بالصور: معلم تراثي عُماني يُعطي شعاعًا أحمر بالليل ينتظر الترميم

أثير- تاريخ عمان

وقف على أطلاله: د. محمد بن حمد العريمي

تمتاز السلطنة نتيجةً لثرائها الحضاري الكبير على مر العصور بالعديد من الشواهد والمعالم الأثرية التي تعد شاهدًا واضحًا لا تخطئه العين على قصة حضارةٍ دوّنتها عقول وأيدي وجباه أبنائها، تحكي قصة صراعهم مع الحياة، وجهودهم في الارتقاء بمفردات حضارة بلدهم، وقد خلفت تلك الجهود شواهد عديدة ليس أقلها السفن الكبيرة العابرة للقارات، والقلاع والحصون الشاخة، والأبراج الشاهقة، والبيوت الكبيرة التي كانت دليلًا على رخاء مادي واقتصادي لشريحةٍ من أهلها.

وعلى الرغم من تلك الشواهد المهمة؛ إلا أنه وفي غمضة عين فقدنا العديد منها لأسبابٍ عديدة، وقامت الجهات المعنية بالحفاظ على جزءٍ آخر، ولا يزال هناك شواهد متبقية تنتظر دورها في الحفاظ عليها وإعادة تأهيلها لتكون واجهةً حضاريةً مهمة تحكي للزوار وللأجيال اللاحقة قصة كفاح العماني على مر العصور.

“أثير” تقترب في هذا التقرير من معلمٍ معماريّ مهم كانت تمتلكه أسرة عريقة من كبار الأسر العمانية التي أسهمت في فترةٍ معينة من فترات التاريخ العماني البحري في وضع بصمةٍ مهمةٍ على خريطة التجارة العمانية، ألا وهي أسرة (بيت سيدوف) العمري في ولاية مرباط التاريخية، وبيتهم الشهير الذي أخذ اسم الأسرة.

أسرة بيت (آل) سيدوف

تُعدّ هذه الأسرة الكريمة من الأسر التجارية المشهورة في مرباط، وقد ظهر منها عددٌ من الشخصيات التجارية البارزة من بينهم: جمعان سيدوف بن حسن العمري الذي بدأ تجارته في اللبان، وفتح محلاتٍ تجارية في مرباط وسدح وصور، وهو أول من بنى البيت المعروف باسم الأسرة، وكان مُحبًا للخير ينقل الحجّاج في سفينته ويتكفل بنفقتهم.

ومنهم الشيخ حسن بن جمعان سيدوف الذي آلت التجارة إليه بعد والده، وتوسع فيها وفتح محلاتٍ جديدة في مومبي وزنجبار وممباسه وعدن وصور والمكلا والشحر والغيظة والمدينة المنورة وشيراز، كما تملك منازل شاسعة من اللبان في جبل سمحان وحاسك، وسفنًا عديدة منها الحكلية، وفتح الخير، وفلك السلامة، وفتح الباري، وأمانة الله، وقد أصبح التاجر الأول في ظفار وذات صيته في أسواق عمان واليمن والخليج والهند، يروى أنه كان يأتي بالأموال فيصبها في حفر عميقة بمخازن سفلية ببيته ثم يصب عليها الزيت كي لا تصدأ، وكان يتكفل بالقضايا القبلية مثل الديّات وما شابهها وينفق على كثير من الأسر والمعوزين، وله مساعي مأثورة في الإصلاح بين القبائل، وتوفي سنة 1919م.

ومنهم الشيخ أحمد بن حسن بن جمعان سيدوف الذي لقب بـأسد القرا وأحمد النوبي، اشتهر بالشجاعة والكرم والسخاء، وكان أديبًا مطّلعًا تصله الجرائد المصرية واليمنية عن طريق مومباي، كما كان يطالع في كتب الحساب والفلك، توفي سنة 1955م.

آل سيدوف

يعد البيت من أهم المعالم الأثرية لولاية مرباط، ويعكس الطراز المعماري للبيت حالة الرخاء والتطور الكبيرين لأسرة سيدوف منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، يعود تاريخ بناء البيت إلى أكثر من 160 سنة، حيث تم بناؤه في زمن الشيخ جمعان بن سيدوف بن حسن، ثم أضاف ابنه الشيخ حسن بن جمعان ثلاثة أدوار وروشانين علويين ومخازن ومستودعات لحفظ المال والبضائع وحوش خلفي واسع للمواشي.

الطراز المعماري للبيت

يغلب على الشكل المعماري للبيت الطراز العربي الجنوبي، فقد أشرف على بنائه مهندسون جلبهم بن سيدوف من مدينة المكلا، وبنته أيادٍ عاملة من مرباط، واستمرت عملية البناء أكثر من عامين.

 ويتكون البيت من أربع طبقات منها طبقة أرضية كانت عبارة عن سراديب تحتية لتخزين البضائع والغلال، وكانت الجمال التي تحمل اللبان تصعد محمّلةً به حتى الطابق الرابع المسمى (الروشان)، فيقوم العمّال بإنزال الحمولة، وقد بلغ عدد غرف البيت حوالي 55 غرفة تقريبًا مع الروشان، وكان به 6 مطابخ، وملحق ضيافة واستقبال خارجية يتكون من 3 غرف.

وتحرس المدخل بوّابة ساجيّة ضخمة صنعت في الهند وأحضرت إلى مرباط جاهزة، وبالإضافة إلى الباب الرئيس توجد ثلاثة أبواب أخرى تم عملها على أيدي نجارين مهرة في مرباط.

وقد أُضيف الدبس إلى النورة لكي يزيد من قوة ومتانة الطلاء الخارجي للجدار، وهذا ما كان يجعل المبنى يُعطي شعاعًا أحمر بالليل، كما جلبت بعض مواد البناء الأساسية من الهند

وقد سُمي بيت بن سيدوف بـ (بيت نزوى) تيمنًا بقلعة نزوى المعروفة، ولقوته وصلابته وضخامة حجمه.

بيت سيدوف إلى أين!!

على الرغم من الأهمية الكبرى للبيت باعتباره معلما تاريخيا شاهدا على حقبة الرخاء التجاري التي شهدتها مرباط، ورمزا معماريا يعد نموذجا رائعا لفن العمارة العمانية بشكل عام، والظفارية بشكلٍ خاص؛ إلا أن المنزل يكاد يتحول لبقايا أطلال، وانهارت أجزاء عديدة منه خاصة بعد الأنواء المناخية التي تعرضت لها محافظة ظفار في نهاية عام 2011م.

وكانت ملكية البيت قد آلت إلى وزارة التراث والثقافة بتاريخ 22/1/2005، كما كانت الوزارة قد أعلنت في 2015م بأن بيت سيدوف الأثري الذي يقع في ولاية مرباط سيتم بناؤه على فترتين: المرحلة الأولى تنظيفه وتمهيده من أجل بنائه على شكلة السابق، والمرحلة الثانية إعادة بنائه كليًا بعد توثيق المبنى هندسيًا من قبل خبراء من جامعة ليفربول البريطانية ليكون مركزا ثقافيا في ولاية مرباط، كما طرحت مناقصةً في 25 يوليو 2015 لتنظيف وتهيئة البيت لأعمال الترميم.

وبرغم مرور أربعة سنوات على المناقصة إلا أن القرار لا يزال (محلّك سر)، عدا سياج من الألمنيوم يحيط بالبيت، ومجموعة من الأعمدة الحديدية المتناثرة وسط من تبقى من أطلال، فهل سنشهد في القريب العاجل تحركًا سريعًا يحفظ ما تبقى من هذا المعلم التراثي المهم!!

المراجع

1-  جريدة الشبيبة. تنفيذ مشروع تهيئة «بيت سيدوف» بمرباط، الثلاثاء 16 فبراير 2016

2-  الشحري، محمد بن مستهيل. المعالم الأثرية لولاية مرباط، ورقة عمل ضمن أعمال ندوة مرباط عبر التاريخ، المنتدى الأدبي، مرباط، 2012.

3-  العمري، سعيد بن خالد. المكانة التاريخية لولاية مرباط، ورقة عمل ضمن أعمال ندوة مرباط عبر التاريخ، المنتدى الأدبي، مرباط، 2012.

4-  المشهور، حسين بن علي. تاريخ ظفار التجاري 1800-1950، مطابع ظفار الوطنية، صلالة، 2009

  • الصور العامة للبيت من تصوير معد التقرير.
  • الصور الأرشيفية من أرشيف الباحث سعيد العمري، وعدد من المواقع والصفحات بشبكة المعلومات العالمية.

.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock