فهد الإسماعيلي يكتب: ملامح من النهضة العقارية في السلطنة

فهد بن سلطان الإسماعيلي

الرئيس التنفيذي لشركة تبيان للعقارات

عندما كان أجدادُنا يُخطّطون الأفلاج والسواقي، ويرسمون الحواري بكل تفاصيلها وملحقاتها فإنهم كانوا يؤسِسون لرحلة عمرانية للعقار في عُمان امتّدت منذ بدء وجودهم وحتى اليوم. وعندما كانوا يُشيِّدون القلاع والحصون للدفاع عن الوطن والذود عنه فإنهم كانوا يُطبّقون نظريات العمران التي قد لم يتعلموها حرفيًا، لكنهم أتقنوا جوانب منها، وتفننوا في رسمها حتى أصبحت واقعًا ملموسًا نراه بأعيننا في مخططات العقارات العامة والخاصة، وألوانها الخارجية، ومواقعها الاستراتيجية، وتقسيماتها الداخلية، بل إن أحاديثهم وأمثالهم التي يُعلّمون بها أبناءهم في المجالس والسِبل، وتتوراثها أجيالهم جيلًا بعد جيل، تؤكد هذا الاهتمام الفطري بالعقار، وضرورة التمسّك به، وحفظه، ومن ذلك المقولة المشهورة “اذخر دك لا لك” في إشارة واضحة إلى تفضيل الاحتفاظ بالأرض “الدك” على المال “اللك”.

وإذا أردنا الحديث عن رحلة العقار في السلطنة بشيء من التفصيل فإن المجال لا يتسع؛ فهي طويلة وممتدة بامتداد العُماني وارتباطه بهذه الأرض الطيبة، وهي متشعبّة وتدخل في كل التفاصيل التي نحياها يوميًا اقتصاديًا واجتماعيًا وعُمرانيًا، لكن الشواهد الباقية والحاضرة تُغني عن الكلام أحيانًا، وتُعطي تفاصيلُها لمحةً سريعةً عن الازدهار العقاري الذي رافق الإنسان العُماني في بناء حضارته منذ القدم حتى بزوغ فجر النهضة المباركة في 23 يوليو 1970م، التي أعطت هذا المجال الاهتمام الكبير، والتطوير المستمر لنصل إلى ما نحن عليه اليوم من نهضة عقارية عُمانية يشهد لها الجميع، حيث يُمكن لأي زائر أو باحث التيقن من ذلك بزيارة إلى القلاع والحصون والمتاحف المنتشرة في مواقع استراتيجية بمختلف محافظات السلطنة، أو التجوّل في القصور والبيوت الخاصة التي أولاها السلاطين والأئمة والشخصيات الاعتبارية في زمانهم أهمية كبيرة وعناية خاصة، كقصر العلم العامر الشامخ في مسقط، بموقعه المهم المطل على البحر، وبشكله الخارجي المتفرّد، وبتقسيماته الداخلية التي تأسر الألباب، كما يمكن للزائر التجوّل في سوق مطرح، أو اكتشاف التخطيط الحضري في الحارات القديمة مثل حارة اليمن في إزكي، وحارة القصوى في الرستاق، وحارة سيجا في سمائل وغيرها الكثير.

وكامتداد لهذا التطوّر العقاري في السلطنة، فإن فندق قصر البستان الذي افتُتح في عام 1985م يُعدّ من بين أكثر العقارات شُهرةً، ليس على مستوى السلطنة فحسب، وإنما في منطقة الخليج العربي حيث كان الزائرون يأتون خصيصًا لرؤية الجماليات الموجودة فيه وروعة بنائه والذوق الرفيع المبني عليه، وقِس على ذلك جامعة السلطان قابوس التي افتتحت عام 1986م في موقع استراتيجي يربط بين محافظات السلطنة، وبتخطيط عمراني مُتميّز روعي فيه تلبية الحاجات الثقافية والروحية، و”يعكس إنشاؤها في وادٍ يقع عند سفوح الجبال العُمانية الشاهقة ؛ حيث يجعلها تبدو من ناحية معمار البناء كصف من المباني التي تم تصميمها بأعلى المواصفات الفنية والمرافق الخدمية، كما إن بناءها بالحجارة الرملية ذات اللونين الأبيض والزهري يؤكد الاهتمام بالفن المعماري التقليدي والإسلامي. وإذا ما خرجنا من العاصمة مسقط واتجهنا إلى بقية الولايات فإن الشواهد لا تقل أهميةً، ومن ذلك مدينة صحار العريقة التي نرى فيها اليوم توسعًا وتطورًا كبيرًا، خصوصًا ميناءها العالمي الذي يُرى فيه الكثير.

ولأن النهضة المباركة أولت منذ بزوغ فجرها الجانبَ العقاري عنايةً كبيرة، عبر تخصيص المؤسسات التي تشرف عليه وتديره، وسن القوانين المرتبطة به، فقد بدأنا نرى مُدنًا مُتكاملة، ونسمع عن مخططات تفصيلية لمناطق لوجستية عديدة، فالدقم بوابة للمستقبل العُماني، وهي حُلم أصبح تحقّقُه يقترب شيئًا فشيئًا، ومدينة “خزائن” هي الأخرى تؤكد هذا السعي الحميد نحو المدن المتخصصة التي تربط عُمان اقتصاديًا بالخارج وتجعل منها مركزًا لوجستيًا مهمًا، أما المجمعات السياحية المتكاملة كالموج مسقط، وتلال مسقط، وجبل سيفة، وغيرها الكثير فإنها تؤسس لثقافة عقارية جديدة بدأت تنتشر بين العُمانيين، وتغيّر بعض المفاهيم التي أصبحت تتوافق مع التوسع العمراني الكبير، والشح في الأراضي.  وكوننا نتحدث عن الحاضر فإن المشروع الحضري الكبير “مدينة العرفان” يأتي في المقدمة؛ فهو “مدينة في مدينة” تعكس رؤية صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد -حفظه الله ورعاه- في إنشاء وجهات حضرية مُستدامة تُحقق التنويع الاقتصادي وتسهم في النمو والازدهار للبلاد.

ولا شك أن المتحقِق للنهضة العقارية في السلطنة لم يكن لنراه اليوم لولا جهود الجهات المشرفة عليه، وتأتي في مقدمتها وزارة الإسكان التي ما فتأت تطوّر في القوانين والأنظمة حتى أصبحت هناك مديرية خاصة بالتطوير العقاري أسهمت بلا شك فيما نراه من تحوّل حتى في المفاهيم المتعلقة بالقطاع العقاري بالسلطنة التي يظن البعض أنه يرتبط بملكية أرض أو فيلا فقط، لكنه في الحقيقة يشمل الحياة بمختلف جوانبها، ويُمثّل ثقافةً مهمةً يجب أن تؤصل في نفوس النشء لنحصدَ استمرارًا في التطوير، وتلافيًا لأخطاء الماضي.

ومن المؤكد أن جهود الوزارة الموقّرة تتكامل مع جهود كبيرة تقوم بها جهات أخرى، وأخصّ بالذكر هنا الشركة العمانية للتنمية السياحية (عمران) التي تأسست في عام 2005م، وتعمل منذ ذلك الحين على دفع عجلة الاستثمار والتطوير في القطاع السياحي المتنامي، عبر تطوير المشاريع السياحية والتراثية والحضرية، ووضع بصمات لإنشاء وجهات سياحية جديدة وتجارب فريدة من نوعها تعود بالفائدة على مسيرة التنمية الاجتماعية والاقتصادية. ونقولها بكل فخر بأن الشركة و-لله الحمد- نجحت إلى الآن بمشاريعها المتنوعة والممتدة من مسندم إلى ظفار، وبشراكاتها الاستراتيجية داخل السلطنة وخارجها في تعظيم إمكانات القطاع السياحي والعقاري في السلطنة وتعزيز بنيته الأساسية، ورفد الاقتصاد العُماني، عبر إيجاد فرص كبيرة للمواطنين، وتقديم صورة عُمانية فاخرة للزائر والسائح.

ورغم التطوّر الذي حدث، والجهود التي نراها تُبذَل بهدف تحقيق الأفضل للمجال العقاري في السلطنة، إلا أن الصورة لم تصل للمثالية بعد، وهناك بعض الإشكالات التي ينبغي الالتفات لها ودراستها، وإيجاد الحلول المناسبة بشأنها من كل الجهات المعنية؛ فالتوزيع العشوائي للمخططات مثلا لا يزال يُلقي بظلاله على الوضع العقاري، ويؤثر على الحركة السوقية، خصوصًا وأن بعض هذه المخططات لا توجد بها خدمات وهو أمرٌ يُسهم في تعطيل الاستفادة القصوى منها، ويؤخر التطور العمراني الذي ينشده الجميع، فما أحوجنا اليوم إلى وجود مخططات متكاملة موقعًا وخدمةً،  لا تُمس بنيتها الأساسية، ولا تُغيّر ولا تُبدَّل، يستطيع المواطن والمقيم السكن بها بكل أريحية، وتكون امتدادًا للعُمران الفريد الذي بناه الإنسان العُماني منذ بدء الخليقة على هذه الأرض الطيبة.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock