أثنى عليه سماحة الشيخ المُفتي: قبل أيام، الذكرى الـ 20 لوفاة أحد المؤرخين العُمانيين المُهمين

أثير- تاريخ عمان

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

 

قدّمت عمان للأمتين العربية والإسلامية على مر العصور سلسلةً طويلة متواصلة دون انقطاع من العلماء والمؤرخين والأدباء والشعراء ورجال الطب والفلك وعلوم الرياضة وغيرها من المجالات، ممّن أثروا الساحة الفكرية الإسلامية بمؤلفاتهم ومنجزاتهم التي كانت دليلا لا تخطئه العين على مدى التقدم الفكري الذي وصلت إليه الدولة العمانية في مختلف عصورها.

وصادف يوم التاسع من سبتمبر الحالي الذكرى العشرين لوفاة أحد العلماء والمؤرخين المهمين الذي ظهروا في المائة سنة الأخيرة والذي يعد امتدادا لمؤرخين كبار من أمثال الأزكوي، وابن رزيق، والسالمي، والذي رفد المكتبة العمانية بعدد من العناوين التاريخية المهمة التي شكلت إضافةً مهمة لها، وأتاح لمن أتى من بعده من الباحثين سهولة الحصول على كثير من المعلومات التاريخية المهمة التي كان بعضها مبهما.

 إنه الشيخ المؤرخ سيف بن حمود البطاشي الذي تقترب منه “أثير” في هذا التقرير لتقدم نبذةً مختصرة عن أبرز محطات حياته، مؤلفاته، والشهادات التي قيلت في حق جهوده البحثية، وعناوين أخرى متعلقة بهذه الشخصية العلمية المهمة.

نسبه وولادته

هو الشيخ العلامة سيف بن حمود بن حامد بن حبيب البطاشي، ولد في الثالث والعشرين من رمضان عام 1347 هـ ببلدة (إحدى) من أعمال ولاية دما والطائيين، وهي بلدة أنجبت العديد من العلماء الكبار، وكانت بداية خطواته مع العلم من خلال تعلمه على يد عدد من المشايخ منهم عدي بن أنيس البطاشي الذي تعلم على يديه القرآن الكريم، ثم أخيه محمد بن أنيس الذي تعلّم معه مبادئ الفقه، ثم ذهب إلى نزوى حيث تعلم في مدرسة الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، كما تعلم على يد علماء كبار آخرين منهم الشيخ خلفان بن جميل السيابي، والشيخ عبد الله بن عامر العزري، والشيخ إبراهيم بن سعيد العبري.

أعماله الوظيفية

 

مارس الشيخ سيف البطاشي العديد من الأعمال وتنقل بين عددٍ من المحطات الوظيفية كان يجمع بينها العلم والبحث والاطلاع، فقد اشتغل منذ عام 1960 في القضاء، فكان قاضيا على جعلان بني بو حسن، وضنك، وإبراء، وقريّات، والسيب، وبوشر، ودما والطائيين، ثم عيّن في عام 1981 بوزارة التراث القومي والثقافة لمدة ست سنوات لتصحيح المخطوطات ومراجعتها، وفي عام 1991 عمل بمكتبة السيّد محمد بن أحمد البوسعيدي مصححا وباحثا.

مؤلفاته

على الرغم من تأخره في الإنتاج الفكري للمرحلة الأخيرة من حياته؛ إلا أن الشيخ سيف البطاشي كان غزيرا في إنتاجه، حيث أنجز العديد من المؤلفات المهمة من بينها: إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، وهو مؤلف يتكون من ثلاثة أجزاء بذل المؤلف فيه جهدا كبيرا لتتبع سير العديد من العلماء العمانيين في مختلف المجالات، وكتاب إرشاد السائل إلى معرفة الأوائل، وكتاب تاريخ المهلّب القائد وآل المهلّب، وكتاب دما ومآثرها التاريخية، وكتاب الطالع السعيد نبذ من تاريخ الإمام أحمد بن سعيد الذي تناول بالتفصيل ومن خلال الرجوع إلى العديد من الوثائق النادرة سيرة الإمام أحمد بن سعيد مؤسس الدولة البوسعيدية، وله كذلك كتاب فتح الرحمان ومورد الظمآن في جوابات الشيخ سلطان، وهو مجموع جوابات الشيخ العلامة سلطان بن محمد بن صلت البطاشي من علماء القرن الثالث عشر، وفي المجال الأدبي له كتاب إيقاظ الوسنان في شعر وترجمة الشيخ خلف بن سنان الذي يتناول سيرة وشعر أحد أشهر الشعراء والعلماء زمن الدولة اليعربية، والذي كان يضرب بمكتبته المثل في عدد الكتب التي ناهزت التسعة آلاف كما ورد في بعض أبيات الشاعر خلف بن سنان الغافري.

 

مكتبته

خلّف الشيخ سيف بن حمود البطاشيمكتبةً مهمة في بلدته “إحدى” تحتوي على حوالي (2600) كتاب، و(70) مخطوطة.

اهتمامه بالمخطوطات والأدلة التاريخية

كان الشيخ سيف كمؤرخٍ يبحث عن المعلومة والدليل أيا كان مكانه دون مبالاةٍ بالصعوبات والعوائق التي قد تواجهه، فكان يزور المقابر التي تحتوي على الأصلاف والشواهد وينقل المعلومات التي بها، ويتواصل مع أصحاب المخطوطات لأخذ نسخٍ منها قد تفيده في بعض الجوانب البحثية التي يشتغل عليها، وما الوثائق والمعلومات المهمة التي احتوتها كتبه والتي أتت بالجديد من المعلومات التي لم تكن معروفةً من قبل، أو صحّحت لمعلوماتٍ أخرى إلا دليل على طول نفَسه وسعةِ باله، ومن القصص التي تُحكى عن اهتمامه بالمخطوطات ما يرويه الباحث منذر السيفي أن الشيخ سيف بلغه أن شابًا في الحمراء ورث بعض المخطوطات فرحل من أجل الحصول على نسخةٍ منها، ولما وصل الحمراء قال له الشاب إن المخطوطات موجودة في البيت القديم، فلما ذهبوا إليه وجدوا أن السقف قد سقط على المخطوطات، فأخذ الشيخ يبكي كيف لكنزٍ عظيم يدفن تحت الأرض، فطلب آلة حفر وأخذ يحفر بنفسه حتى أخرج المخطوطات من تحت الأنقاض.

كما أورد الباحث محمد السيفي في الجزء الرابع من النمير أن الشيخ سيف عندما زار مقبرة الأئمة بنزوى بمعية والده الشيخ عبد الله بن سعيد السيفي واتجه بالقرب من قبور الأئمة على الجهة الشرقية صرخ أن في هذه المقبرة كنوزًا كثيرة، وقال: سأطلب من التراث أن تأتي هنا وتصور، لكنه توفي قبل أن يدرك ذلك.

تواضعه

عرف الشيخ سيف كعادة كثيرٍ من العلماء والباحثين الحقيقيين الذين يولون عملهم وبحثهم الاهتمام الأكبر بعيدًا عن كل ما يشغلهم عنه، بالتواضع، وهناك العديد من القصص التي تحكي عن تواضعه من بينها: أن سائلا جاء يستفسر معه عن مسألة معينة، فقال له يا شيخ، فقال له الشيخ سيف: لا تقل لي شيخ، وإذا كان ولا بد فقل لي عمي سيف.

ومن تواضعه كذلك أنه كان يطلب من النساخ الذين ينسخون له أن يمتنعوا عن ذكر أي لقب أو ثناء في حقه.

ونشر هلال بن خلفان البطاشي على صفحته في تويتر في 14 أغسطس 2012 “أدركتُ جدي سيف بن حمود البطاشي المؤرخ المعروف في طفولتي وكان الناس عندنا مع تقديرهم له ينادونه: “عمي سيفوليسالشيخ سيف“.

شهادات

كان الجهد الكبير الذي بذله الشيخ البطاشي في البحث عن المعلومة التاريخية، وتقصيه للبحث عن الوثائق والمخطوطات والأدلة بمختلف أنواعها محل تقدير وإعجاب العديد من العلماء والباحثين والمختصين، وتوجد العديد من شهادات الثناء على ذلك الجهد من بينها شهادة سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي الذي أثنى على كتابة الشيخ سيف البطاشي في بعض أعماله بقوله: ” اطّلعت على ما حرره الشيخ الكاتب الباحث الثقة سيف بن حمود بن حامد البطاشي في هذه الأوراق من تاريخ الأئمة الثلاثة” حفص بن راشد، وراشد بن سعيد، والخليل بن شاذان، ………، وكل ما ذكره الشيخ وجدته صحيحًا، وقد كان في نفسي من بعض ذلك من قبل أن أطّلع على هذا التحرير، فالحمد لله على توارد الخواطر”.

كما أثنى العلامة سعود الكندي على الشيخ سيف البطاشي بقوله ” كان الشيخ سيف بن حمود البطاشي عالما جليلا لم أر مثله في علم الأنساب والتراجم”.

 ويرى الباحث محمد بن عامر العيسري أن تجربة الشيخ سيف بن حمود البطاشي في سبر أغوار الوثيقة العمانية تعد تجربةً رائدة بامتياز كما تتجلى في كتبه إتحاف الأعيان والطالع السعيد وفتح الرحمن، ويضيف الباحث العيسري أن الشيخ سيف بن حمود البطاشي نقل في كتابه إتحاف الأعيان وثائق تعود إلى حقبة النباهنة جمعها من بطون المخطوطات ولم يتناولها من سبقه من المؤرخين.

وفاته

بعد حياةٍ علميةٍ حافلة بالكثير من الأعمال والمنجزات الفكرية سواءً على مستوى عمله كقاضٍ أو كباحثٍ ومنقّبِ عن الآثار والمخطوطات، ومؤلفٍ للعديد من العناوين التاريخية والأدبية الهامة، توفي الشيخ سيف بن حمود البطاشي إثر مرضٍ عضال وهو على مشارف السبعين من عمره، وذلك في 23 رمضان 1420هـ ، الموافق التاسع من سبتمبر 1999.

 

تكريم

اعترافا وتقديرا للجهد الكبير الذي قام به الشيخ البطاشي في خدمة التاريخ العماني فقد نظم المنتدى الأدبي ندوة بعنوان  “قراءات في فكر الشيخ سيف بن حمود البطاشي”، شارك فيها نخبة من الكتاب والأدباء العمانيين، وتم من خلالها تقديم عدد من أوراق العمل التي تناولت مجموعة من المحاور من بينها:(حياة الشيخ سيف البطاشي)،و (مؤلفات الشيخ سيف البطاشي التاريخية)، و(الشيخ سيف البطاشي فقيها وقاضيا), و(مخطوطات مكتبة الشيخ البطاشي)، و(أدب التراجم لدى الشيخ سيف بن حمود البطاشي)، و( مصادر الشيخ سيف البطاشي في مؤلفاته)، و(دور الشيخ سيف بن حمود البطاشي في تحقيق قضايا التاريخ العماني).

المراجع

1-  السيفي، محمد بن عبد الله. النمير حكايات وروايات، الجزء الرابع، مكتبة الأنفال.

2-  السيفي، منذر بن عبد الله. محاضرة عن حياة الشيخ سيف بن حمود البطاشي، جامع الجديدي، السويق،٢١/١/٢٠١٦م.

3-  معلومات عن الشيخ سيف بن حمود البطاشي، صفحة أبو اليقين السليماني، تويتر، 23 مارس 2017.

4-  صفحة محمد بن عامر العيسري، تويتر، 12 نوفمبر 2012

صور من مؤلفاته

  • الصور من عدد من المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي بشبكة المعلومات العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock