتراث. كأن الحياة، تبعاً لذلك، ليست موجودةً في الحياة، بل في النصّ. وكأن المعرفة مخزونةٌ فيها، وليست في الحياة، أو التّجربة، أو الأشياء.

-4-

في ضوء ما تقدّم، نفهم كيف أنّ الكاتب، في هذا العالم الحديث، مفكِّراً وشاعراً، يعيش في ثقافة تتحرّكُ بين قوسين: قوس « الرقابة » التي هي بعدٌ طبيعيٌّ وعضويّ في الثقافة، وبخاصّةٍ في العالم العربيّ، وقوس « الوظيفة » التي هي كذلك بُعدٌ طبيعيٌّ وعضويّ في هذه الثقافة، والفرق بين بلدٍ وآخر،هنا، فرقٌ في الدّرَجة وليس في النوع.

بين هاتين القوسين، ما يكون « دور المثقّف »، ومَن « المثقّف »، أساساً، في عالم اليوم، العالم الأميركيّ – الأوروبيّ، وفي العالم الإسلاميّ – العربيّ؟ سؤالٌ يُطرَح على الأصدقاء الإعلاميين الذين يصرّون دائماً على طرحه في « الغرب » و « الشرق »، بلهجةٍ تُلقي مسؤولية ضخمة على « المثقّفين »، تكاد أن تُجَرِّمهم.

يمكن أيضاً أن نطرح سؤالاً خاصاً بالعالم العربي هو هذا السؤال:
في أيّ ميدان معرفيّ يمكن العربيّ، اليوم، أن يفكّر ويعبّر عن فكره، بحرية كاملة: الميدان الديني؟ الفلسفي؟ العلمي؟ السياسي؟ الشّرعي الحقوقي؟ الإجتماعي – الخاص بقضايا المرأة؟ … إلخ.

وإذا كانت الحرية « مقيّدة » أو « محدودة » في جميع هذه الميادين، فإنّ « المعرفة العربية » هي، بالضرورة، « محدودة » و « مقيدة ». كيف يمكن إذاً أن يتقدّم العرب ؟

-5-

« وظيفية » الفكر، والثقافة، بعامّة: تلك هي الظاهرة التي بدأت تهيمن في « الغرب » الأوروبي – الأميركي، وفي « الشرق » الإسلامي – العربي، على السواء.

ولَئن دخلنا قليلاً في التفاصيل، فسوف نرى أن أوروبا، وبخاصّةٍ فرنسا وألمانيا، هي الخاسرة الكبرى. تخسر مركزيّتها المعرفية، وتصبح تابعة للنظام الأميركي. وهو نظامٌ ينظر إلى العالم بوصفه « آخر » تجب السيطرة ُعليه: العالم، بالنسبة إلى هذا النظام، « هنديٌّ أحمر آخر ».
وهي، إذاً، تشارك عملياً في « إبادة » الإنسان المخلوق على صورة الله الذي تقول إنّها تؤمن به. هكذا تصبح حقوق الإنسان وحرّياته في مهبِّ المصالح الإقتصادية الاستراتيجية. ويتحوّل العالم إلى ثكنةٍ عسكرية، وإلى « سوقٍ كونية ».

الهنديّ الأحمر الذي يستأصله « النظام الأميركي-الأوروبي » اليوم، هو الشعب الفلسطيني. ويستأصله باسم « فكرة » حارَبَتها الثقافة الأوروبية، سابقاً، و « تصالحها » اليوم في صورتها « الإسرائيلية-الدينية ».

هكذا لم تعد أوروبا قادرةً على أن تلعب أي دورٍ تمدينيٍ أو تحضيريّ في العالم، وبخاصة في البلدان التي هيمنت عليها سابقاً: أفريقيا والشرق الأوسط الإسلامي – العربي.

وهي في تاريخها كلِّه لم تشغلها فكرة النهوض بالإنسان في « مستعمراتها » كلها، بوصفه إنساناً. وإنما شُغِلَت بفنّ « الهيمنة »، وفنّ « الإستتباع ».

الحاجة اليوم، لا إلى ثورة بمعونة من أوروبا، أياً كانت، بل إلى ثورة داخل أوروبا لإنقاذ الإنسان فيها. ذلك أنها سياسياً، لم تعد عامل ثورة للتقدم. أصبحت، على العكس، عامل انحطاطٍ وانهيار. والحاجة هي لثورة داخلها، تفكك بناها السياسية، وتعيدالنّظرَ فيها، وتجّدد قراءة واقعها. لقد شاخت أوروبا وهي الآن تلعب الدّور الأكبر في تشييخ العالم وتعجيزه.

هل العودة إلى أصولها التّوراتية عودة شيخوخة أو عودة طفولة؟ واستطراداً، لماذا تبدو هذه المرحلة الراهنة من العلاقات بين « الغرب » و « الشرق » – وبخاصة في جزئه العربي، أنها مرحلة تدميرٍ للذاتية والهويّة، بعد تدمير الحريات والحقوق؟

كان الكلام الذي لا يجدُ من يُصغي إليه يوصف بأنه « صوتٌ في الصحراء ». أليس من الأكثر صحةً، اليوم، أن نغير هذه العبارة، بحيث تصبح وصفاً لفراغ الصوت ذاته، الذي تحول هو نفسُه إلى صحراء؟

شرارة

أشعر، فيما أكتب هذا اليوم، هذه اللحظة، كأنني أسيرُ في حقل من النار – لا تلك التي تجيء وحدها من جميع الجهات وتخترق العمل والنظر، بل أيضاً هذه التي تجيء من لا مكان و تضرب القلب.

*

تقول حاسّة خاصة تقيم سرّياً في أشعة الشمس، إن الفضاء يُنذر بانفجارات بلاستيكية من كل نوع، وتؤكد أن لدائنَها هي أيضاً مُركّبةٌ من كل نوع.

الجناح، مثلاً، يمكن هو نفسه أن يحمل قنبلة.

الكتاب، مثلاً آخرَ، يمكن أن يكون وقوداً لفرنٍ ذرّيٍّ.

*

سُكّةُ حراثةٍ تبكي
شاكية للعشب والنباتات هدير الجرّارات.

*

– بيوت تتشقق جدرانها ؛
« لكن، قريباً، تبدأ الشقوق ببناء جسورٍ أخرى،
بين الزمن والتراب »، تقول أشعة الشمس.

*

نعم، بشرة الإنسان كمثل بشرة الأرض:
ما لا ينتهي يبدأ بهما، ومنهما.
لكن، لماذا هذا الإنقسام الذي يبدو أبدياً بين الإنسان والتراب:
نصيب التراب الصدق والإستقامة،
ونصيب الإنسان الكذب والإستباحة؟

*

القمر، هذا المساء،
قرنُ غزالةٍ مريضة.

*

اليقينُ المُطلق امّحاءٌ مُطلقٌ.

*

لاتتثاءب الطبيعة أبداً، ولا تتوقف السماء عن التثاؤب.
ربما لأن الطبيعة مأخوذة دائماً بكتابة الشعر،
ولأن السماء مأخوذة دائماً بتغيير أنبيائها.

*

الصلاة التي يقيمها المؤمنون ثوبٌ داخلي للموت.

*

كان اللقاء بيني وبين الشمس، هذا الصباح
مليئاً بأصوات الطيور المهاجرة.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock