بالصور: مقابر في السلطنة لأناسٍ قيل بأنهم “خُسِف بهم”..وللعلم رأيٌ آخر

أثير- تاريخ عمان

وقف على أطلالها: د. محمد بن حمد العريمي

 

لطالما استوقفتني في كل مرةٍ أعبر فيها الطريق من مركز ولاية جعلان بني بو علي في طريقي إلى قراها الساحلية أو وديانها الداخلية الجميلة؛ مجموعة من اللوائح الإرشادية التابعة لوزارة التراث والثقافة التي نصبت وسط مجموعة من الشواهد الأثرية غريبة الشكل على مقربةٍ من مسجدٍ صغير يقع على الشارع العام في منطقة (بستن) شرق منطقة الجوابي، وهي إحدى المناطق الجميلة بالولاية، وتبعد عن مركزها بحوالي 20 كيلو مترا.

هذه المرة قررت أن أتوقف لرؤية هذه الشواهد عن قرب، والخروج باستنتاجات تاريخية معيّنة من خلال معاينتها على الواقع، وبعد أن كنت أعتقد أنها مقبرة واحدة إذا بي أكتشف أنها حوالي خمس مقابر متقاربة الموقع، اثنتين منها بمحاذاة الشارع العام من جهة الجنوب، وثالثة بمحاذاة الشارع من جهة الشمال، واثنتين في الجهة الشمالية الغربية من الشارع على بعد حوالي 300 متر عن المقابر الثلاث الأولى.

قبور المحشّر

 

 خلال رحلة بحثي عن تاريخ تلك القبور أو الشواهد لجأت في البداية للمجتمع المحلّي علّني أجد تفسيرًا أو معلومات معينة حولها، فكانت أغلب الإجابات تستحضر الروايات الشعبية القديمة التي سمعتها في صغري واعتقدت أن العلم والزمن كفيلٌ بنسيانها، والمتعلقة بتسميتها بقبور (المحشّر)، ويقصد بها جميع القبور التي دفنت على الطريقة غير الإسلامية، وتشير الرواية الشعبية إلى أناس خسف الله بهم الأرض في زمنٍ غابر نتيجةً لفعلٍ مخالف قاموا به، وهي رواية تكررت لتشمل تفسير وجود أشكالٍ طبيعيةٍ أخرى اعتقد السكان بغرابتها فكان التفسير الديني هو الأسهل والأقرب، كما أن هذه الشواهد توجد في مناطق أخرى قريبة مثل أودية جريف، وأبو مدرة، والرويضة، مما عزّز من انتشار التسمية بين الأهالي.

هيئة الشواهد

من يزر الموقع يلاحظ أن هذه الشواهد تتناثر على عدة تجمعات يبلغ عددها خمسة، وفي كل موقع حوالي 20-30 شاهدا يختلف عددها من موقعٍ لآخر، وهي عبارة عن أحجار مسطحة نصبت بشكل عمودي ثلاثي، في صفوف منتظمة، ويلاحظ أن مواقع هذه الشواهد تقع على حواف مجاري الأودية الجافة التي كانت المياه تغمرها يوما ما بدليل وجود بقايا الطحالب والقواقع الملتصقة في الصخور الضخمة التي تقع في وسط مجاري تلك الأودية، وبقايا التربة الطينية التي تنم عن وجود مصدر وفير من المياه في فترة زمنية سابقة.

كما يلاحظ وجود نمط حديث للقبور في أحد تلك المواقع تعد على أصابع اليد؛ مما يعزز من مصداقية إحدى الروايات المحلية التي تتحدث عن وجود مقابر وسط تلك المواقع لأشخاص قتلوا في اشتباكات محلية معينة في فترة زمنية متأخرة.

رأي العلم

 

في محاولةٍ للبحث عن تفسيرٍ علميّ لهذه الشواهد تواصلت مع الأستاذ والباحث سلطان بن سيف البكري مدير عام الآثار بوزارة التراث والثقافة الذي أمدّني بتصميمٍ توضيحيّ يحتوي على معلومات تشير إلى أن عمر هذه الشواهد الحجرية الثلاثية يبلغ حوالي (2000) عام وهي تعود إلى العصر الحديدي المتأخر، وهي تنتشر على طول سواحل جنوب وشرق شبه الجزيرة العربية من حضرموت وحتى رأس الحد، وتتكون هذه النصب من ثلاثة أحجار مسطّحة عمودية تميل بزاوية إلى الداخل لتشكل مثلثا هرميا، وتكون غالبا مرتبة في صفوف على جوانب مجاري المياه الجافّة، وهي في الغالب مرتبطة بمواقد نار دائرية، وعلى الرغم من أنها تبدو علامات لمواقع ذات مغزى خاص مرتبط بطقوس قديمة، إلا أن التحدي الذي يصعب تفسيره هو عدم وجود بقايا عظام بشرية أو أية لقى أثرية بالقرب منها.

مواقع أثرية قريبة

 

خلال تجوالي في المنطقة القريبة من مواقع تلك الشواهد استوقفني منظر بعض الركامات الحجرية في قمم بعض الجبال التي تحيط بالموقع فاقتربت من أحدها ويقع شمال الموقع، فوجدت بقايا ثلاث تلال صخرية على شكل خلايا نحل متوزعة على سفح قمة الجبل، ويبدو أنها وبحسب رجوعي لبعض الدراسات المتخصصة التي تناولت أعمال التنقيب في مناطق أخرى مشابهة في منطقة جعلان أنها  تعود إلى نهاية الألف الرابع وبداية الألف الثالث قبل الميلاد، أي الفترة المسماة بفترة حفيت في شبه الجزيرة العمانية؛ حيث أشارت تلك الدراسات إلى وجود عدد ضخم من القبور البارزة على السطح التي تأخذ شكل الركامات الحجرية وخلايا النحل أو أبراج شيّدت في مواضع مختلفة، وبخاصة تلك المشيدة على قمم التلال والهضاب الصخرية والحصوية وعلى حوافها ومنحدراتها وسفوحها، ما أعطاها خاصية كونها سهلة التمييز حتى من مسافات بعيدة.

وتعد منطقة جعلان من بين أهم المناطق التي أدت دورا مهما في التطور الحضاري بالمنطقة، فقد كشفت أعمال التنقيب الميدانية عن عددٍ كبيرٍ من المواقع التراثية المهمة كرأس الجنز، ورأس الحد، والسويح، وخور جرامه، والأشخرة، وأصيلة، وغيرها الكثير.

كما عثر في تلك المواقع على العديد من الشواهد الأثرية من بينها مقابر من فترات ما قبل الإسلام، ومقابر إسلامية، وبقايا مستوطنات وأبراج من فترات زمنية مختلفة، إضافة إلى عدد كبير من الرسومات الصخرية التي عثر عليها في أحد أودية المنطقة، كما عثر على عدد آخر من الشواهد الأثرية منها بقايا لمساكن، وركامات حجرية، وتناثرات لمواد سطحية مثل الفخار والصوان تمثل نشاطا بشريا في المنطقة.

المراجع

1-  الجهوري، ناصر بن سعيد. تأثير العوامل البشرية والطبيعية في المشهد الأثري في الجزء الغربي من إقليم جعلان، المجلة الأردنية للتاريخ والآثار، مجلد 11، العدد 2، 2017.

2-  الجهوري، ناصر بن سعيد. العصر البرونزي في الجزء الغربي من إقليم جعلان بسلطنة عمان، مجلة أدوماتو، العدد 24، يوليو 2011

3-  شكل توضيحي يتناول الشواهد الحجرية الثلاثية ، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

    1. تراها أثير مثل الجماعه أرادت أن تجعل لها تاريخ مزور أيضاً..
      أيام الترحال بالسفن كان الذي يتوفى في البحر ينزلون إلى الشاطئ ليدفنونه بوضع أتربه وحجر فوقه، و الذين يأتون من السند عبر البحر ويسلكون الطرق الساحلية المقصد الوصول إلى الحج و يتوفون في الطريق والذين قتلو بسبب الاستعمار البرتغالي البرتغاليين أنفسهم الذين قتلو أو توفو في البحر أو الطرق الساحلية وغيرها من الأحداث كلها كفيله أن تجعل هذه الآثار التي يتحدثون عنها.. بغض النظر عن بعض المناطق الساحلية التي دمرتها مدافع الأسطول البرتغالي كمنطقة قلهات الساحلية و آثار الدما شاهدى حتى الآن ويرفضون الإعتراف بأسباب آلدمار و ينسبونه إلى زلزال حل بالمنطقة بسبب جور الناس بينما كان الساحل مزدهر قبل مجيء البرتغاليين والداخل عائش في ظلام دامس يتقاتل ويتناحر ليس له دولة و رافضاً لحكومة مناطق الشريط الساحلي الممتدة من رأس الحد حتى الخليج العربي وصولاً الى البحرين …

      لا نقرا في هذا الحاضر إلا الريخ ملعوب به ومزور.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: