“المشتغلون بالتاريخ”: الباحث العُماني الذي ترك التخصص المتخرج منه ليتفرغ لـ “عشقه”

 أثير- تاريخ عمان

إعداددمحمد بن حمد العريمي

 

كانت بداية معرفتي به في عام 2019م عندما تشرفت بالانضمام إلى فريق “أثير”، وبدأت في التواصل مع الزملاء الباحثين في التاريخ العماني، والاقتراب من صوامعهم، ومتابعة أعمالهم وأنشطتهم، وولوج عرينهم التكنولوجي حيث المجموعات الواتسابية التي تضم النخب، ومن بينها شخصية هذا التقرير الذي  تعرفت به في إحداها، ثم تكرر اسمه مرارًا عند متابعتي لموضوعات بعض الإصدارات الثقافية العمانية في مجال التاريخ والمخطوطات مؤخرا.

وعندما قررت زيارة محافظة ظفار، وتحديدا مدينة مرباط التاريخية لأغراض عديدة من بينها إعداد مجموعة من التقارير التاريخية حول المحافظة بشكل عام، ومرباط بشكل خاص، كان اسمه أول من قفز أمام عيني كي أستفيد منه كباحث تاريخي على الرغم من عدم وجود علاقة شخصية تجمعنا سوى بعض الحوارات والنقاشات على ضفاف مجموعة “حصون التاريخ”الواتسابية.

وعندما تواصلت معه عصريّة يوم ثلاثاءٍ جميل بعد تردد حسمته الرغبة الكبيرة في سبر أغوار تاريخ مرباط، والاغتراف مما تبقى من كنوزها، شعرت من ردّه الأول أنني بحضرة صديقٍ أعرفه منذ النشأة الأولى برغم أنني لم ألتقِ به بعد، وقضيت معه بعد الاتصال الأول عشر ليالٍ بكاملها مرّت كالحلم، وكأنني في قصةٍ من ألف ليلةٍ وليلة؛ ذلك أن أبا أحمد فتح لي جميع البوابات التاريخيّة المغلقة، وطاف بي في تاريخ مدينته التي يعشقها كطفلٍ مغرمٍ بأمٍ حنون، منذ أن قدم محمد بن علي صاحب مرباط في القرن السادس الهجري وحتى عهد النهضة المباركة، وسبح بي في بحورٍ من الفن والأدب والأساطير، وحلّق بي عاليا فوق منارات المساجد التاريخية للمدينة، وأبراج حصنها، و”روشان” بيوتها الأثرية التي كانت شاهدا على حركة تجارةٍ نشطة لقرونٍ طويلة، وكان كريما معي حتى “الثمالة” في إهدائي كثيرًا من كنوز مكتبته، وعرّفني بالباحثين المهتمين من أبناء مدينته من الأدباء والشعراء والفنانين والمنقبين عن الكنوز الأثرية، حتى أمسى الصالون الثقافي المسائي حول طاولة مقهى الباحث والفنان الصديق عبد الرب بن جوهر طقسا لابد لي من تأديته كل ليلة.

إنه الباحث الأستاذ سعيد بن خالد بن أحمد العمري خريج الاقتصاد الذي تركه من أجل التفرغ لعشقه التاريخ؛ والذي تقدّمه أثير ضمن سلسلتها المتواصلة في التعريف بالباحثين العمانيين في مجال التاريخ العماني  “المشتغلون بالتاريخ”.

البداية مع حب التاريخ 

كان لولادة الباحث ونشأته في ولاية تاريخية يحكي كل حجرٍ فيها تاريخ قصةٍ قديمة كمدينة مرباط دورٌ  فيَّ حبّه للتاريخ والاهتمام به، وكان منذ الصغر مولعا بقراءة كتب التاريخ، كما كان لمكتبة المدرسة دورٌ في ذلك؛ حيث أتاحت له استعارة كتب السيرة النبوية وقصص الصحابة والفتوحات الإسلامية وغيرها من كتب التاريخ العربي والإسلامي، خاصةً وأنه كان وقتها رئيسالجماعة أصدقاء المكتبة في المرحلتين الإعدادية والثانوية بمدرسة ابن خلدون بمرباط .

 كما كانت حكايات الأسفار والفرضة وتجارة اللبان وقصص الأولياء والمقامات وغيرها من التاريخ المروي عن التاريخ القديم في مدينته مرباط دافعا للبحث في تاريخها وتراثها وتقصي ما ورد عنها في الكتب والمراجع، ومن هنا بدأت شخصيتنا في الدخول إلى عالم البحث التاريخي وسبر أغواره وتوسعت دائرة بحثه واهتمامه إلى تاريخ ظفار بشكل خاص وتاريخ عمان بشكل عام .

 

مشاركات متعددة

للباحث سعيد بن خالد العمري العديد من المشاركات المتعددة التي تدل على مدى اهتمامه بالبحث التاريخي وإسهاماته فيه، وهي مشاركات لا تقتصر على جانب دون الآخر؛ فهناك البحوث وأوراق العمل، وهناك المحاضرات، والمقالات المختلفة، بالإضافة إلى المقالات المنشورة في عدد من المطبوعات المهتمة بالتاريخ والوثائق، والمداخلات واللقاءات الإعلامية في عدد من وسائل الإعلام المرئي والمسموع، عدا عن إسهاماته المجتمعية في المجال.

ففي مجال البحوث وأوراق العمل قدّم الباحث خلال مسيرته البحثية حتى الآن عددًا من البحوث والأوراق من بينها: بحث بعنوان “المكانة التاريخية لولاية مرباط ” قدمه في ندوة (مرباط عبر التاريخ) عام 2012 ونشر في كتابها التوثيقي الذي أصدره المنتدى الأدبي، وبحث آخر بعنوان “ملامح عصر الإمام محمد بن علي القلعي الحياة السياسية والفكرية في مرباط في القرن السادس الهجري”، ضمن سلسلة (أعلامنا) التي نظمها النادي الثقافي 2012، وبحث ثالث بعنوان “ميناء مرباط ودوره في التواصل الحضاري العماني”، ضمن فعاليات (نزوى عاصمة الثقافة الإسلامية) التي عقدت بصلالة عام 2015م.

وبحث حول “الأوضاع السياسية في ظفار وأثرها على الحركة العلمية إبان القرنين الخامس والسادس الهجريين”، عام 2017م، وبحث عن”مدينة البليد الأثرية في المصادر التاريخية العربية والأجنبية” على هامش فعاليات معرض مسقط الدولي للكتاب 2018م، وبحث بعنوان “أعلام القضاء في ظفار” ضمن معجم القضاة العمانيين للدكتور عبدالله بن راشد السيابي ، 2017م، وبحث عن “مواني ظفار في مؤلفات أحمد بن ماجد” شارك به في ندوة الملاح العماني أحمد بن ماجد التي أقيمت عام 2018م.

 كما قدّم الباحث عددًا من المحاضرات من بينها: محاضرة عن “مرباط في أدب الرحلات”،   ضمن مبادرة (تواصل) التي نفّذها نادي مرباط الرياضي ، ومحاضرة عن علماء مرباط في القرن السادس الهجري ضمن نفس المبادرة.

ولباحثنا العمري عدّة مقالات تاريخية منشورة من بينها: مقال بعنوان ” تاريخ تجارة الخيل في مرباط” نشر في العدد الرابع من مجلة قلعة التاريخ الإلكترونية 2016م، ومقال آخر عن “موانئ ظفار ومعالمها البحرية في مؤلفات أحمد بن ماجد” نشر في العدد الرابع من مجلة (بحرنا) 2017م،  ومقال يتناول “تاريخ تجارة الخيل في مرباط” نشر في عدد يونيو 2019 ضمن موضوعات المجلة الثقافية التي تصدر عن مركز السلطان قابوس للثقافة والعلوم، ومقال حول “مخطوطات ظفار. نماذج من مؤلفات علماء ظفار في دور المخطوطات العامة والخاصة” نشر في العدد الثاني يونيو 2019 من مجلة الذاكرة التي تصدرها مكتبة ذاكرة عمان.

كما اشترك الباحث سعيد بن خالد العمري في عدة مداخلات ولقاءات إذاعية وتلفزيونية من بينها: حلقة الإمام محمد بن علي العلوي صاحب مرباط، ضمن برنامج (أسماء في التاريخ) من إعداد  تلفزيون سلطنة عمان في 2013، وحلقة البحث عن المفقود، ضمن برنامج (ذاكرة) الذي أعده تلفزيون سلطنة عمان في 2014، وفي حلقة مراسلات ووثائق السلطان تيمور في ظفار، ضمن برنامج (خط) لتلفزيون سلطنة عمان في يونيو 2016، وحلقة ظفار هبة اللبان، ضمن برنامج (المشّاء) الذي تعدّه قناة الجزيرة، وحلقة كتاب العمدة المهرية في ضبط العلوم البحرية، ضمن برنامج (مداد) لتلفزيون سلطنة عمان، رمضان 2019م، وحلقة كتاب البلاد السعيدة، ضمن نفس البرنامج.

كما شارك في لقاء إذاعي عن موانئ ظفار في مؤلفات أحمد بن ماجد، ضمن برنامج “العمانيون والبحر” الذي بثّته  إذاعة سلطنة عمان في  رمضان الفائت، ولقاء إذاعي آخر عن الشواهد التاريخية في ظفار، في إذاعة هلا إف إم.

بالإضافة إلى مشاركته في الكتابة حول المدخل الخاص بمرباط في الجزء الخامس ضمن موضوعات الموسوعة العمانية.

 رؤية عامة وملاحظات

يرى الباحث أن هناك حراكًا نشطًا في مجال البحث في التاريخ العماني بمختلف صوره وأقسامه من قبل الباحثين والمشتغلين به، وكل يوم نطالع الجديد والمثري ضمن سلسلة تتظافر فيها الجهود وتساند بعضها البعض وتقدم أعمالًا وبحوثًا ودراسات ترفد المكتبة العمانية بالجديد، ولكن أغلبها مجهودات فردية يتحمل فيها الباحث تكلفة الوقت والجهد بشكل شخصي، لذلك فإن وجود مؤسسة رسمية مختصة تتبنى هذه الأعمال والدراسات البحثية في مجال التاريخ العماني وتقدم لها الدعم المادي والرسمي سيكون له دور مهم وبناء على هذا الحراك وتساعد في إنتاجه وتوجيهه ضمن الأُطر الوطنية السليمة .

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock