وقعت قبل 110 أعوام: تفاصيل حادثة السفينة العُمانية مع السلطات الإيطالية

أثير- تاريخ عُمان

تلخيص: د. محمد بن حمد العريمي

 

نتيجةً لموقعها الجغرافي والحضاري المهم، وشهرة أهلها الملاحية، فقد كان من الطبيعي أن يكون لعمان أسطول تجاري كبير كان محطة وصل بين عمان والعديد من موانئ العالم المختلفة، كما أسهم هذا الأسطول منذ بدايات ظهور الدعوة الإسلامية في نشر قيم التسامح والسلام ومفردات الثقافة الإسلامية المختلفة بين الموانئ التي كان يصل إليها، وبرزت من خلاله العديد من الأسماء العمانية في المجالات السياسية والملاحية والفكرية والاقتصادية.

ونظرًا للتحديات السياسية والملاحية التي كانت تواجه سفن الأسطول العماني، فقد كان من الطبيعي أن نسمع بين الحين والآخر عن حوادث تتعرض لها هذه السفن، إما بالغرق، أو التحطم، أو الاختطاف، أو التوقيف من قبل بعض القوى السياسية، وعلى الرغم من ذلك فقد كان هذا الأمر يزيد من إصرار النواخذة العمانيين ورغبتهم في تحدي المعوقات التي تواجههم.

“أثير” تقترب في هذا الموضوع من حادثة وقعت قبل حوالي 110 أعوام من الآن لإحدى السفن بالقرب من سواحل الصومال، ونقصد بها حادثة السفينة “الخضراء” إحدى سفن الأسطول العماني التجارية العديدة، وذلك من خلال استعراض قصة توقيف تلك السفينة من قبل السلطات الإيطالية بالصومال، والتي تم تناولها بالتفصيل في رسالة الدكتوراة المعنونة بـ”مواقف القوى الكبرى من النشاط الملاحي لمدينة صور العمانية” للباحث الدكتور ناصر بن سعيد بن مبارك العتيقي، حيث سنتعرف على أسباب توقيف السفينة، وموقف السلطان فيصل بن تركي من الأمر، ثم النهاية السعيدة للسفينة بعد حوالي ثلاث سنوات من المصادرة.

أسباب إيقاف السفينة

السفينة “الخضراء” هي سفينة عمانية من نوع البغلة، كانت ملكا لمبارك بن خميس بن راشد ولد عوشّه العلوي من سكان العيجة بصور، وكان قائدها (النوخذة) يسمى عبد الله بن هلال.

بتاريخ 23 أغسطس 1908 كانت السفينة “الخضراء” تبحر متجهةً إلى الصومال وشرق أفريقيا قادمة من مسقط بقيادة النوخذا عبد الله بن هلال، وكان عليها 174 من الركّاب و22 من البحّارة، وبالإضافة إلى حمولتها من الركّاب كانت “الخضراء” تحمل 500 جونية من (النورة) وهي مادة تشبه الإسمنت الأبيض تستخدم في بناء المنازل وصبغها، وبعض من أنواع المواد الغذائية والأثاث المنزلي، وعندما وصلت مقابل رأس حافون الصومالي صادف مرور دورية سفينة عسكرية إيطالية وأمرتهم بالتوقف، فامتثل النوخذا لأمر القائد الإيطالي الذي صعد هو وجنوده على ظهر السفينة الخضراء.

كان الهدف الرئيس للدورية هو البحث عن السلاح، والتأكد من أوراق السفينة، وتفتيشها، وحتى يتسنى الأمر لمرور السفينة بسلام لابد من وجود (القول) وهو تصريح بمرور السفينة من سلطان مسقط موجه إلى حكومات الموانئ التي تمر بها السفن العمانية للتعاون مع أصحابها، كما أن من ضمن أوراق السفينة ما كان يعرف بـ(الباس) وهو رخصة حمل السلاح المخصص لحماية السفينة.

وبعد التفتيش الدقيق للسفينة وجد الإيطاليون بندقية واحدة من نوع مارتيني (بندقية بريطانية الصنع تسمى في عُمان بالصمع) مخبأة داخل زولية منقولة ضمن شحنة السفينة، وبسؤال النوخذة عن هذه البندقية أفاد بأنها بندقية مرخصة من سلطان مسقط وهي لحماية السفينة من القراصنة والمعتدين والأخطار التي قد تتعرض لها السفينة في البحر، ولكن مع ملاحظة رخصة السلاح اتضح أن الرخصة تتضمن خمس بنادق من نوع مارتيني لا يوجد منها على ظهر السفينة سوى واحدة، كما تتضمن 500 طلقة نارية.

ونتيجة لذلك اعتبرت السفينة مخالفة لقانون منع تجارة الأسلحة في سواحل شرق أفريقيا، وسحبت إلى بندر حافون، وهناك تم إنزال ركابها والبحارة الذين كانوا بها، وتمت مصادرة السفينة وجميع الشحنة التي تحملها بما فيها أموال نقدية وكمية من الذهب الخاص بزوجة نوخذا السفينة.

المراسلات بين السلطان فيصل والقناصل الأجانب حول السفينة

منذ تاريخ مصادرة السفينة في 23 أغسطس 1908 إلى تاريخ 18 يناير 1911 جرت مراسلات بين السلطان فيصل والقنصل البريطاني في مسقط مع القنصلين البريطاني والإيطالي في عدن حول مصادرة السفينة “الخضراء”، وأظهرت هذه المراسلات إصرار السلطان فيصل على الوقوف مع رعاياه من ملّاك السفن ونواخذتها والبحارة العاملين بها، وإرجاع حقوقهم وفق ما تقتضيه القوانين الدولية المعمول بها، وبالتعاون مع السلطات البريطانية وقناصلها العاملين بالمنطقة.

فبتاريخ 1 أبريل 1909 أرسل القنصل البريطاني في مسقط المستر هالند إلى السلطان فيصل بن تركي سلطان مسقط وعمان يخبره بخصوص أخشاب مسقط في حافون، بأنه بعد تلقي رسالة السلطان بخصوص موضوع السفينة قد أرسل برقية إلى المقيم البريطاني في عدن، وطلب منه متابعة الموضوع، كما أخبر الميجر كوكس المقيم السياسي في بوشهر بالموضوع وأكد وجهة نظر السلطان أن الذي جرى غير قانوني ومن تفسيرات المأمورين الإيطاليين وأنه في المستقبل يجب أن تؤخذ تعهدات بعدم التعرض لرعايا السلطان، وأن من يرفع علم مسقط يجب “أن يُحشم ويكرم حد الإكرام”.

وتقديرا للظروف الصعبة التي مر بها النوخذا مبارك العلوي، تم إقراضه مبلغا نقديا من قبل السلطان فيصل، بلغ 830 روبية ووعد بتسليمه مبلغا آخر قيمته 500 روبية في وقت لاحق.

ومن الرسائل المتبادلة في العام 1909 رسالة بعث بها نوخذا السفينة عبد الله بن هلال إلى السيد تيمور بن فيصل أفاد فيها بأنه قابل القنصل الإيطالي في عدن بخصوص مسألة السفينة الخضراء ولم يجد منه جوابا، وأنه سيقوم بنقل بحرية السفينة الخضراء من عدن إلى ميناء صور في بغلة جمعة ولد بلال.

وبتاريخ 22 سبتمبر 1909 بعث المقيم السياسي في بوشر بيرسي كوكس بثلاث رسائل إلى السلطان فيصل بن تركي بخصوص حادثة السفينة المذكورة؛ الرسالة الأولى كانت موجهة إلى السلطان وفيها يبلغ كوكس السلطان بأنه ستقام محاكمة بتاريخ 27 أكتوبر 1909، وللضرورة يجب أن يكون ملّاك السفن المصادرة موجودين بمقر المحكمة في مدينة “عصب” الصومالية، أما الرسالة الثانية فكانت موجهة إلى النوخذا مبارك بن خميس العلوي يدعوه فيها إلى حضور المحاكمة في عصب للضرورة حتى يدافع عن حقه في السفينة ويوضح رأيه في حادثة مصادرة السفينة، ويطلب منه انتداب شهود ليدعموا رأيه في الموضوع.

وقد أرسل السلطان فيصل بن تركي إلى المقيم البريطاني ردا بتاريخ 25 سبتمبر 1909 يبدي فيه سروره بانعقاد المحكمة، ويأمل في الوقت ذاته أن يسمع البريطانيون من النواخذة أنفسهم، ويعتذر بأنه لن يستطيع أن يرسل النواخذة إلى عصب، وأنه قد وكّل الدولة البهيّة البريطانية لتكون نائبة عنه وعن رعاياه في هذا الموضوع.

النهاية السعيدة

أثمرت جميع المخاطبات بعد ثلاث سنوات من حادثة مصادرة السفينة “الخضراء” عن ثبوت خطأ الإجراءات التي قامت بها السلطات الإيطالية، ويبدو أن هذا ما استقر عليه رأي المحكمة المعيّنة لهذا الغرض، ويثبت ذلك من خلال رسالة بعث بها الميجور”تريور” القنصل البريطاني في مسقط إلى السلطان فيصل بن تركي بتاريخ1 أبريل 1911 بخصوص تعويض مالك السفينة “الخضراء” عن الأضرار التي لحقت به نتيجة مصادرة السفينة.

وأهم ما جاء في الرسالة ما يلي:

1-  ستعيد الدولة الإيطالية السفينة إلى مالكها، شريطة حصولها على بيان مكتوب من النوخذا يعترف فيه بقانونية الوسائل التي استخدمها الحكام الطليان في مصادرة السفينة.

2-  ستعيد الدولة الإيطالية مبلغ الألف قرش ( ريال ماريا تيريزا) الذي تمت مصادرته من السفينة.

3-  ستعطي السلطات الايطالية 500 جونية نورة، وهي حمولة السفينة المصادرة.

4-  ستعيد الدولة الإيطالية الذهب المملوك لزوجة النوخذا المصادر من السفينة.

5-  الدولتان الايطالية والبريطانية ستعطيان كل منهما مبلغ ألفين وخمسمئة ريال نمساوي تعويضا عن الحادثة.

6-  وبالإضافة إلى ذلك فإن مبلغ (1331) روبية التي سلمت لصاحب السفينة على أنها قرض مؤقت ستعاد إلى السلطان من قبل الحكومة البريطانية.

وتنفيذا لحكم المحكمة بعث القنصل البريطاني رسالة إلى السلطان فيصل بتاريخ 10 يوليو 1911 يبلغ فيها السلطان فيصل بوصول مبلغ التعويض وهو خمسة آلاف ريال ويطلب منه أن يرسل رجلا لاستلام المبلغ وتسليمه لمبارك بن خميس تعويضا عن سفينته الخضراء.

المرجع

1-  العتيقي، ناصر بن سعيد. مواقف القوى الكبرى من النشاط الملاحي لمدينة صور العمانية، رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية الآداب والعلوم والاجتماعية، جامعة السلطان قابوس، 2018.

*صور الوثائق من أرشيف الباحث الدكتور ناصر بن سعيد العتيقي  نقلا عن الهيئة العامة للوثائق والمحفوظات الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock